ولكم من مكتبتي كتاب : أشياء تتداعى لتشينو أتشيبي – ج2


 

(الرّواية بين ما يشفّ عنه المجتمع وما يبتغيه الأدب من مُتع)

-(ولكم من الحكاية بعضها ) أكونكو بطل الرّواية كان يعيش بإحدى قرى نوموفيا وهو معروف في كلّ هذه القرى حتى من قبل أولئك الذين يقطنون بعيدا. طبّقت شهرته الآفاقَ مذ سنّ الثّامنة عشرة. قاتل أفضل مصارعي نوميفيا وصرعهم على ظهورهم. ففخر به أهلوه. والرّاوي في “أشياء تتداعى” يرصد الشّخصيات من خلف فهو يعلم عنها مظهرها ومخبرها ويتفنّن في تلاوين الوصف خاصّة ما يخصّ منها الشّخصيات مثل أكونكو: الوجه والجسم والعضلات والسّلوك والخلق وما إليه…فالرّاوي يبعث قوّة خارقة وبعدّها للوقوف بوجه المستعمر الغاشم إذ هو يبني شخصية خرافية القوّة والعزم ،على عكس ما صوّر أباه السكّير الكسول الجبان الخامل صاحب التّبديد وصحبة السّوء.. فصورته ضديدة لصورة أكونكو..

* منهجيًّا اهتمّ اتشيبي بمقارنة القصّ النّيجيري بالقصّ الإنقليزيّ والعالميّممّا أكسب عمله هذا أهمّية تفتح على الدّراسات المقارنية بين الأدبين.. فأكونكو كان مستاءً من ماضي أبيه. فكره الكسل والجبن ومال إلى القوّة والشّجاعة. ولم يكن يهاب القتال والمعارك والحروب.
* فسعى إلى الثّراء والجاه والقوّة. وأضحى رجلا مهمّا بمجتمعه. إذ صنع منهفشل أبيه رجلا ناجحا ذا شأن. فملك مزرعة شاسعة وتزوّج من ثلاث أسكنهن أكواخا متباعدة. وملّكهنّ أقنان دجاج.. وأضحى أكونكو من أسياد عشيرته..

* ونعثر على وصف مفصّل ودقيق لكلّ من الزّمان والمكان والشّخصيات [لحظة قدوم دلاّل القرية ومخبرها ] فالمخبر يقرع الطّبل ويصيح معلنا أنّ أمرا جللا قد حدث. ويدعو الجميع إلى الاجتماع بساحة السّوق التي سيحضر بها قرابة العشرة آلاف.. ونلفي وصف المخبر أثناء خطابه في الحشد (10آلاف) وصفًا مساعدًا على الخَطابة والإقناع (وظيفة الوصف).

* “موباينو هي القرية التي قتلت الشّابة” خبر أتى به المخبر المحدّث. وكان زوج المرأة المقتولة حاضرا محزونا بين الحشد. وقرّر الجمع إرسال أكونكو إلى موباينو لتخيير أهلها بين أمرين: إمّا الحرب أو أن يفتدو القتيلة بعذراء وصبيّ. وكانت كلّالمناطق تخشى الدّخول في حرب مع يوموفيا لأنّها منطقة شديدة الخطر والقوّة لذا رفضت موبانيو الحرب. ومنحت أكونكو فتًى في الخامسة عشر وعذراء آل أمرها إلى زوج القتيلة.. إيكيموفونا هو الولد الفدية الذي قدم إلى يوموفيا وقد اتّفق على أن يعتني به أوكونكو. فاحتفظت به زوجته الأولى لتنشئته ووالده هو الذي قتل المرأة لذا كان هو الفدية.

* -إيكوموفونا يعثر على أفضل أصدقائه: كان إيكوموفونا خائفا حين قدم إلى إيموفونا. وما هو درى لم آل أمره إلى هذه القبيلة الغريبة عنه. وكان يبكي ويبتئس كلّما ذكر أمه وأخته الصغيرة، رغم أن زوجة أكونكو كانت عطوفا عليه، خاصّة وهو يقلع عن الطّعام ممّا أغضب أكونكو. فأقبل عليه متقلّدا عصًا قاسية، فارتجف الصّبي وأكل الطّعام كلّه وهو يرجف. مرض إيكوموفونا لثلاثة أسابيع ولمّا برأ سعد بالببت الجديد. وشعر بالأمن والرّاحة ونسي شيئا فشيئا أمّه وأخته. وعثر على صديق جديد يدعى نوي وهو أكبر أولاد أكونكو من الزّوجة الأولى. ويصف الراوينوي.. مخاوفه وكسله وكآبته مثل أمّه وأخته من أكونكو…

* كان نوي وإيكوموفونا حميمين كالأخوين لأمّ واحدة كان إيكوموفونا موهوبا بأسماء الطّيور وصناعة الأفخاخ والحكايا الجديدة أعجب. أكونكو بأكوموفونا وعامله معاملة الآباء ممّا جعل الفتى يهتزّ فخرا. إذ كان يشعر وكأنّه ابن حقيقي لأوكونكو..

– عيد السّلام : يقيم النّاس كلّ سنة أسبوع السّلام حيث تصفو الأنفس للأنفس بنوموفيا حتى الأزواج لا يضربون زوجاتهم وأبنائهم.. إلا أكونكو فقد خرق هذه العادة. إذ عاد ذات مرّة إلى بيت زوجته الثّالثة أوجينو وهي أصغر زوجاته الثّلاث، منتظرا غداءه. إلاّ أنّ أوجينو ذهبت لرؤية صديقة لها ولم تعد لتعدّ الطّعام لأكونكو. فسأل زوجته الثانية. فأخبرته بأنّها بزيارة إحدى صديقاتها فاستشاط غضبا وذهب إلى الكوخ ينتظرها. وحين عادت صبّ عليها جام غضبه وضربها ضربا مبرحا ،في أسبوع السّلام. فهرولت زوجتاه الأخريان لوضع حدّ لعدوانه وأتى الأجوار يستطلعون الأمر…

* وعرفت القرية أن أكونكو خرق عادة أسبوع السّلام ممّا دعا الكاهن إلى زيارته. فقدّم أكونكو لأزيني بعض المكسرات فرفضها غاضبا مصرا على معاقبة هذا العاقّ لآلهة القبيلة ومنطقة نوموفيا وعلى أكونكو التّكفير عن خطيئة ضربه زوجته بأسبوع السّلام. وهو عيد سنويّ تقيمه القرى هناك قبل موسم البذر مباشرة فالآلهة هي التي سترعى المحاصيل الزّراعية.. وخطيئة أكونكو سيلحق أذاها كلّ رجال العشيرة فالآلهة لن ترعى المحصول.. وما على أكونكو إلاّ التّكفير عن ذنبه بأن يعقر شاة ودجاجة ويبذل قطعة قماش كبيرة ومائة قطعة مال.. وفي اليوم التالي حمل أكونكو ما أمره به الكاهن إلى بيت الآلهة يعتذر عن عظيم ذنبه…

أرى أنّ المدار المركزيّ لــ”أشياء تتداعى” هو العادات والتقاليد التي تدور عليها رحى المجتمع النيجيري أساسا والإفريقي عموما.أمّا أهمية الرّواية فمتأتّية من أنّ أحداثها تدور أيّامَ الاستعمار الإنقليزي لنيجيريا (بعد تاريخي). وقد انتقىأتشيبي أحداثا واقعية أو هي أقرب إلى الواقع النيجيري خصوصا والإفريقي في عمومه. كماوقفت الرّواية على عنف الشّخصية الإفريقية التي تعمل عضلاتها قبل اللّجوء إلى العقل واللّسان وحجّتيهما لذا تخيّر أتشيبي شخصية فارعة مؤهّلة للنّهوض بالفعل العضلي. في حين كان الرّاوي ومن ورائه الكاتب ينهض بفعل الفكر والعقل..

سعى الكاتب إلى تطويع اللّغة الإنقليزبة للنّهوض بشواغل الإفريقي.فالمستعمَر يستعمل سلاح المستعمِر. -نعني لغتَه- للتّعبير عن خصوصيته وهواجسه فيخترق بالقوّة النّاعمة المستعمِر وقد هدأ غبار المعركة ليخترق أذهان الأحفاد.فيشعرون بالذّنب لأفاعيل أجدادهم. ويعترفون لهذا المجتمع الخصم بخصوصيته وتميّزه.. وخصوصية هذه الرّواية وقوعها في مكان محدود من نيجيريا في زمن محدود، والانغراس في هذه المحلّية يطبع الرّواية بمرجعية تختصّ بها دون غيرها ممّا يكسبها تميّزا عن كلّ الآداب المعهودة…

* تنقل الرّواية رؤى عيون كئيبة في هذا المجتمع الذّكوري الكئيب الذي لا يكاد يختلف في شيء عن المجتمع الإقطاعي في القرون الوسطى بأروبا. فمتى غضب الرّجل السّيد اكفهرّت الطّبيعة وضجرت الفاميليا familia (نعني كما في اللاّتينية :كلّ ما يملكه السّيد من زوجات وأبناء وعبيد). والشّعب الأوموفي بقدر خصوصيّته ومحليّته وتمسّكه بعاداته وتقاليده، يكاد يكون أمثولة لمجتمع كوني يمكن أن يكون في أي ركن من العالم حيث يختصم الخير والشرّ. ويعلق ذوو المروءة فيه بقيم الشّجاعة والمروءة وتتصدّى الأديان أيًّا كان مصدرها سماويّة أو وثنيّة أو وضعيّة لجشع الإنسان وخطيئته ونفسه الأمّارة بالسّوء. فتردعه وتكون كابحا لجموحه اللاّمحدود متى توفّرت له قوى المادّة عضلةً ومالاً. فيكفر بكلّ المواثيقوالنّواميس والعادات…

* أمّا قضية تعدّد الزّوجات وما تفتح عليه من حقوق المرأة ووضعها في المجتمعات المتخلفة. فبنت حوّاء تكاد تكون حاجة مكمّلة لحياة الأسياد ولأجل ذلك توجد وتُنشّأ. وقد تُقضى بها الحاجات كالصّلح بين القبائل. فتُسند فِديةً دون اعتبار لميولها ولا لرأيها. فلا حول لها ولا قوّة في مجتمع القرار كلّ القرار فيهللعضلات القويّة. وكذلك الأمر بالنّسبة إلى الأطفال، فهم مملوكو آبائهم إلى أن يشبّوا ويضحوا هم أنفسهم من الأسياد. فيردّون الأفعال حينها تجاه المجتمعات التي قهرتهم وجعلتهم أُلهيتها…

* ويتحصّل لدينا أنّ أهمية الأدب من هذه النّاحية تتأتّى من حيث هو تعبير عن تجربة إنسانية في خصوصيتها وتميّزها، وما به تتمايز عن غيرها، وفيه تتشابك مع مختلف الثّقافات والحضارات. فالأدب وفق ما نرى هو قوة قهر ناعمة به تكتسح المجتمعات غيرَها. وتجرّه إلى التّثاقف معها والاطّلاع على خصوصيّاتها التي ستضحي هي نفسها سمة انسانية عامّة شيئا فشيئا…

* وأوكنكو وأوموفيا إنسان ينطبع بالمكان. ومكان يكسب خصوصيته ممّن يسكنه.فعلاقة الإنسان بالمكان علاقة بالغة الخطورة. فكلّ منهما يكاد يكون صورة عاكسة للآخر. وكما أنّ الإنسان ابن مهاديه الطّبيعة والتّاريخ فالمكان مرآة لما شُيّد عليه طبيعةً وثقافةً وما دبّ عليه من مخلوقات وما نما به من حيوان وشجر …

* “أشياء تتداعى” أثر لا يغفل عن ثقافة الاستعمار التي عرفتها إفريقيا بالخصوص. فقد ظلّت هذه القارّة بالتّحديد محلّ أطماع الرحّالة على امتداد عقود إلى أن أمست معقلا للجيوش الغازية عبر التّاريخ -سنرهقكم إن نحن أحصيناها-..أمّا عن علاقة الإنسان بالإنسان فما انفكّ يحكمها اختلاف لونيّ بين الأبيض السّيد والأسود العبد. وهو موروث حضاريّ وسياسيّ وأدبيّ وجماليّ وذوقيّقلّ أن تخلّصت منه بعض المجتمعات في حالات رقيّ سرعان ما ترتدّ عنها إلى الوضع الأوّل فيختصم الأبيض والأسود اختصامهما في الطّبيعة في ثنائية تضادّية يدفع فيها الواحد الآخر ويرفضه ويحلّ محلّه..
* قلنا هذا ونقول أضعاف أضعافه في هذه الرّواية ونحن نطلّ على أدب بكر في أعيننا رغم ثرائه وتميّزه. فوحده أدب الأسياد من يفرض نفسه. ويظلّ “المغلوب مولعا بالاقتداء بالغالب” رغم أنّ الفائدة واللذّة قد تكونان معكوستي الاتّجاه. فقد تمتلئبهما مطامير الحكي لدى من ظنناهم إليها مفتقرين. زيارتنا الأدب الإفريقي تغري وتفتن ولنا إليها عودات بانتظار أن تنتشوا لقراءة “أشياء تتداعى” لتشينو أتشيبي. .. دامت لكم المُتَعُ…

1 تعليقك

  1. تمتعت بقرائة جزء من لتشينو اتشيبي انها تحكي جزء من التاريخ وحضارة قوم من قارة كبرى وهي افريقيا الاحداث في زمن الاستعمار الانكليزي رغم ان هناك بعض المساوئ من الاستعمار لكن بنفس الوقت جلب حضارته المتمدنه لهذه الشعوب مما حصل بعض التغير لكن ما زالت هذه الشعوب متمسكة ببعض العادات الموروثة وقياسا بمقايس حقوق الانسان في داخل مجتمعاته تعتبر ضد هذه الحقوق واعتداء على حقوق الاخر. تحياتي

اترك رد