هزائم اللغة


 

مراجعة في غير المنظور من الوعي

اكد عالم الداروينية النفسية الصديق البرفيسور رياض عبد في محاضرة القاها مؤخرا في لندن، ان الانسان احتاج خلال المليوني سنة الاخيرة لهبوط مستوى الحنجرة مقارنة بأسلاف البشر الحاليين، وذلك لتكوين حجرة صوتية تتكون من البلعوم والفم والتجويف الأنفي، لتوسيع نطاق الأصوات التي يتمكن الانسان من أصدارها مما مكّن الانسان من استخدام هذه الحجرة الفريدة في الكلام والغناء، و كلاهما خصائص ينفرد فيها الانسان دون اي من الكائنات الاخرى.

وقد ترافق تطور الجهاز الخاص بالنطق مع تطور المراكز الدماغية التي تعنى بالقدرة على التعامل مع اللغة، والتي بدونها لا يستطيع الانسان فهم واستخدام اللغة بالشكل المطلوب الذي يعينه ويتيح له تطويرها .

نشوء اللغة يشكل نقلة نوعية في تمكين الانسان من ربط أفكاره مع أفكار الآخرين، والذي أدى الى نشوء (الثقافة التراكمية) التي تميز البشر عن سائر الكائنات، فلا يمكن تصور صعوبة وتعقيد التعلم من الآخرين وتعليمهم، ان لم تكن مهمة مستحيلة في الكثير من الأحوال بدون اللغة.

لكن ثمن القدرة على النطق والغناء هو زيادة خطر الاختناق وذلك بسبب ان كل ما يبلعه الانسان يمر من فوق القصبة الهوائية مما يعني ان الانسان (على العكس من بقية البرابميت) لا يمكن ان يشرب الماء ويتنفس في ان واحد.

اللغة كلفت الانسان الكثير، والدراسات العلمية تؤكد اسبقية الكلام على الكتابة عند الانسان، كما سبق الرسم الاحرف، وسبقت الرموز والاشارات اللغات، واحتاج الانسان ملايين السنين لانتاج اللغة.

لم تولد اللغة بشكل منفصل عن تطور الانسان وحاجاته، بل تطورت معه مثل تطور عموده الفقري، وحوضه وجمجمته ودماغه واسنانه.

قد تكون اللغة التي سهلت تواصل البشر والتفاهم بينهم معجزة وسحرا وخيالا، اشبه بالحديث عن تقنيات الاتصال الحديث عند اجدادنا الاوئل، لكنها بديهة يعد فاقدها معاقا بنظرنا اليوم!

واحدثت اللغة ثورة تطورية عند الانسان البدائي، مكنته من تنشيط خلاياه الدماغية، وتفعيل قواه الخيالية والمتخيلة، ولم يتوقف طموح الانسان بفضل اللغة عند تلك الحدود، بل صار يشكل مخيالا مكّنه من الصناعات والفنون ثم الافكار التجريدية والفلسفة وصولا للعلم.

ترتبط اللغة بالادراك والوعي ولها أثر كبير في انساق تفكير الجماعات البشرية، بفضل اللغة صار الانسان يستحضر صورة المعنى عبر ملازمة ذهنية بين اللفظ والمعنى، بعد ان كان غير قادر على تصور المعنى من خلال دلالة قصدية خارجية، حتى تصور بعض الفلاسفة، ان العلاقة بين اللفظ والمعنى ذاتية، لا يمكن الانفكاك بين اللفظ والمعنى وان اللفظ جزء من فيزياء المعنى؛ بينما اعتقد مفكرو الاديان ان اللغةَ جَعّلٌ إلهّيٌ، وان الله هو الذي علم الانسان (آدم) اسماء الاشياء وألهمهُ النطقَ والكلام، وفسر اخرون العلاقة بين اللفظ والمعنى بوجود عملية (سببية) منشؤها الاعتبار او التعهد او الاقتران، انتجت تلازما ذهنيا بين القيمة الصوتية للفظ والكتلة المعنوية للمعنى.

اللغة منتج اجتماعي، كما ذهب لذلك ديفيد كرستيل عالم اللغة الانكليزي وابن جني فقيه اللغة المسلم، ولا يمكن تخيل اللغة كمنتج فردي اطلاقا، وزاد كريستل على ابن جني ان اللغة منتظمة ومستمرة ومتطورة، وهذان الجانبان هما محور اهتمام دراسات علم اجتماع اللغة.

اللغة اداة تعبيرية وظفها الانسان، لتذليل الكون والحياة والمفاهيم لخدمة وجوده المقدس، لكنه لم يكتف بها، لانها لم تلب طموحه في الهيمنة والاستكشاف، لذلك استخدم الانسان اليات تعبيرية اخرى، مثل النحت والرسم، وتداخلت اللغة مع الرسم فولد الحرف، فالكتابة نتاج تفاعل الخيال مع اللفظ.

وهكذا تطور الصوت، فالصوت الذي استعملته اللغة للتعبير عن نفسها، احتفظ لنفسه بخصائص لا تدخل في موضوع اللغة، رغم كونها اداة تعبيرية، مثل البكاء والضحك والحنين والانين والصراخ والصياح وغيرها، وفِي ذات السياق الجسد كوسيلة تعبيرية هو الاخر، فلغة الجسد اليوم محل اهتمام دراسات التحليل النفسي، فضلا عن ادوات تعبيرية اخرى مثل الموسيقى والآتها وهكذا.

ومع تطور ادوات الانسان تطورت الياته التعبيرية، مثل الصورة الفوتوغرافية، والسينما والمسرح، بل ان الاليات والصناعات نفسها هي تعابير عن حاجات الانسان غير اللغوية، مثل المكائن والتقنيات، والابتكارات، والهندسة والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها.
خلال كل تلك التجارب الناجحة وعمليات التطور الرهيبة، لم تكن اللغات واحدة وثابتة، بل خضعت لعمليات تطور ذاتية ايضا، تخللها فشل لغات واندثارها امام متغيرات الحياة، ونجحت لغات اخرى كانت اكثر مرونة واستجابة لقوة الطبيعة القاهرة، او ولدت لغات جديدة عن لغات سبقتها، في جميع تلك التجارب التطورية اللغوية الناجحة والفاشلة كانت الظروف والعوامل الخارجية السياسية والاجتماعية لها مدخلية كبيرة فيها ايضا.

كان الدين اعقد التحديات التي واجهت اللغات، اذ ان استعمال اللغة للتعبير عن الحاجات الروحية للانسان، واعتماد بعض الاديان اللغة للتعبير عن النص المقدس، وخصوصا الاديان الحديثة مثل اليهودية والمسيحية والاسلام، ادى لاعتقال بعض اللغات في اطار لاهوتي متصلب، وتسبب باغتيال بعضها الاخر، لارتباطها بموروث ديني محدد.

ثم ارتباط اللغة بالدولة والسلطة صيّرها جزء من الامن القومي للامبراطوريات في ازمنة متعددة، والدول والمجتمعات، ولم تزل اللغة احدى ادوات الارهاب ومكافحته.

كما ان اللغات مستودعات حصينة لكنوز واسرار جماعات سرية، ووسيلة حماية جماعات اثنية وعرقية، دفنت فيها طلاسم وأُحجّيات، وحفظت من خلالها ملاحم ومدونات ترجمها الانسان بعد اندثارها بالاف السنين، وهي مصدر اساس للدراسات الاركولوجية.

اللغات اليوم مصدر أساسي للبحث العلمي والاكاديمي في تحليل المجتمعات، ودراسة التاريخ، وفهم طبيعة حياة الامم والشعوب، وهي مصدر اساس للعلوم الانسانية والعلوم الانثروبولوجية Linguistic Anthropology والالسنيات وغيرها من العلوم المذهلة، لان اللغة بنت الجغرافيا والبيئة والنظام الحياتي والظروف المناخية وهي صندوق الانسان الاسود، بما تحمل من شفرة رقمية في تركيبتها اللفظية وقيمها الصوتية وخارطتها الدلالية.

انسان اليوم معولم بالضرورة، متمرد على الجغرافيا في ثورته التواصلية المهولة، خصوصا بعد ان اختصر الزمان وتجاوز حدود المكان، اصدقاء انسان اليوم ابعد من حدود بشريته، فالانترنت وثورة المعلومات الهائلة جعلته صديقا دائما للشاشة وتقنيات المعلومات وهي اقرب له من اخيه الانسان.

الاقتصاد الالكتروني يضع مليارات البضائع والماركات، تُتداول خلالها ترليونات الدولارات، في حركة مكوكية فائقة الدقة والتعقيد بشكل مستمر على مدار الساعة،
وهذه العملية التفاعلية لا يمكن ان تتوقف عند محددات اللغات التقليدية، بما في ذلك اللغة العربية.

اللغة العربية، مبهرة في قدرتها الدلالية وإمكاناتها الجمالية والتعبيرية، ولكنها لغة مرتبطة بارضها وظروف تشكلها ونمط حياة وتفكير الناطقين بها.

العربية التي اكتملت نشأتها، وبلغت رشدها وفتوتها في القرن الثامن الميلادي، ما اضطر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لتدوين وثائق ودواوين الخلافة الاسلامية باللغة الفارسية، ليس لانه استعمل عمال الدولة الساسانية الفرس فحسب، بل لعدم قدرة العربية على استيعاب حاجيات الدولة ومستلزماتها قياسا باللغة الفارسية المتقدمة في الضبط والتدوين والحساب، والدولة الاموية بعد ذلك استعملت السريانة والارامية في العراق والشام لان غالبية عمال الدواوين سريان واراميين من اليهود والمسيحيين والصابئة والزرادشتيين وغيرهم.

وفي خضم ذلك عمل خلفاء العرب المسلمون على تطوير العربية، والوعي باهمية اللغة في سيادة الحضارة، بما يلبي حاجاتها التدوينية، لتتناسب مع الكتاب المقدس لدين العرب ودولتهم وهو (القران الكريم) ونشوء مدارس دينية مثل المحدثين، الذين بدأوا بتدوين السيرة والسنة النبوية، ما شجعهم على ترجمة فلسفة الإغريق، وحكمة الصين، والانجيل والتوراة وكتب اللاهوت والمنطق والطب وغيرها من مدونات العلوم حين ذاك، ونجحوا بشكل يسحق كل الاعجاب والاحترام في تطوير اللغة العربية، ولكنها واجهت تحديات كبيرة بعد ذلك، خصوصا بعد سقوط الخلافة الاسلامية، وإستعادة أوروبا دورها الريادي في حضارة انسان اليوم.

نشأت مدارس وتيارات سلفية قدست اللغة، وجمدتها واعتبرتها متنا دينيا مقدسا، وتيارات اخرى اصلاحية طالبت بتحديث اللغة وتوصيلها بتطور العلوم، من خلال انتاج اشتقاقات والفاظ تمكن العربي من التفاعل مع التلفزيون والمكائن والمذياع والحاسوب الالي وغيرها.

النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع لم تمنح اللغة العربية في القرن العشرين ما قدمته للمسلمين في القرن الثامن والتاسع الميلادية، لانها وضعت للموالي الناطقين بغير العربية، وقد ساعدتهم كثيرا على اتقان اللغة، وفهم القران واحكام الدين، لكنها فقدت قدرتها على اداء وظائفها بنفس الكفاءة حين استعجم العرب انفسهم، وباتت اللغة العربية اجنبية في بيئتها الاجتماعية.

من الضرورة ان نعرف الفرق بين اللغة العربية وغيرها من اللغات، فالعربية هي اللغة الوحيدة التي ثبتت اصواتها ورسم احرفها، بينما كل اللغات متحركة، فالانكليزي اليوم غير قادر على قراءة وفهم متن انكليزي كتب قبل خمسة قرون مثلا، بينما العربي يقرا اي متن عمره الف عام دون الحاجة لمعاجم الا بحدود بسيطة.

اللغة العربية اليوم بنت انسان اليوم، لم تتمكن سلفيات اللغويين والنحويين ان توقف عملية تفاعل العربي ولغته مع الحياة، والعربية اليوم تعيش تحديا وتحولا جديدا يتمثل بما يمكن تسميته بـ( Twitter language ) وهي لغة تغريدات تويتر، المحكومة باحرفه المئة والاربعين فقط، والتي تفقد اللغة العربية احد اهم خصائصها وهو الترادف والجزالة.

بتصوري، ان جدل الاربعينيات والخمسيسنيات بين اهل العلم واهل الفن واهل اللغة، وصراعاتهم المحتدمة حول مراجعة الدرس النحوي والبلاغي وعلم الصرف، فضلا عن العروض وغيرها من علوم العربية، سوف تتجدد بأشكال مختلفة امام قدرة الحوّسبة اللغوية، وامام اداء المترجمات الفورية مثل(Translate.google) وما شاكل.

اللغة ليست مقدسة، وليست عقيدة، وليست هوية، اللغة كل ذلك متى ما رافقت الانسان في نهضته واستجابة لحاجياته، وهي بالنتيجة خادمة الانسان وليس بامكانها قهره واخضاعه، شهدت وستشهد اللغات كل اللغات هزائم متى تحدّت الانسان وكبلته.
هزائم اللغات إنتصارات الإنسان، وولادة لمرحلة جديدة من حياته، متوالية طبيعية منتظمة، تشبه هزائم الإنسان أمام الطبيعة القاهرة، فكما أن موت إنسان مهما كان عظيما يعادلها ولادة لإنسان أعظم، والخلود للطبيعة وقدرتها العظيمة على التجدد.

1 تعليقك

  1. بجرأة نادرة تفتح هذه المقالة – البحث مساحات متعددة دفعة واحدة لاستدراج جدل معاصر في قضية (اللغة ) المتشعبة ، تبدأ من آليات النطق والتشريح الجسدي للفظ وهو قراءة ظلت معلقة بين العلم والدين والقياسات المتفرقة الاخرى , ثم التنقل بين تاريخية اللغة وتحولاتها وتأثير متونها الاجتماعية العامة والدينية الخاصة .. مقال يمثل مقدمات لبحوث متعددة لمركز مهم في التاريخ الانساني. هو اللغة اكثر إنجازات الانسان دهشة وتساؤلا حتى يومنا هذا . شكرا لك فضيلة الشيخ الغيث التميمي ..مجتهد دائما.

اترك رد