فسحة معرفة (19) .. العراق وقانون سكسونيا


 

العدالة تعني تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، فلا فرق بين فقير وغني أو مسؤول ومواطن عادي ، وهذه من ميزات وسمات المجتمعات المتحضرة التي قطعت أشواطا بعيدة في البعد الانساني والحضاري . وحينما يطبق القانون بانتقائية وتمييز على اساس الانتماء الطبقي ، حينها لا يسعنا إلا ان نتذكر سكسونيا وقانونها الغريب .

في مقاطعة سكسونيا في شرق المانيا على الحدود التشيكية البولندية أرادت حاكمة الولاية ومجموعة من النبلاء ان يضعوا قانونا يطبق على الجميع ويضمن العدالة ولكن من وجهة نظرهم الخاصة ، فقد سنُّوا قانونا للعقوبات يقول : اذا ارتكب الفقير أي جريمة يؤتى به في الساحة العامة أمام الجميع عند اكتمال الشمس وتنفذ بحقه العقوبة ، واذا ارتكب الغني نفس الجريمة يؤتى به أيضاً امام الجميع عند اكتمال الشمس وتنفذ العقوبة بحق ظله، فلو قتل الفقير شخصاً فيقطع رأسه أمام الناس ،أما الغني فيقطع رأس ظله ، أي يعاقب ظله وقد سمي هذا القانون بقانون سكسونيا، وأصبح يضرب به المثل للتفرقة بين الناس وشدة الظلم.
وهو يماهي قانونا جاهلياً كان سابقا عند العرب الذي قال عنه النبي محمد ( كان اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) .
وهذا القانون يعني ان هناك أناس فوق الشبهات و فوق القانون بل يستهزئون به ، فهم لا يخشون العقاب فيسؤون الأدب ويتجاوزون كل الحدود ، وما أشبه هذا القانون بما هو سائد اليوم في العراق، لذا حينما اسمع أو أرى ما يقوم به الفاسدون أتصور ان سكسونيا عادت من جديد بنسخة عراقية .
فماذا تعني سكسونيا ؟؟؟
تعني ان يحكم طبقة من الفاسدين ( النبلاء) الدولة وراثيا ً ويجعلون المعدمين والفقراء عبيدا وأقنان، فماذا نسمي طبقة تستخف بالقانون وتبني إمبراطورياتها المالية والسياسية على تضحيات ومعاناة المهمشين ، وتستغل الثروات وتتجاوز على عقارات الدولة وممتلكاتها وتستولي عليها .

ألسنا نعيش في وطن سكسونيّ تفرض فيه الضرائب والعقوبات حصراً على المعدمين والضعفاء والموظفين الصغار , ويطبّق القانون على فئة دون أخرى باستثنائية وانتقائيّة واضحتين ، ويترك الفاسدون والسراق دون عقاب يسرحون ويمرحون. أليس من الظلم أن يضحي الفقراء والبسطاء بأرواحهم من اجل الوطن ليعيش ابناء الفاسدين في ابراجهم وقصورهم منعمين .
لم نسمع منذ ان تأسس وطننا السكسوني في العام 2003 الى يومنا هذا ان لصا ً او فاسدا ً او ( نبيلا ) من طبقة النبلاء طبق عليه القانون وسجن او عوقب .
لكننا نسمع كثيراً عن معاقبة المضحين وعدم أنصاف المستضعفين.
ماذا نسمى الدّولة التي يترأسها زعماء المافيات , وأولادهم, ونساؤهم, وهم يحتلون المناصب ويستحوذون على المال والسلطة ويسنون قوانين تناسب وضعهم الخاص دون مراعاة للكادحين الى ربهم كدحا, ماذا نطلق على بلد يستخف زعمائه بكرامات النّاس, وآمالهم, وأحلامهم, وينسجون لهم من خيوط الخداع وطناً من سراب ؟.

أليست دولة سكسونيا تلك التي يحكم فيها أمراء الحرب, المقامرون, تجّار المال والدّم, المتنافخون الفارغون, ويُهمش فيها المفكرون والمبدعون والعلماء ويشردون في ارض الله الواسعة يبحثون عن لقمة عيش لهم ولعوائلهم ليحافظوا على كراماتهم التي هدرها قانون سكسونيا العراقي , أي وطن يطرد فيه الأحرار ويقاطع الثوار والمنتفظون المطالبون بحقوقهم , ويكرم فيه العملاء والخونة ، أي وطن تُعتقل فيه الحريّة, وتُشترى الصحافة او تجير لأصحاب النفوذ والسلطة أليس هو وطن سكسونيا .
والمثير في كل هذا ان السكسونيون الجدد في العراق قد تميزوا على القدماء إذ خلقوا لهم طبقة من الرعاع تصفق لهم وتبرر كل موبقاتهم .
يبقى ان نقول ان قانون سكسونيا سُن في العصور الوسطى حينما كان العبيد لا حول لهم ولا قوة فتحكم بهم القانون لكنهم انتفضوا بعد حين ، واستيقظوا من نومهم وناضلوا ليصلوا الى الحرية والعدالة فيا ترى متى يتخلص العراق من قانون سكسونيا والسكسونيون؟
فهناك شعوب ناضلت وأخرى تجتّر التاريخ المظلم وترضى بحكم الجور عليها وعلى أجيال ستأتي بعدها. فلا تثريب عليها بعدئذٍ .

لا تعليقات

اترك رد