أداة الحكم…


 

عاشت المجتمعات البشرية على امتداد التاريخ حالات صراع مستميت،أخذ أشكالا متعددة،ففي عصر المجتمعات القبلية يدور الصراع بين أفراد القبيلة الواحدة على زعامتها وبين القبيلة والقبائل الأخرى على المراعي والمياه لأنها وحدها تمثل الثروات المعروفة لديهم آنذاك.وتطور الصراع بتطور المجتمعات ونشأت المدن فكان الصراع على حكم المدينة ثم على طريقة الحكم.

وفى العصر الوسيط اتخذ الصراع شكلا مختلفا فكان بين طبقة محكومة وطبقة حاكمة تنافست هذه الأخيرة فيما بينها على السلطة . ثم صار صراع الدول بعضها مع البعض الآخر صراع تسابق على ثروات الأمم الضعيفة المتأخرة .

إن المشكلة الكبرى في حياة الدول تتمثل في نزاعها المتواصل مع شعبها ،أنه صراع بين حاكم ومحكوم .

لقد كانت الدولة بمثابة أداة الحكم التي تنفذ سيطرتها على شعبها في كل مراحل سيرورة التاريخ، لقد كانت دولة مالكي العبيد في عصر الإقطاع وجهاز للهيمنة الأرستقراطية ودولة الرأسمالية التي تسيطر على الطبقة العاملة في النظام الرأسمالي.

أن الدولة النيابية الحديثة هي أداة رأس المال لاستغلال العامل الأجير والسلوك الذي تنتهجه أدوات الحكم جعل البعض يعرفها بأنها أداة قسر وإكراه تتسم بانقسام المجتمع إلى طبقات وترتبط نشأتها ووجودها بنشأة الصراع ((الطبقي واستمراره . وقد أوضح ماركس هذا المعنى بجلاء في مؤلفه (( الحرب الأهلية في فرنسا حيث وصف الدولة بأنها ظاهرة طفيلية تمتص دماء المجتمع وتعوق حركته ، ويكون الحاكم فيها بمنزلة سلطة مستقلة عن الشعب ومسخرة لخدمة مصلحة طبقة على حساب الطبقات الأخرى .

وتحت هيمنة النظم الإقطاعية القيصرية استمر هذا العنف والظلم من الدول على شعوبها إلى أن قوض بفعل قيام الثورة الفرنسية التي أسست أول نظام جمهوري في العالم ، وحذت حذوها دول كثيرة وظهر ما يعرف في أنظمتها بالنظام الديمقراطي التقليدي الليبرالي الغربي الذي اعتمد نظام التمثيل النيابي ، ولكنها أحدثت أزمة لشعوبها تمثلت في التدجيل وتغييب الجماهير عن اتخاذ قرارها ؛ ما أدى إلى رفض سياسة أداة الحكم بقيام الإضرابات والمظاهرات واستمرار الصراع للوصول إلى السلطة حيث انقسم المجتمع إلى أحزاب وفئات متعددة .

والمواطن الذي يعيش في ظل هذه الأنظمة يخشى التعبير عن مشاعره إذ إنه يعلم أن شتى وسائل القمع ستستخدم ضده مثلما نرى من حالة الشعب البريطاني الذي يعانى من تسلط الشرطة التي تستخدم التقنيات الحديثة لتفريق المظاهرات التي تعبر عن حالة الشعب ، فتلجأ إلى وسائل القمع الجسدي المباشر ، لان أساس مفهوم نظام الحكم لديها لا يستقيم إلا باللجوء إلى العنف .

فالديمقراطية التي يتحدثون عنها زائفة وهزيلة . إذ يستحيل أن توصف هذه الحكومات التي تنهج هذا النهج بسوى الرجعية والدكتاتورية .

وفى قائمة هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وسواهما من الدول التي تدعى العظمة لنفسها والتي لا تستطيع أن تنفى سمة القمع عن ممارستها وإجراءاتها الحكومية .

وما معاناة شعوب هذه الأنظمة وظهور الإضرابات والاحتجاجات وانتشار مظاهر القمع ووسائل التعذيب ، وكثرة السجناء والمهجرين ، وتفشى البطالة ، وانعدام الحريات والمساواة إلا دليل على سوء سلوك وتصرفات أدوات الحكم على شعوبها .

ذلك لأن النظام الرأسمالي أدى إلى استغلال الفقراء ، وسيطرة الأغنياء أصحاب الطبقة المميزة على المجتمع كله . كما أصبح هذا النظام أساسا وسببا لأشكال متنوعة للاستعمار .

أما النظام الشيوعي وهو نظام علماني مقابل للرأسمالية فإنه يعالج المجتمع بأساليب مادية بحتة لتحقيق أهدافه فهو يهدد كافة الحريات ، وقد أدى إلى قيام حكم استبدادي قائم على أساس بيروقراطي يسيطر عليه حكم فرد أو جماعة من الأفراد. وفى ظله تحتكر الدولة جميع وسائل الإنتاج المادي والثقافي ، وتسيطر على جميع حوافز الفرد وحريته في المجتمع ، ثم إن النظامين انغمسا في الاستعمار بشكليه الرأسمالي والشيوعي للسيطرة على العالم .

لقد كشف العديد من المفكرين الغربيين عن أزمة الحضارة الغربية وسلطوا الأضواء على حتمية انهيارها في العديد من كتبهم مثل (( الإنسان ذلك المجهول )) لالكسيس كاريل (( الإنسان المقيد )) لجوزيف زويس .(( سقوط الغرب . واللا انتماء )) لكولن ولسن (( انحدار الغرب )) لاوزفالد شبينغلر(( البحث عن الإيديولوجية البديل)) لروبير ديون . حيث تناولوا بالنقد النظامين الرأسمالي والاشتراكي وأبرزوا علاقات انهيار الحضارة الغربية مثل الزيادات في حالات الانتحار أو الإدمان على المسكرات والمخدرات أو الجرائم ، أو الزيادات في حالات الأمراض النفسية والعصبية الناتجة عن الخوف والقلق والوحدة والخواء والانتماء ، فضلا عن الإحصاءات المتعلقة بالتسلح والقنابل الجرثومية والكيماوية والنووية وما يتهدد العالم من حرب مدمرة لا تبقى ولا تذر .

فالمجتمع الرأسمالي مجتمع المتناقضات بين طبقاته، ومجتمع الصراعات بين تلك الطبقات من جهة ، وبين أفراد كل طبقة فيما بينها من جهة أخرى . حيث يتقاتل الناس من أجل المال فهناك مجتمع الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة التي تتحكم في الأسواق وفى وسائل الإنتاج . وتجتمع إلى يدها السلطة السياسية حيث تدير دفة الحكم إلى مصالحها الخاصة . وهناك طبقة الفقراء من العمال وهى طبقة ينزف دمها وعرقها في سبيل لقمة العيش هكذا عالم الرأسمالية ، عالم يحكمه المال ، وتختفي فيه كل عاطفة إنسانية من مواساة أو رحمة وغير ذلك مما تدعو إليه الرسالات السماوية .

أما المجتمع الشيوعي فهو الصورة المقلوبة للرأسمالية ، فإذا كانت الرأسمالية تقوم على الفردية واستقلال كل فرد بذاته وانعزاله عن المجتمع ، فإن الشيوعية قد قضت على ذاتية الأفراد قضاء تاما وأذابتهم في المجتمع . فالفرد في الشيوعية آلة مسخرة تعمل للدولة وهى السلطة التي انعزلت عن المجتمع تسوقه كما يساق القطيع من الحيوان وتوجهه يمينا أو شمالا دون أن يدرى إلى أي اتجاه يساق أو إلى أي غاية يعمل ، فإذا فتر أو أبطأ كان السوط على ظهره ينزف دما ، وإذا رفع رأسه معترضا أو محتجا كان الموت أقرب إليه من يده فيذوب الفرد في هذا المحيط كما تذوب قطرات المطر في مياه البحر .وإذا ما نظرنا إلى سياسة أدوات الحكم في هذه الأنظمة الليبرالية من جانبها الآخر ، وهو السياسة الخارجية فإننا نراها تلجأ إلى ما يعرف بالإرهاب الدولي ، حيث تقوم بالاعتداء على الشعوب الصغيرة الآمنة بهدف إرهابها والسيطرة عليها، أو فرض نظام حكم معين لكي يتسنى لها نهب خيراتها وثرواتها، وفى حال رفض أي دولة لسياسة الانصياع لسلطتها والخنوع لأوامرها تلجأ إلى فرض سلاح إرهابي آخر وهو الحصار الاقتصادي الذي يؤدى إلى عمليات التجويع.

حتى النظام الشيوعي أقام حكما دكتاتوريا عن طريق الحزب ، ولم يكن لديه أي إمكانية لممارسة الديمقراطية بأي شكل من أشكالها حيث تحول الحزب الشيوعي الذي يعرف برأسمالية الدولة إلى الوارث لأداة الحكم السابقة .

فالنظام القيصري وحكم الحزب الشيوعي وجهان لعملة واحدة إذ عانى الشعب هموم النظامين . لأن هذا النظام يفرض على المواطنين كافة الاقتناع بفلسفته السياسية القائمة على وجوب الخنوع إلى حزبه الأوحد الذي لا يحق له إلا أن يحمل شعاراته ويعمل على تحقيق أغراضه، وكم من أداة حكم في العالم الثالث والدول النامية فرضت على شعبها تطبيق أحد النظامين الرأسمالي أو الشيوعي ، وفشلت في سياستها الداخلية فشلا ذريعا حيث فشا الفساد والرشوة والمحسوبية وأوشكت الحريات وحقوق الإنسان أن تنعدم أو كادت ، واتخذت لاستمرار نظامها المقلد أعتى أساليب العنف والظلم ما أدى إلى عدم الاستقرار واضطراب حياة شعوبها وكانت النتيجة قيام الانقلابات أو الثورات أو نشوب حروب داخلية راح ضحيتها عدد كبير من البشر .

ناهيك عن تلك التي اتخذت ظاهرة التحكم في الأقليات وعدم الاعتراف بحقوقها السياسية والاجتماعية ، وتركتها تعانى الاضطهاد والاستغلال ومشاكل اجتماعية تهدد سلامة تلك الأقليات وكيانها .

وهذا ما يؤكد لنا فشل الأنظمة الغربية والشيوعية في حل مشكلة الأقليات لأن معظم الأنظمة الحالية ليس بإمكانها أن تمنح الأقليات حقوقها الكثيرة، وتجلت هذه المشكلة في الدول الغربية في النظم السياسية ذاتها ولاسيما النظم البرلمانية والأحزاب السياسية التي ترتبط بالدرجة الأولى بمصالح فئة معينة.

في حين أن النظم الشيوعية تستحوذ طبقة واحدة على مقاليـد الأمور الاقتصادية والسياسية بالحزب السياسي .

ومن هنا يتبين أن نظام الأحزاب في الدول الغربية والشيوعية هو لبّ المشكلة إذ إنه يلعب دور الحاجز بين الشعب والحكومة .)

وفى ظل هذه الأنظمة السائدة تعيش البشرية حالة من الفوضى في حياتها أدت إلى زعزعتها واضطرابها وزيادة همومها كانتشار المحرمات وتفشى البغاء وأماكن الدعارة ، وتوسيع دائرة الاستغلال والقهر والظلم دون أن يقف أي من هذه الأنظمة المشار إليها سلفا للحد منها وكأنها وسيلة ناجحة تطمئن إليها لإلهاء الشعوب عن التفكير في السلطة .

كما أن ثمة مشاكل كانت أداة الحكم قد تسببت فيها ولاقت شعوب المعمورة هموما لا طائل لها من جرائها قتلا وتشريدا وضياعا لممتلكاتها ، وهى إقامة الحروب التي أمرت بها أدوات الحكم وفرضتها على شعوبها ، وهى حروب سادت معظم دول العالم إن لم تكن جميعها ، وأصبح تاريخ البشرية تاريخا مضطربا تحتل فيه الحروب حيزا واسعا . أما السلام فمجرد فترات زمنية تطول أو تقصر تقع بين حربين على حد ما لاحظ أحد الفلاسفة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا وقعت الحروب بين البشر ، بل كيف حدثت على أرض الواقع على مدى الأزمنة والأيام ، أو من هو المسؤول عن إقامتها ؟ أليس ذلك ناتجا عن تهور أدوات الحكم في بسط سلطانها .

فالحروب مهما تعددت أشكالها وأطوارها فهي وسيلة لتقويم مسار سياسي أو فرض مسار سياسي جديد على بلد معين . والمحصلة أن شعوب العالم لاقت من جراء إقامة هذه الحروب قديما وحديثا ظلما وعسفا وقهرا وضياعا وتشردا وفزعا طيلة هذه الحروب ، ناهيك عن قتل الملايين ، من البشر وتهجير الملايين وترك أوطانهم ليعيشوا غرباء ، وكم من استعمار عمل بشكل جنوني ووحشي عنيف أدى إلى إبادة حضارات ساحقة ، كل ذلك كان بسبب تصرفات أدوات الحكم الطائشة التي لا تنظر إلى عواقب الأمور .

وخلاصة القول في هذا الجانب : إن كان للبشرية بد من أدوات الحكم تأخذ بيدها صوب السعادة والاستقرار ، ورفع همومها التي عاشتها عبر تلك الأنظمة المتعددة الشكل الموحدة الطابع فعليها أن تتجه نحو طرح النظرية العالمية الثالثة لتستلم الشعوب سلطتها وتقرر مصيرها ،وتحكم نفسها بنفسها دون وساطة أو نيابة أو تمثيل، وذلك بممارستها للديمقراطية المباشرة التي تجعل منها الشعب السيد، الحاكم والمحكوم في نفس الوقت، لذلك نقول أن الديمقراطية ليست رقابة الشعب على أداة الحكم ولكن الديمقراطية هي رقابة الشعب على نفسه.

لا تعليقات

اترك رد