العراق في شظايا


 

أمضى المخرج الأمريكي جيمس لونغلي عامين في تصوير الفلم الوثائقي العراق في شظايا،إذ انتهى من تصويره في عام 2005 وكان قد بدأه عقب الاحتلال الأمريكي..وحرص أن يقدمه بشئ من الشعرية عن بلاد مزقتها الحروب..ولم يتدخل لونغلي في الحوار الذي دار على ألسنة شخصياته سنة وشيعة وأكراد، وتمكن بمثابرته وحرصه الشديدين على الحصول على عدة جوائز منها أفضل مخرج وتصوير ومونتاج في مهرجان صنداس للأفلام الوثائقية في عام 2006 كما تم ترشيحه لجائزة الأوسكار كأفضل فلم وثائقي عام 2007..لقد قسم لونغلي فلمه إلى ثلاثة أقسام تابع في أولها يتيم في الحادية عشر من العمر أعدم النظام السابق والده ويعمل في محللتصليح السيارات،أما الثاني فتحدث عن مقاومة الشيعة في النجف والناصرية وجهودهم للشروع بالتجربة الديمقراطية وفي القسم الثالث تحدث عن المزارعين الأكراد الذين توقعوا أن يحصلوا على قدر من الحرية بعد تغيير النظام..

كان أول ما لفت انتباه جيمس لونغلي حين دخوله العراق في نيسان 2003 إنه لم يحتج إلى تأشيرة أو أذونات تصوير، وقرأ لوحة على الحدود العراقية كتب عليها الحدود مفتوحة.. ولا أحد يسائل أي شخص يدخل عبر الحدود العراقية كانت البلاد تحترق.. وأدرك أن عليه أن يصور طالما تمكن من البقاء على قيد الحياة، فالأوضاع تنبئ بحرب أهلية قادمة وسيكون العمل أكثر خطرا..

أظهرت الومضات البصرية الأولى حركة سريعة للكاميرا مستعرضة جدرانا ومناطق من بغداد توحي بأنها أشبه بالخرائب.. وهذا مدخل يُقرَأُ ببساطة..إنه يريد أن يترك لدى المشاهد انطباعا بأن الحرب تركت خلفها خراب الجدران وبعد غوصه في تفاصيل الفلم سندرك أن هناك خرابا تركته على الإنسان.. اعتمد الفلم في فصله الأول على تسجيل لصوت الطفل محمد هيثم وهو يتحدث عما يشعر به تجاه بغداد التي تغيرت،بينما انشغل المخرج بوضع المرادفات البصرية لما يتحدث به محمد..ويبدو من تراص اللقطات الأولى لبغداد، وحرائق مبانيها الكبيرةوالموسيقى المرافقة وأصوات الجو العام بأن المخرج يقدم نصا بصريا شعريا.. إذ لا تعليق ولا متحدث تقليدي، محمد هيثم بشكل مركزي وبعض المتحدثين بتلقائيتهم التي أضفت لشعرية الفلم.. ويبدو أن المادة الصورية الغزيرة التي جمعها المخرج جعلته يربط مجموعات من اللقطات ذوات المعنى الواحد ليؤكد فكرة أو جانب جمالي أو حتى لتعميق شعرية اللقطات، فحين يتحدث محمد عن مجئ الأمريكان تظهر عدة لقطات مختلفة لطائرات الهليكوبتر وهي تطير فوق محلات بغداد..والملفت انه ربط هذه اللقطات بلقطة لدوران مروحة ثم لقطة كبيرة لعين محمد وهو ينظر جانبا.. وكأن المخرج استنسخ فكرة ربط هذه المجموعة من اللقطات من فلم القيامة الآن لفرانسيس فورد كوبولا..

أراد المخرج أن يرى المشاهدون ما يجري للعراق من خلال عيني محمد هيثم،صبي الميكانيكي في منطقة الشيخ عمر، فقدمه وكأنه إحدى شخصيات الروائي تشارلز ديكنز، كان محمد يتحدث عن أي شئ فتقوم الكاميرا بتسجيله،لقد ترك الدراسة لإعالة عائلته وحالته شائعة في العراق الذي عانى عقودا من حروب حمقاء واستبداد وعقوبات اقتصادية خانقة أضعفت البنية التحتية الاجتماعية.. لقد وضع لونغلي الكاميرا داخل رأس محمد، وجعلنا نرى ما رآه ونستمع إلى ما سمعه، بما في ذلك صوت أفكاره الخاصة.. وجعل صوته مرافقا للكثير من اللقطات المعبرة عن معاني ما يقوله من جمل، واستغرق العمل مع محمد حوالي سنة كان الرأي العام العراقي خلالها قد تحول بقوة ضد الاحتلال الأمريكي وأصبح من الخطر على مخرج أمريكي أن يتجول في شوارع بغداد علنا..

عمل الفلم على إيصال نبض الشارع حيث الناس ومشكلاتهم، وموضوعهم الأثير هو مطامع الأمريكان في العراق.. وضمنيا ظهر واقع الطفولة في العراق ومحمد نموذج لشريحة كبيرة، مضطرون للعمل والتعرض للقسوة بما يفرض على مداركهم ما لا علاقة له بأعمارهم، وبما يدفعهم إلى الفهم السيئ للعلاقة بالمجتمع.. يتعمد المخرج إلى إظهار بعض التناقضات أحيانا منها مثلا أن الطفل محمد يتحدث عن الأسطى قائلا بأنه يحبه ولا يضربه، لكننا نلاحظ لقطات أخرى تالية تظهره وهو يضرب محمد ويتعامل معه بازدراء.. كان الشريط الصوتي غنيا بالتفاصيل التي تقدم حياة حقيقية للشارع العراقي تظهر قدرة تسجيلية فائقة لدى المخرج، مع تحرك الصبي محمد نسمع صوت القرآن الذي يمتزج بعد قليل مع أغنية لزهور حسين، وهذا هو الواقع الصوتي لمن يتحرك بين محلات الشيخ عمر.. يضاف إلى ذلك طبعا الجو العام للشارع،الأصوات.. لا وجود للموسيقى لأنها ستكون مضافة ومفتعلة.. وتظهر أحيانا بشكل مؤثر يزيد من التشويق لمشاهدة حياة واقعية لشعب..

خصص الفلم فصله الثاني لإظهار قوة الشيعة في العراق التي انبثقت من الداخل العراقي.. لذا اختار مدينتي النجف والناصرية كنموذجين للمدن العراقية ذات الأغلبية الشيعية، وتابع الشيخ أوس وهو طالب في إحدى المدارس الدينية الحوزوية ومسئول مكتب الشهيد الصدر في الناصرية كان قد تعرض للسجن والتعذيب في عهد النظام السابق.. صور لونغلي بعضا من خطب الشيخ أوس واشتراكه في الاجتماعات السياسية والتجمعات والمسيرات..أظهره وهو يتحدث عن ضرورة الانتخابات كي يسقط مبرر الوجود الأمريكي،وإلا فلا خيار سوى مواجهة الجنود الأمريكيين.. الخطوة الأولى هي الاعتصامات السلمية والجلوس أمام الدبابات والمدرعات ليثبتوا للعالم بأنهم يريدون الحرية، كانت المواجهات بين الصدريين من أهالي النجف والقوات الأمريكية شئ مما سجلته كاميرا لونغلي الذي اقترب من خوفهم من تزايد توتر الناس وما تتعرض له المدينة من دمار.. كانت القسوة الأمريكية على أشدها وتزامنت فضائح سجن أبو غريب التي أكدت بأن الجنود الأمريكان وضعوا في حساباتهم الحط من قدر الإنسان العراقي ومحاولة قهره لتمرير واقع الاحتلال الأمريكي عبر فرض الخنوع على المواطنين.. وهذا ما فشلوا في تحقيقه فشلا ذريعا في الواقع، وهناك في الفلم عدة إشارات لهذه الحقيقة.. ينبه واحد من المواطنين إلى مؤامرة إثارة الطائفية ولعل الأمريكان هم من سيفجر هذه الفتنة..كان هذا في عام 2004.. أحد رجال الدين الشيعة يظهر استغرابه من دعم أمريكا لإسرائيل من جهة وتصديقنا بأنها جاءت لتساعدنا.. ينتهي القسم الخاص بالمقاومة الشيعية بمجموعة من الشهداء الذين يشيعون إلى ضريح الإمام علي (ع)…

تعرّضَ المخرج لتهديدات بالقتل وصار الأجانب يتعرضون للاختطاف لذا حزم حقائبه وأقراصه الصلبة وصناديق الأشرطة وسافر إلى شمال العراق لينجز القسم الثالث من فلمه.. وليؤكد ما رآه من أن العراق موشك على التشظي.. ونفذ رحلته إلى الشمال بلقطات جميلة تبدأ بطيئة ثم تتسارع لقطار يبتعد ثم يوصلنا إلى الفصل الثالث حيث كردستان.. وهناك لم نر مشاهد لقتال بل حياة وعلاقات إنسانية تبحث عن التوازن بعد أن بدأت الأمور بالاستقرار هناك، لكن لفقراء الناس مشاكلهم وأزماتهم.. أفران الطابوق في قرية كوريتان أثارت اهتمام لونغلي ليستقر هناك ويصور لقطاته الخاصة بالمنطقة الكردية التي لم يكن الوضع فيها ساخنا لذا اختار لونغلي موضوع الصداقة بين اثنين من الفتيان والآباء الذين يعيشون في المزارع المجاورة..

قرر أن يكون الفصل الثالث عن المسافة بين الأجيال، الآباء والأبناء.. يتوقع أحد المواطنين الأكراد بأن المستقبل في العراق يعني ثلاثة دويلات سنية وشيعية وكردية.. ربما هذا هو أهم ما أراد أن يقوله الفلم الذي حرص كثيرا على دقة وثائقيته وعدم التدخل وإضافة وجهة نظر صانعيه، الشظايا هي الواقع العراقي الجديد، دولة متشظية مقسمة، ربما هذا ما عملت الولايات المتحدة على تحقيقه..وهذا ما عمل جيمس لونغلي على أن يعرضه كمحصلة للاحتلال.. دعونا لا نقول بأنه متعاطف مع الشأن العراقي.. لكنه أظهر على الشاشة ما كان يراه الناس بشكل صادق.. وما رآه العراقيون منذ اللحظة الأولى لدخول القوات الأمريكية هو احتلال تجب مقاومته.. وفي النهاية عرضت لقطات سلويت أثناء الغروب لتفاصيل عادية أوحت بما هو مخيف للمساحة المعتمة التي تركتها اللقطات على الشاشة.. ربما هو الخوف من الشظايا التي يخشى الجميع أن يكونه مصير العراق..

وقد صرح أحد منتجي الفلم بأن هدف إنتاجه هو توضيح الواقع العراقي للمواطن الأمريكي الذي لا يشاهد سوى ما تريد الإدارة الأمريكية تقديمه له من حقائق أثبتت وقائع مثل سجن أبو غريب وغيرها زيفها وكذبها.. فعملوا على تقديم الواقع العراقي ونتائج الغزو الأمريكي وموقف العراقيين الرافض للغزو .. صور لونغلي بنفسه 300 ساعة من المواد الفلمية مستخدما كاميرا باناسونيك DVX – 100، كما استخدم 1600 صفحة مطبوعة حيث سجل ترجمة دقيقة لكل ما قيل خلال التصوير.. وتم المونتاج باستخدام كات برو فاينل على أجهزة كمبيوتر أبل ماكنتوش.. ثم قام بتحويل الملف إلى فلم سينمائي بعد تصحيح اللون.. ليراه المشاهد الغربي على الشاشة البيضاء وحصلنا عليه عبر نشره على مواقع الانترنت.. فلم يستحق أن يشاهده العراقيون لأنهم ظهروا فيه كما كانوا في الفترة الأولى التي تلت التغيير الكبير الذي حدث في 9/4/2003

لا تعليقات

اترك رد