البطل والحكاية


 

وأنشأت البطل إنشاء ولم يبق شيء غير الحكاية تحرّكه للفعل. وبدا على درجة من النّضج تضاهي ما عليه مصطفى سعيد ووليد مسعود رغم ما فيه من وهن متعب الهذال وسذاجة كنديد, وقف البطل ينتظر الحكاية التي لم تستو بعد. كانت شتاتا من الأحداث وفوضى من الحركات وكومة من الظروف الخاوية على عروشها. وأزمنة باهتة صفراء بعضها مكلوم وبعضها موهوم لا حقيقة له وبعضها مسقط لا علاقة له بالواقع.حكايته بلا تضاريس بلا مفاجآت ولا أزمات بلا عجيب ولا غريب. إنها وهم الحكاية وظلها, ضباب معتم, سحاب بلا مطر تموت فيه البروق العقيمة وتكتم فيه زمجرة الرعود الكاذبة.

لا يهم إن كان وسيما طويلا حاذقا عارفا أو دميما قصيرا خائبا. المهم أن يكون بطلا يوقد نيران الحبكة ويسعر لظى الحركة ويعرب عن عنفوان الفعل ويجنح بالخيال ويصدم التوقع ويعكس الاتجاهات. وينبو ويسفل فيولّد الأسئلة وينشئ مسارات الحكي ويكون بالفعل نفسه ونظيره. ويكون حقا وباطلا. إنه البطل الذي انتظرته منذ أمد ليس بالقصير. سيكون المحرك الذي يتحرّك. بطل له حكمة القدامى وصبر أيوب ووفاء السموأل وندم الكسعيّ وبطش الحجاج ولكنه مع ذلك كلّه ظلّ ساكنا صامتا لا يعتريه التغيير ولا يغيّر شيئا مما يفترض أن يفعل فيه بطل الرّواية. “أين الحكاية؟ “هكذا تخيلته يسألني. “أين القصة التي أنا بطلها؟” “أحسّ بالغربة” “كيف تزعم أن البطل يسبق الحكاية؟ إنما بالحكاية يكون البطل وبها يعرف”. شغب عليّ وزاد في جنوح خيالي بعيدا بعيدا عن مسالك الأحداث ودروب تشكلها وساحات نزالها. لم أعد أرى غبار معارك الشخصيات ولم أسمع جلبة حديدها وصليل سيوفها. لقد حجبت الحيرة والنزوة عن عينيّ الأرض التي يقف عليها بطلي الغريب وعمي بصري عن مدى امتداد قامته في الأفق. وسرت في النفس لمع من هذا الكتاب وذاك ومن هذه السيرة وتلك ولكنها كانت جميعها عقيمة لا تبشر بشيء ذي بال. ووسوست لي الرغبة وتردد صدى وسواسها في أرجاء نفسي “ليكن هذا نمطا جديدا في الكتابة”.

أية حكاية هذه التي لا تكتب شيئا ولا تقول قولا ولا تبرم ولا تنقض ولا تختار ولا تترك؟ إنه العدم كتابة بل هي كتابة العدم. إنه الفراغ يصنعه نظام حياتنا الذي يوهمنا بوجود أبطال قبل حتى أن يولدوا وقبل أن يَدرُجُوا وقبل أن تجلوهم الأيام وتختبرهم الليالي. لذيذة هي صناعة الأبطال المجرّدين. لذيذة هي هذه الصناعة الرياضية المطلقة في الزمان والمكان والأهداف والغايات.

بطل عاطل عن العمل يقف في الطابور أمام مكتب التشغيل المقفل منذ شهور. بطل يؤمن بأنه هو الأصل والحكاية هامش. بطل ينتظر أن يفتح مكتب التوظيف ليمده بورقة بيضاء يرسم عليها أحلامه وأمانيه وانتظاراته. يمده بورقة أخرى ليخطّ عليها سيرته الذاتية. تناولها البطل بعد أن تخلص من هويته السّردية وجعل يحرك القلم على البياض دون غاية. وفجأة كسر القلم ومزّق الورق وعضّ على انامله كالطفل الغرير. وصاح بي كالحانق أو كالسعيد أو كاليائس أو… “من هنا… من هنا تبدأ الأحداث. هذه هي حكايتي” وغمرته النّشوة. وتهللت أسارير وجهه. وظننت أنه الفرج لكنّ باب المكتب مازال إلى يوم الناس هذا موصدا وا لطابور مازال يطول ويطول ويضيع بين الأنهج والأزقة ومعه تضيع حكاية وهم ويظلّ البطل بلا حكاية يقف منتظرا حدثا قادحا.

لا تعليقات

اترك رد