تاريخ التدخل الأجنبي في سورية

 

بقلم : ماكيا فريمان

ولا يزال التدخل مستمرا ……
سورية تقاوم القوى الكبرى الرأسمالية الاستعمارية لفترة طويلة من الزمن استمرت قرابة المائة عام وهي تحاول الحصول على استقلالها وسيادتها . وإذا تفحصنا تاريخ سورية المختصر خلال المائة عام الماضية أي من عام 1916 ولغاية 2016 سنجد أن التدخل الأجنبي في ذروته ( رغم معرفتنا بالجرائم المشينة التي ارتكبتها إمبراطوريات النظام العالمي الجديد في القرن الماضي ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة . )

لقد قضت سورية مدة ثلاثين سنة من هذه السنوات المائة تحارب فرنسا وبريطانيا في طموحاتهما للسيطرة على المنطقة . ورغم أنها حصلت على استقلالها من فرنسا عام 1946 ، إلا أنها وُضعت أمام تحد جديد باختراع إسرائيل في قلب فلسطين بعد سنتين فقط من الاستقلال . وكانت الولايات المتحدة الأمريكية بطلة المشهد في هذه الفترة أيضا .

وكان على سورية أن تدافع عن نفسها ضد محاولات التدخل الأجنبي للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل لفترة طويلة من الزمن والحرب الحالية في سورية هي حرب أجنبية وليست حربا أهلية . إنها استمرار لمائة عام من التدخل الخارجي لنفس دول النظام العالمي الجديد.

التدخل الخارجي في سورية بين عام 1916 وعام 1946
تماما وخلال المائة عام التي خلت ، جميل أن نبدأ تاريخ سورية المختصر في عام 1916 وهو العام الذي وقعت فيه فرنسا مع بريطانيا اتفاقية سايكس بيكو وكان الروس حاضرين فيها كلاعب ثانوي خلال الحرب العالمية الأولى. وخلال تلك الحرب كانت بريطانيا وفرنسا وروسيا تشكل التحالف الثلاثي الدولي ضد الامبراطورية العثمانية التي كانت تضم تركيا وهنغاريا والنمسا وألمانيا. توقع أطراف الاتفاقية انهيار الدولة العثمانية لذلك قاموا بتقسم الشرق الأوسط الذي مازال مستمرا حتى اليوم على نفس الشكل.

في العام التالي 1917 نجحت عائلة روتشيلد وبعض الصهاينة في كسب بعض النفوذ والسيطرة على الحكومة البريطانية واستصدروا وعد بلفور ( الموجه أصلا لعائلة روتشيلد)والذي يعد اليهود بتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين رغم أن عدد

السكان فيها كان 85% عرب و7% يهود فقط ورغم أن فلسطين من الناحية القانونية كانت بلدا مسروقا من قبل بريطانية التي حولته لمستعمرة. وقد اعتمد الصهاينة على هذه الوثيقة كأساس لخلق إسرائيل في فلسطين في عام 1948.

في عام 1920 وعام 1925 قمعت فرنسا حركتين تطالبان بالاستقلال. وفي عام 1936 بدأ التفاوض بين فرنسا وسورية حول اتفاقية الاستقلال. لكن الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ لأن المشرّع الفرنسي رفض تصديق الاتفاقية .وفي نفس السنة التي انتهت فيها الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، حاولت فرنسا ايقاف حركة أخرى للاستقلال ، ولكن في عام 1946 حصلت سورية على استقلالها عن فرنسا. وكان عليها أن تواجه عدوين شرسين هما إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية .

التدخل الأجنبي في سورية بين 1946 وعام 1976
في عام 1948 ، وُجدت إسرائيل على أرض سرقها البريطانيون . وفي تلك الفترة كانت هناك حدود بين سورية وفلسطين .وبعد فترة قصيرة جدا ، اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية . في عام 1949 ( تماما كما يحدث اليوم في عام 2016 لا جديد تحت الشمس ) ، لعبت الجغرافية السياسية وأنابيب النفط دورا في التدخل الخارجي في سورية . فقد أرسل الرئيس ترومان رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية المشكلة حديثا للإشراف على انقلاب في سورية وجلب قائد للحكم ينفذ الرغبات الغربية في بناء خط أنابيب نفطي عبر أراضي سورية .

الرئيس الأمريكي التالي كان الرئيس ايزنهاور وهو قائد عسكري سابق في الجيش الأمريكي عين ألان دالاس رئيسا للمخابرات المركزية الأمريكية وكان هذا التعيين إشارة سيئة لدول مثل ايران وغواتيمالا ودول أخرى التي تعرضت للمؤامرات والغزو أو قلب نظام الحكم. في عام 1956 ، خططت المخابرات المركزية الأمريكية لانقلاب آخر في سورية . وفي عام 1957 كان هناك محاولة انقلاب أمريكية أخرى . وفي نفس العام ألقى السيناتور الأمريكي الشاب جون ف كيندي خطابا جريئا شهيرا مضادا للإمبريالية دعا فيه الولايات المتحدة للتوقف عن التدخل في سورية والدول العربية الأخرى . الطريف في الأمر هو أن دالاس ربما يكون العقل المدبر لاغتيال الرئيس جون كيندي. في عام 1967، هاجمت إسرائيل مصر وبدأت حرب الأيام الستة ( وفي نفس الوقت هاجمت حاملة الطائرات الأمريكية ليبرتي في عملية للتمويه ) وعندما هاجمت سورية إسرائيل بتشجيع من مصر ، انتقمت إسرائيل من سورية واحتلت منطقة مرتفعات الجولان واستمر الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك الحين إلى اليوم.

التدخل الأجنبي في سورية بين 1976-2016
في عام 1982 ، صدر خزان التفكير الإسرائيلي في دراسة أعدها أوديد يعنون تحت عنوان ” استراتيجية إسرائيل في الثمانينات “. ونشهد أن هذه الاستراتيجية ترى النور وتتكرر بواسطة اللاعبين الأقوياء للنظام العالمي الجديد. عرض يعنون أن على الدول العربية أن تتفتت إلى مناطق وأقاليم صغيرة خدمة للأمن الإسرائيلي.( وخلال شهر شباط من عام 2016 دعت إسرائيل إلى تقسيم سورية ). في عام 2003، فرضت إدارة الرئيس بوش عقوبات اقتصادية على سورية بسبب سماحها للاجئين العراقيين بالدخول إليها هربا من الحرب. وهذا ما أضعف الاقتصاد السوري. ثم طلبت سورية من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة الكيميائية ، لكن الولايات المتحدة الأمريكية اعترضت على مشروع القرار حتى لا تتخلى إسرائيل عن ترسانتها من الأسلحة الكيميائية .

في عام 2006، كان هناك أشياء تنذر بالحدوث . أصدر وليم روبك المكلف بتسيير أمور السفارة الأمريكية في دمشق بيانا ( سربته ويكيليكس) يلخص فيه استراتيجية زعزعة استقرار الحكومة السورية . وبيَن البيان أن الحضور المتزايد للمتطرفين الاسلاميين فرصة مناسبة لقلب نظام الحكم ( الغمز واللمز ) . وحيث أن سورية بلد علماني منذ تأسيسها فقد رأت قوى النظام العالمي الجديد أن هذه فرصة لدعم وتمويل المعارضة الاسلامية ( المتعصبون الدينيون ) لقلب الحكم وجلب نظام ألعوبة في أيديهم . في عام 2007 ، وعندما بدأت إدارة الرئيس بوش في تمويل نشاطات الاخوان المسلمين ، وهي جماعة أصولية اسلامية دعمت النشاطات المسلحة لقلب نظام الحكم في سورية .

في عام 2011، بدأت الحرب الحالية في سورية . لقد كانت دائما حربا خارجية من خلال قوى تحارب بالوكالة عن القوى الأجنبية العظمى . تستخدمها كأدوات ، تغذيها وتحركها عند الحاجة في لعبة دولية جيوسياسية أكبر. . في عام 2012، حددت وكالة مخابرات وزارة الدفاع الأمريكية في وثيقة تفيد بأن الغرب ودول الخليج وتركيا مجتمعين يدعمون المعارضة السورية وأن هناك فرصة مناسبة لتأسيس إمارة سلفية في شرق سورية ( الأصولية الاسلامية ). وفجأة قفزت الدولة الإسلامية للوجود بشكل ساحر وصارت حاضرة في المشهد العالمي في عام 2014، احتلت أجزاء من سورية وتستخدم سيارات التويوتا من وكالات الادارة الأمريكية ويتلقى عناصرها عناية طبية مركزة في المشافي الاسرائيلية .

الدولة الاسلامية في العراق والشام صناعة أمريكية إسرائيلية
من الواضح بجلاء لا يقبل الشك أن الدولة الاسلامية في العراق والشام صناعة أمريكية إسرائيلية . يقول الرئيس أوباما نفسه ” الدولة الاسلامية في العراق والشام فرع من القاعدة في العراق نما وترعرع بسبب غزو العراق.” ويقول السيد روبن كوك وزير الخارجية البريطانية الأسبق” في الحقيقة لا يوجد جيش إسلامي أو مجموعات إرهابية تسمى القاعدة . وكل خبير بالمخابرات يعرف ذلك . هناك حملات دعائية توجه للجمهور ليعتقد بوجود هذه المجموعات تمثل الشيطان فقط لكي تقنع المشاهد بضرورة قبول فكرة تشكيل قيادة دولية موحدة في الحرب ضد الإرهاب .قال السيد مقتدى الصدر للمحتجين في بغداد ” المخابرات المركزية الأمريكية هي من صنع الدولة الاسلامية في العراق والشام” أما وزير المال العراقي حيدر الأسدي فأعلن أن ” الدولة الاسلامية من صناعة الولايات المتحدة الأمريكية .” أما في عام 2015 ، فقد أخبر لويد أوستن ، الجنرال الأمريكي المسؤول عن قيادة القوات الأمريكية مجلس شيوخ الولايات المتحدة أن وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) صرفت مبلغ 500 مليون دولار لتدريب وتسليح المتمردين المعتدلين في سورية وهذا المبلغ أنتج فقط أربعة أو خمسة مقاتلين .ليس أربعة أو خمسة آلاف وليس أربعمائة أو خمسمائة . العدد كان أربعة أو خمسة معتدلين . فأين ذهب هذا المبلغ ؟ ربما للدولة الإسلامية في العراق والشام.

وبكل حزن وأسى ، الأرقام في هذا المصدر تشير أن حوالي مئتين وعشرين الف سوري قتلوا من عام 2011 وحتى أذار 2016 ، و أن هناك حوالي إحدى عشر مليونا وثلاثمئة ألف لاجئ من بين عدد السكان البالغ 24 مليونا أُجبروا على ترك منازلهم قسرا وأن جزء كبير من البنية التحتية التي احتلتها المعارضة دُمر بشكل كلي. لماذا حصل كل ذلك ؟ الجواب : أليس ليحصل المحور الإسرائيلي – الأمريكي-البريطاني وأصدقائهم الفرنسيين والألمان بالإضافة إلى العربية السعودية وتركيا ودول الخليج على خط النفط الموعود وتحقيق أهدافهم الجيوسياسية ؟

التدخل الأجنبي في سورية : مئة عام من التدخل وأكثر والحبل على الجرار….
من الواضح أن الحرب الخارجية الحالية في سورية ليست حادثة منفردة ومنعزلة عن غيرها. فالدول القوية تتبع فلسفة أن الأقوى دائما على حق ، وقد عمدت إلى غزو الدول الأضعف منذ بداية التاريخ المسجل. وقد تعرضت سورية للعدوان لمدة طويلة من الزمن ، وهي إحدى البلدان الموجودة على قائمة الاعتداءات الأمريكية . وقد حان الوقت لكي تستيقظ الإنسانية ، وتنتبه لمخططات اللعبة ، وتتوقف عن السقوط دائما في فخ الدعاية التي تسمح للولايات المتحدة وبريطانية بالذهاب للحروب تحت شعار مزيف اسمه ” التدخل الانساني”

* بقلم : ماكيا فريمان
* ترجمة : محمد عبد الكريم يوسف

* الحواشي
1- العنوان الأصلي للمقال Foreign Meddling in Syria
2- كاتبة المقال: Makia Freeman is the editor of alternative news / independent media site The Freedom Articles and senior researcher at ToolsForFreedom.com (FaceBook here), writing on many aspects of truth and freedom, from exposing aspects of the worldwide conspiracy to suggesting solutions for how humanity can create a new system of peace and abundance.

لا تعليقات

اترك رد