النموذج اللبناني في التسويات الداخلية


 

يتردّد بين حين وآخر وفيما يخصّ تجارب عربية إن النموذج اللبناني نجح في إيجاد صيغة لتسوية داخلية تقوم على توازن المصالح بين الطوائف والفئات المختلفة، فهل حقاً نجح النموذج اللبناني؟ ثم هل يمكن القياس عليه على افتراض وجود شكل من التوافق بين الطوائف المختلفة على توزيع الامتيازات بينها؟ وهل فعلاً إن “الميثاق الوطني اللبناني” الذي يشكو الكثير من اللبنانيين من تداعياته السلبية هو نموذج يستحق الإقتداء به أم هو تكريس للمحاصصة الطائفية التي قادت في الماضي إلى الاحتراب، والتوتر والاضطراب في الحاضر، لدرجة عطّلت الدولة اللبنانية من القيام بوظائفها وواجباتها إزاء الوطن والمواطن إلى حدود غير قليلة، سواءً بالتهديد تارة والملاواة تارة أخرى والاستقواء بالخارج في مرّات كثيرة، ناهيك عن اللجوء إلى السلاح لحسم الخلاف؟

وإذا كان اتفاق الطائف العام 1990 قد وضع حداً للحرب الأهلية اللبنانية التي دامت نحو 15 عاماً وأدت إلى استنزاف طاقات البلاد وأجهزت على بنيته التحتية ودمّرت مرافقه ومنشآته الحيوية ومزّقت النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، فإنه في الوقت نفسه وضع الدولة على برميل بارود لا يعرف أحداً متى ينفجر، علماً بأن بعض البنود الإيجابية المتعلّقة بالحدّ من الطائفية لم يتم تفعيلها، بل أهملت تماماً.

ولكن على الرغم من كل النواقص والثغرات والعيوب التي احتواها اتفاق الطائف، إلاّ أنه كان إقراراً بواقع أليم، حيث كرّست الدساتير اللبنانية صيغة المحاصصة الطائفية والمذهبية التمثيلية للجماعات والطوائف في إطار نظام يقوم على التقاسم الوظيفي وقانون انتخابي يعيد إنتاج ” أمراء” الطوائف ذاتها.

وكانت المبرّرات التي يتم التعكز عليها وما تزال مستمرة هي “حفظ التوازن” بين المسلمين والمسيحيين وتدريجياً بين “الطوائف” المختلفة، و”عدم الإخلال بصيغة التعايش” و”عدم الإضرار بالآخر” و”انتهاك حقوقه”، بحيث يعترف كلّ بحجمه ودوره، ويقوم النظام بحفظ هذا الدور ويقرّ بحقوق الطوائف بعيداً عن الإلغاء أو الإقصاء أو التهميش التي شهدتها أنظمة عربية أخرى تحت مسمّيات مختلفة. ولربما مثل هذا التبرير أو الزعم هو ما يدفع بعض “التجارب” العربية كيما تحذو حذو النموذج اللبناني، سواء صرّحت بذلك أو لمّحت، أو اقتفت أثره.

ولأن التجربة العراقية كان أول من تأثر بالنموذج اللبناني، لاسيّما وإن بعض “أمراء” الطوائف هم الأكثر استفادة منها، خصوصاً وإن العملية السياسية التي تم تصميمها من جانب بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003 وفيما بعد وفقاً لصيغة دستور نوح فيلدمان (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وتبعها الدستور الدائم لعام 2005)، كانت تقوم على أساس المحاصصة المذهبية الطائفية – الإثنية، حيث قام مجلس الحكم الانتقالي على تمثيل جديد قوامه منح ما يدعى بالشيعة 13 مقعداً ومنح ما يسمى بالسنّة 5 مقاعد وتحديد حصة الأكراد بخمسة مقاعد وحصة التركمان بمقعد واحد والمقعد الأخير من 25 مقعداً هو مقعد الكلدو آشوريين، وهكذا اكتملت صيغة المشهد العراقي ما بعد الاحتلال، بغياب من يدعي تمثيل العرب.

لكن النموذج العراقي سرعان ما وصل إلى طريق مسدود حتى دون المرور بحالة الاستعصاء التي وصلها النموذج اللبناني، فقد كان التصميم المقترح غير مطابق تماماً للحالة العراقية، بل إن البيئة السائدة كانت مضادة وسلبية، وشهدت البلاد بسببه أعمال عنف وإرهاب لا مثيل لها. وكان من نتائجه شعور فئات بالحيف والظلم والتمييز، وهو ما وفّر تربة خصبة لانتشار فايروس الإرهاب والجماعات التكفيرية من تنظيم القاعدة ووصولاً إلى تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) الذي احتل محافظة الموصل ونحو ثلث أراضي العراق، مستنفذاً طاقات عراقية هائلة وأموالاً ضخمة لمواجهته دامت ثلاث سنوات،

علماً بأن الموديل اللبناني بالأساس عانى من إشكالات جوهرية واختلالات بنيوية منذ البداية، لتعارضه مع المفهوم العصري والدستوري لمبدأ المواطنة التي تقوم على اتحاد أفراد أحرار لهم نفس الحقوق والواجبات المكفولة بموجب القانون والمثبتة في الدستور.

وأساس مبادئ المواطنة هي : الحرية التي هي الشرط الذي لا غنى عنه، والمساواة التي هي ركن أساس من أركان المواطنة، وخصوصاً أمام القانون والشراكة والمشاركة وهما أساسان لا يمكن الانتقاص منهما، ولاسيّما فيما يتعلق بالتمييز، سواء لأسباب دينية أو إثنية أو سلالية أو لغوية أو لأسباب تتعلق بالجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللون أو غيره سيؤدي إلى انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، ولكي تكتمل مبادئ المواطنة وتتّخذ بُعداً حيوياً وفاعلاً فلا بدّ من اعتمادها على قاعدة العدل ولاسيّما الاجتماعي، إذْ ستكون المواطنة بدونه، ناقصة لاسيّما مع الفقر ومبتورة مع التمييز ومشوّهة مع الافتقار إلى مبادئ المساواة ومبتسرة إذا استبعدت الشراكة الحقيقية والمشاركة الفعلية بين أبناء الوطن الواحد.

III

لقد أدّت الهزّات التي تعرّضت لها بعض البلدان العربية والتي أطلق عليها “الربيع العربي” إلى تفكّك بعض الدول والمجتمعات إلى درجة غير مسبوقة، كما قادت إلى ارتفاع منسوب الهوّيات الفرعية، ولاسيّما إذا كانت قد عانت من كبت طويل أو قمع أو تهميش. وبغض النظر عن الحقوق والاستحقاقات التاريخية ومبادئ المساواة، فإن بعض ردود الفعل قادت إلى التقوقع والانغلاق، وذلك جرّاء سياسات العزل والتهميش والاستعلاء التي مورست ضدها.

كما أظهرت التغييرات الانقلابية السريعة وانهيار الشرعيات القديمة وعدم اكتمال قيام شرعيات جديدة هشاشة المجتمعات العربية، خصوصاً بالعودة إلى صيغ ومرجعيات ما قبل الدولة: الدينية والطائفية والإثنية والجهوية والمناطقية والعشائرية والقبلية والعائلية في العديد من البلدان، ففي ليبيا مثلاً أعيد طرح النموذج الفيدرالي بين فيدراليات ثلاث هي : برقة و طرابلس و فزّان في إطار نظرة تقسيمية لا علاقة لها بفكرة الفيدرالية الإدارية.

أما اليمن فإن العودة إلى صيغة شمال – جنوب كانت حاضرة خلال الحراك الجنوبي الذي اتخذ في بعض توجهاته ومن أطراف وفئات مختلفة، دعوة صريحة إلى الانفصال والعودة إلى صيغة ما قبل الوحدة العام 1990. وكانت الحرب قد اندلعت بعد خلافات بين أطرافها العام 1994 وحصدت أرواح الآلاف من أبناء الشعب اليمني، كما شهدت حروباً أخرى بين الحكم المركزي وبين “الحوثيين” الذين عرفوا لاحقاً باسم “أنصار الله” والذين سيطروا على الحكم ثم تحالفوا مع خصمهم التاريخي الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

وقد ساهم العامل الإقليمي ولاسيّما دور إيران وفيما بعد الحضور الخليجي المعروف باسم “عاصفة الحزم” دوراً كبيراً في ذلك.

وتظل اليمن بئراً عميقة لا قرار لها ولا يعرف أحد كيف السبيل إلى تسوية عقلانية بعد انفجار العنف والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، ناهيك عن تفشي ظاهرة الكراهية والانتقام والثأر، وهو ما ساد في ليبيا أيضاً حيث انقسمت المجموعات المسلحة وقاتلت بعضها البعض بعد أن أطاحت بنظام القذافي، وذلك للحصول على النفوذ والمال.

ولكي نقرأ الوضع العربي: العراقي والسوري والليبي واليمني، فعلينا أن نلقي نظرة لما وصل إليه النموذج اللبناني بعد عقود من الزمان، حيث كانت صيغة التمثيل والتوزيع الطائفي قد استقرت استناداً إلى آخر إحصاء لبناني العام 1932، ولكن اليوم فإن النسب التوزيعية للسكان قد اختلفت على نحو كبير وبقي العقد الاجتماعي السابق ذاته، وهو الذي تم تقنينه بعد الانتداب الفرنسي للبنان .

لقد حرّك صدور قانون النسبية اللبناني الجدل مجدداً حول الصيغة اللبنانية للتسوية، ففي حين يرى البعض أنها الصيغة المثالية والنموذجية لحفظ التوازن السياسي عبر تمثيل الطوائف والفئات المختلفة، ولاسيّما بين الكتل البشرية الكبيرة ، لمنع هيمنة طائفة على أخرى، فإنه من الجهة الأخرى هناك من يعتبر الصيغة اللبنانية القائمة لا مستقبل لها، وإن أية محاولات لتلميعها أو تعميمها أو اعتبارها صيغة ناجحة، إنما هو مجافاة للحقيقة، فضلاً

عن أن لبنان دفع ثمناً باهظاً بسببها، وقد كانت السبب الأساس في الاستنزاف المالي والفساد المستشري في مفاصل الدولة اللبنانية، وهو ما تقرّه جميع القوى والجماعات اللبنانية، ناهيك عن أنه ساهم في انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة.

وكان القانون الانتخابي الجديد مادة سجالية فتحت الشهية لإعادة بحث موضوع النظام اللبناني الذي شهد أزمات حكم وشروخ وطنية وتوتّرات سياسية واحترابات مجتمعية، ولعلّ ذات الأسباب التي قيلت بخصوص القانون الانتخابي منذ العام 1960 ما تزال موجودة وقبل ذلك النقاشات التي أثيرت حول تعديلات مقترحة على القانون الأساسي إبان فترة الاحتلال والانتداب الفرنسي .

وإذا كان نظام النسبية خطوة أولى إيجابية سميّت بخطوة الألف ميل، فإنه جاء استجابة لمطالبات كثيرة كانت تدعو لكسر القاعدة التوافقية المحاصصاتية، وقد نشط ساسة ومثقفون وناشطون مدنيون لبنانيون لأكثر من 50 عاماً في الدعوة إليها. ولكن على الرغم من الأثر الإيجابي المحدود الذي يمكن أن يتركه مثل هذا التغيير في النظام الانتخابي، لكنه لن يحل المعضلة المعتّقة والمرض العضال الذي عانى منه لبنان ورافق حياته السياسية.

لقد مضى على اتفاق الطائف سبعة وعشرون عاماً، وكان قد أقرّ بعد حروب دامية أوصلت الجميع إلى القعر، فما كان من بدّ إلاّ الجلوس على طاولة المفاوضات بإرادة إقليمية ودولية، وأجريت على أساس الاتفاق تعديلات دستورية هيأت بالتدريج لاختلال في توازن القوى، فماذا يمكن للنسبية أن تؤدي؟ يكاد من يتفق معها أو يعارضها أو يتحفظ عليها فإن الصيغة الجديدة ستكون قاصرة على إجراء تغيير جوهري، بسبب ربطها بالدوائر الانتخابية في حين يفترض أن يكون لبنان كلّه دائرة انتخابية واحدة، وهذه الأخيرة هي التي تنتج برلماناً ممثلاً للقوى والتيارات السياسية على نحو أكثر تمثيلاً.

لكن تقسيم البلاد إلى 15 دائرة انتخابية ودمج بعضها بطريقة لا تخلو من ارتباك في المعايير وجّه انتقادات جديدة للقانون نفسه الذي حاول مجاملة بعض الزعامات السياسية في بعض المناطق مراعاة لتوازن هو أقرب إلى نظام المحاصصة، ولا شكّ أن في ذلك نوع من

المحاباة، خصوصاً وإن فئات واسعة غير منتمية أو لا تقبل تصنيفها إلى فئات طائفية ظلّت معوّمة. أما الصوت التفضيلي في الدائرة، فهو الآخر سيكرّس بعض الزعامات على طوائفها وأحزابها وسيضعف بقية المرشحين في ذات اللائحة لأنهم سيكونون أقرب إلى تابعين أو ملحقين وستكون المنافسة بينهم على كسب الأصوات.

فهل هذا النموذج هو النموذج الصالح للتعميم أو للاستنساخ أو للاقتباس أو حتى للاستفادة؟ إن ما تحتاجه البلدان العربية كطريق للتنمية هو الحفاظ على وحدتها الوطنية واستعادة الدولة لمكانتها وهيبتها ووظيفتها أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم اعتماد مبادئ المواطنة السليمة وفقاً لما تم ذكره، خصوصاً بالإقرار بالتنوّع والاعتراف بالآخر وفي ظل حكم القانون، وليس طبقاً لصيغ محاصصة وتقاسم مذهبي وطائفي.

لا تعليقات

اترك رد