أعمال فلكلورية عند الفنانة الراحلة – وسماء الأغا

 

حينما تكون مقتربات التشخيص لفنان تشكيلي، أكثر … من خلال المعايشة في درب واحد، هو درب الزمالة في أكاديمية الفنون الجميلة، حينها ستكون النتائج تحتوي على إنعكاسات تحليلية مزدوجة. .بين رصد مراحلها الإنتقالية التكنيكية والتعبيرية، وبين محتويات سلوكها السايكلوجي، لأن الأمرين تتكامل بهما محصلة صيغة الإبداع بأنواعه الأدبية والفنية. .

ومنها التشكيلية، التي تخص موضوعنا الحالي، لقد نالت شهادة الرسم والألوان من لندن عام 1975 قبل عودتها ودخوله إلى أكاديمية الفنون الجميلة في نهاية السبعينيات ، ومن خلال وجودي معها في نفس الصف، منذ المرحلة الأولى، لاحظت إن أدائها الدراسي في درس التخطيط خصوصا، تندمج به إندماجا متفاعلا ومترابطا. .يصل بها إلى مرحلة الإنعزال والغيبوبة عن محيطها القريب من الزملاء . . تسوقها فاعلية الديمومة إلى إبتلاع وتلاشي وضياع فرصة الإستراحة لديها، تصل بها تلك الفاعلية من الإندماج الروحي والمهاري إلى نتاج تخطيطي مبهر. . فيه تفاصيل دقيقة وناضجة في هايرمونية تدرجات مساحاتها. .كأنعكاس للموديل الذي تقوم برسمه بأقلام الرصاص المتوافرة فيها درجات السوفت والهارد، أي ال ( الأج بي HB ) ،

ولكنها تبتعد كليا عن الإسلوب التجريدي والتعبيري الحداثوي . أما تركيبتها النفسية فهي إنفعالية في مواقف وحب التعالي في مواقف أخرى على الآخرين، ولكن عند التصادم في أحد المواقف تنهار إلى درجة النحيب والبكاء، وأكثر ثم يعقبها ندم وتراجع لطيبة نفسها وحساسية مشاعرها. . وفي إحدى المرات في الإستراحة شكت لي بفعل قد يكون عفوي وأنفعالي مع أستاذنا الدكتور ماهود أحمد أثناء المحاضرة، كان ذلك بفعل أعتراضها على وجهة نظره الخاصة حول موضوع ..فكري روحاني ،

لقد أخبرتني بأنها تسرعت في المشاجرة مع أستاذنا الكريم الذي أعتز به كثيرا، فأجبتها بأنه طالما هو أستاذنا فإن عقيلته كبيرة وتقبل الإعتذار، فأجابت هل ممكن أن يكون ذلك؟ أجبتها بنعم وجربي ذلك. . وبعد ساعات من الحدث، شاهدتهم يجولون بأوقات طويلة، ثم تلتها أيام متوالية من الألفة وصفاء القلوب، ثم بعدها إقتران في مسيرة العمر ( زواج ) حتى آخر أيام رحيلها المفاجيء في عمان، تلك التشخيصات لطبيعة التركيبية النفسية بين شخص وآخر، لمست معظم صفاتها عند الفنانين، سواء من جايلتهم، أو من تعايشت معهم، إنها حالات التوتر والأنفعال والحساسية العالية التي تصبح وسيلة مستجابة إلى تدوين العطاء الإبداعي، من خلال رقة المشاعر والهواجس المتحركة إلى جماليات الطبيعة والأشكال الأخرى في الحياة، تلك المشاعر والأحاسيس العالية تمنح عطاءا، وتسلب ركودا واستقرارا في النفس، أي معادلات متضادة، يدفع ثمنها المبدعون، تلك السلوكيات والصفات يحملها كبار أسماء الفنانين العالميين، عكس الناس البسطاء الذين يتناولون الأمور ببساطة ويستقبلون العوالم ومنها الطبيعة. .

دون وازع من الإهتمام بمثيراتها الجمالية أو أحداثها المثيرة، ولم تقتصر تلك الأستجابات الفعلية بحدود العطاء الإبداعي المهاري، بل يترافق معها طموحات تقتضي الإستمرار في تكملة مراحل الدراسة العليا، وما يعقبها من إجراء بحوث متنوعة في ذات الإختصاص، ليتحول إلى مناهج ومصادر ( بحث، ودراسة )، لقد سلكتها الفنانة – وسماء الأغا- بتواصل وصبر مديد . وكانت إنجازاتها الفنية مبكرة. . تسبق دخولها أكاديمية الفنون الجميلة ،حيث أقامت أول معرض لها في عام 1976، الذي أقيم على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث ..

مرّت الفنانة الدكتورة وسماء الأغا خلال مسيرتها الفنية، التي بدأت أواسط سبعينيات القرن العشرين، بمراحل عديدة، إذ إطلعت على كافة المدارس الفنية، وتبنت أساليب جديدة ومختلفة، ولكن بروح شرقية ، تم إختيارها لأسلوبها المتعارف عليه بعد التخرج من كلية الفنون بداية الثمانينيات وأستقرت عليه من خلال الإضافات الرافدة لها تكنيكا. .

ومصادر للمضامين الفلكلورية . ولقد تطورت مفاهيم التطبيقات المتطورة الفنية لرسوماتها من خلال مهام أخرى تتعلق بالتصميم، حيث عملت مصممة للديكور ورسامة في تلفزيون بغداد . كما إن الفنانة – وسماء الأغا – كغيرها من الفنانين، ترتكز جذورهم على روافد تسقي نمو نشأتها الإبداعية مبكرا ومنذ مراحل النشيء والطفولة، لقد ولدت في بغداد وسط عائلة محبة للفنون التشكيلية، وبرزت موهبتها للرسم في سن مبكره، شاركت في المعارض المدرسية، حصلت على تقدير أساتذتها خلال المراحل الدراسية كافة ..

وفي عام 1975 حصلت على شهادة الرسم والألوان من لندن بعدها دخلت عالم الفن التشكيلي وأقامت معرضها الشخصي بوقت مبكر، كما ذكرت ذلك آنفا عام 1976، الذي أقيم على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث .. وتؤكد أن التقدير والإعجاب الذي كانت تحظى به هو الذي شجعها على مواصلة دراستها الأكاديمية والإلتحاق بكلية الفنون الجميلة .. وما زالت تذكر أجواء الأكاديمية وأساتذتها الذين تتلمذت على أيديهم وهم من كبار الفنانين التشكيلين العراقيين في بغداد .. بعد تكملة دراستها العليا .

– حيوية الجمال الفلكلوري –
يسود طابع أعمالها الفنانة – وسماء الأغا – حيوية من الأسترخاء والاحتفاليات والغناء والموسيقى والتجمع الشعبي. .بمنطق لوني متفائل، يريح النفس وتتمتع بها رؤى تأملية. . بعيدة عن صخب وتوتر الحياة العصرية الساخنة، التي تتطلب فرش ألوان حداثية التعبير والحركة والغموض في التفسير والتأمل الذي يقتضي حوارا للثيمات المخفية في الأعماق والإثارة، أكثر من السروح الذهني في جماليات التمتع الشكلاني البصري. . مثلما تحقق ذلك لها تجسيدا عند الفنانة – وسماء الأغا – إذ تستقي من روافد مضامين بناءاتها الإنشائية من الفلكلور التراثي المعاصر والقديم، ومنه أجواء وأسلوبية الفنان – الواسطي –

ولكن هنالك إضافات وتبدلات في صيغة الإخراج الشكلي والمواضيع التي تعاصر حياتها في بلد العراق، كما إن الفروقات تكمن بجانب الإلتزام بمديات الأبعاد المنظورية للأشخاص والأشياء والطبيعة المحيطة لها، عكس مراحل إنعدام نسب المنظور عند الواسطي وأقرانه من تلك المرحلة. . ولكن في أعمال أخرى ينعدم فيها المنظور، أي بصيغة الإسلوب المعاصر للواسطي وغيره، كما إن بعض الأعمال تتضمن أحداث لحروب من عصور قديمة أدواتها السيوف والخيول، وأخرى تتضمن عوائل مهاجرة مكرسة فوق العجلات الكبيرة، تتم بنية أشكالها بإتجاهات متكررة ومتشابهة ومتزاحمة، يدخل فى محور وسطها المركزي نفس الأشكال والبنية الإنشائية ولكنها بأجواء وألوان موحدة. . تجذب النظر لكي تتباين المناخات اللونية، وقد تكون هذه الفصيلة في أحد أطراف العمل وضمن أيقونات متتالية، وبالرغم من تراجيدية الأحداث الحربية المتصارعة والمثيرة. . إلا إنها تسودها أنماط الجمالية الفلكلورية .. برغم قساوتها وشدة حركاتها وحزن ملامح وجوه الأشخاص، ولكن صيغة الألوان الصريحة والصافية التي تخلو من الألوان الغابرة والمعتمة. .يمنحها قيم التمتع الشكلاني المرتبط بصيغ التراث الشعبي وجماليته الفلكلورية .

لقد تولت الفنانة – وسماء الأغا – تدريس تاريخ الفن الإسلامي والحديث في كليتي الفنون الجميلة بجامعة بغداد وبجامعة صلاح الدين .. حيث شاركت في العديد من المؤتمرات والمعارض التشكيلية داخل العراق وخارجه .. وأعقب ذلك معرضين الأول على قاعة الاورفلي في بغداد عام 2002 وحمل عنوان [ من بغداد إلى بغداد …رؤى بصرية ]، والثاني على قاعة برودوي بالعاصمة الأردنية عمان في عام 2007 وحمل عنوان [واحات الوجد] .. وفي العام نفسه أصدرت كتابها الأول الذي حمل عنوان [الواقعية التجريدية في الفن] وهو كتاب يبحث في فلسفة تاريخ الفن .. وكان قد صدر لها في عام 2000 كتاب [التكوين وعناصره التشكيلية والجمالية في منمنمات الواسطي] ..أقامتً معرضها الشخصي الثالث الذي تضمن لوحات عن الأساطير الشرقية القديمة ، وتحديدا قصة سندباد ، التي تناولتها بطريقة حديثة .. و نالت الفنانة – وسماء الأغا – العديد من الجوائز مثل ، جائزة التخطيط والألوان لندن 1975 و حازت على شهادة BA في الفنون التشكيلية عام1981 بدرجة جيد جداً عالي و حازت ايضاً على شهادة الماجستير في فلسفة فن التصوير الإسلامي / جامعة بغداد عام 1987 بدرجة أمتياز ومن ثم نالت شهادة الدكتوراه في فلسفة تاريخ الفن من جامعة بغداد عام 1996.و إشترك في عام 1976 بالمعرض المشترك الذي شارك فيه عدد كبير من الفنانين التشكيليين العراقيين و الذي أقيم على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث بلوحة عنوانها (مأساة تل الزعتر )

وعملت مصممة للديكور ورسامة في تلفزيون بغداد من عام 1976-1980، وهي مازالت طالبة في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد
و حصلت على شهادة الرسم والألوان . (G.C.E-A .Leve) في لندن عام 1975.
و شاركت في مهرجان بغداد العالمي (البينالة) بغداد، الذي أقيم في متحف الفن المعاصر عام 1988.
وفي عام 2002 شاركت في مهرجان بغداد العالمي (البينالة) بغداد الذي اقيم في متحف الفن المعاصر أيضا .
و لها مشاركات عالمية في كل من (لبنان، مصر، الأردن، تونس، المغرب، ألمانيا، بريطانيا، سويسرا، أمريكا).
و لها العديد من المقتنيات الفنية في عدد من الدول العربية و الأجنبية مثل (الأردن، لبنان، مصر، تونس، المغرب، باريس، لندن، أمريكا، المانيا، فلندا، دنمارك، السويد) .


و شاركت في المؤتمر الثاني للفن المعاصر(خلال مرحلة تشكيل) جامعة اليرموك – أربد عام 1998.
و عضوة مشاركة في تأسيس كلية الفنون – جامعة صلاح الدين.
و عضوة جمعية التشكيليين العراقيين ونقابة الفنانين العراقيين – بغداد.
توفيت بعد ظهر يوم السبت الفنانة التشكيلية العراقية ( وسماء الأغا ) ،عن عمر 61 عاما، في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية عمان، وهي عقيلة الفنان التشكيلي العراقي المغترب الدكتور ماهود أحمد التدريسي في أكاديمية الفنون بجامعة بغداد ، وأخت الفنان والمخرج السينمائي جبار الجنابي من أمه وشقيقة الفنانة نضال الأغا وشقيقها الفنان حافظ الأغا وابن شقيقها الفنان الشاب طارق الأغا. وسماء الأغا من مواليد بغداد عام 1954 من أسرة محبة للفنون التشكيلية،

وبرزت موهبتها للرسم في سن مبكرة وقد تعلمت من والدتها التي كانت تحب النحت وتصنع التماثيل وتقلد فيها آثار العراق الخالدة كأسد بابل والجنائن المعلقة والمنارة الملوية في سامراء، وكانت والدتها تشجعها أيضا على الرسم وتقليد اللوحات العالمية كلوحات روفائيل ورامبرانت وغويا وبيرمير وآخرين، وقالت عن رفيق دربها زوجها الفنان ماهود أحمد :إن الجهود التي بذلها زوجي الفنان الكبير الدكتور ماهود أحمد قد أثمرت وحققت الكثير من خلال تشجيعه وتوجيهاته لي مما أهلني بأن أكون فنانة ناجحة . أما أمنياتها فكانت : أن يتوحد كل المثقفين من أجل أن ينهض العراق من جديد وتسود المحبة بين أبنائه وأن يكون فوق مستوى الضغينة والحقد والحسد والإعتداء على الآخر، وتنام عيون العراق بسكينة واطمئنان . وداعا أيها الزميلة – وسماء الأغا –

لا تعليقات

اترك رد