التحالف السعودي المصري لاستعادة القرار العربي


 

مرت المنطقة العربية بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي 2011 ضد الأنظمة الاستبدادية لكن البديل لم يكن جاهزا لتطبيق الديمقراطية بل كان البديل في تذويب القرار العربي عبر مشاريع وتنظيمات مدعومة إما إيرانيا أو تركيا.

التحالف السعودي المصري تأخر حتى نضوج متغيرات دولية بسبب أن المجتمع الدولي في عهد أوباما كان أقرب للتصور التركي القطري في اعتماد صيغ توفيقية تقرن بين إشهار القبول بالنظم القائمة وبين الدعوة إلى ترتيب سياسي اجتماعي قائم على مفهومها للدين من جهة، وبين التوجهات الإسلامية القطعية الرافضة للنظام السياسي القائم برمته، سواء بشكله المحلي أو بامتداداته العالمية واستبداله بآخر صارم أساسه الانصياع والطاعة باسم الدين، كانت تعتبره الولايات المتحدة البديل الأفضل والذي من وسعه تحقيق الاستقرار ومنع التطرف من استقطاب الجمهور المنتفض، وإعادة تشكيل النظام السلطوي في المنطقة.

كان انضمام تركيا إلى نهجها المتمثل في الخط الذي التزمته دولة قطر ساهمت إلى حد ما في مواجهة بين السلطويين والإسلامويين والتي أخرجت الأصوات الإصلاحية المدنية التي كانت تنادي بالإصلاح وهي التي ساهمت في إشعال تلك الثورات من الساحة بسبب أن الإصلاحيين لا يمتلكون مشروع ولا قيادة على غرار مشروع جماعة الإخوان المسلمين.

لكن ما حدث هو العكس عندما انتفاض المجتمع المصري بكامل مكوناته في ثورته على تلك الجماعة بدعم السعودية التي كانت سباقة في دعم ثورة الشعب المصري ضد جماعة الإخوان المسلمين بدعم الجيش المصري الذي استعاد الاستقرار في مصر حتى مجئ إدارة ترامب التي اقتنعت بأن مصالحها مرتبطة باستعادة القرار العربي في المنطقة.

لذلك لم يكن مقاطعة الدول الأربع لقطر سوى مرحلة لتحييد الدورين الإيراني والتركي لأن كل منهما يبحث عن وسطاء للتغول في المنطقة العربية، فتركيا رأت في قطر منصة لإدارة مشروعها الإخواني رغم اختلاف نموذجها عن النموذج العربي الذي يعتبر أكثر عصرنة وتماشيا مع الحداثة، لكن اغترت تركيا بأن الإخوان العرب يريدون تنصيب أردوغان خليفة للمسلمين باعتبار أن تركيا دولة إقليمية كبرى، فيما إيران تمكنت من استخدام وسطاء أكثر عددا من تركيا إضافة إلى قطر حيث هناك مليشيات تود أن تتحول إلى دويلة داخل الدول بقيادة حزب الله الذي نجح نموذجه في لبنان وأن تستنسخه في البحرين واليمن وسوريا بالطبع العراق توجد فيها مليشيات عديدة باعتبار أن العراق دولة عريقة لا تستطيع الهيمنة عليه عبر مليشيا واحدة التي يمكن أن تسيطر عليها الحكومة وتفككها.

لذلك اعتبرت قطر منصة ورأس حربة لمشروعين هما لتركيا وإيران في آن واحد وليس لدى إيران مانع من أن تحارب قطر إلى جانب السعودية في اليمن وسوريا من أجل تمرير مشاريعها عبرها خصوصا المشاريع التي لا يمكن تمريرها عبر مليشياتها كما في البحرين واليمن، وهو ما جعل السعودية ومصر بالتحالف مع دولة الإمارات والبحرين باتخاذ قرار جرئ بمقاطعة قطر من أجل مرحلة جديدة تستعيد فيها القرار العربي لترتيب أوراق المنطقة ولا يتم ذلك إلا بالتحالف مع أمريكا الجديدة التي حريصة على تثبيت مصالحها مع حلفائها التقليديين بعدما فشلت تجربة أوباما في اختبار السلوك الإيراني الذي لم يحقق لها ما تصبو إليه الولايات المتحدة في تمرير مشاريعها عبر الدور الإيراني.

مطلب الدول المقاطعة من قطر فك ارتباطها بإيران وتركيا وإن كان العنوان كما طالب ترامب قطر بأن توقف تمويلها للإرهاب وأيديولوجيتها المتطرفة فيما يتعلق بالتمويل، فشرط الدول العربية المقاطعة خروج الإخوان من أصعب الشروط في إمارة أصبحت فعليا إمارة الإخوان بوضع اليد، خصوصا بعدما رفض الشعب المصري منشأ جماعة الإخوان المسلمين في 30 يونيو 2013 حكم الإخوان وبداية مرحلة مواجهة القوى الداعمة للإرهاب.

لذلك استعانت قطر بتركيا وزيارة وزير الدفاع القطري خالد العطية إليها، لكن ترامب اتصل مباشرة بأردوغان يطالبه بحل أزمة قطر مع ضمان وقف تمويل الإرهاب وهي رسالة برفض استمرار الدعم التركي لقطر خصوصا وأن تركيا هي بين حرمانين المشروع الأيديولوجي عبر دعم قطر وبين حرمان مصالحها في المنطقة العربية وأحلاهما مر، وهي ترى أن ألمانيا التي وقفت إلى جانب دولة قطر خشية من تضرر مصالحها في المنطقة العربية هرول مسرعا وزير خارجية ألمانيا إلى السعودية الذي أكد في مؤتمر صحفي مع نظيره السعودي عادل الجبير على أهمية وقف دعم تمويل الإرهاب ودعم التطرف ووقف التحريض وبث الكراهية والتدخلات في شؤون دول الجوار من قبل حكومة قطر.

المرحلة الجديدة التي تقودها السعودية ومصر لن تقبل لدولة عربية صغيرة مثل قطر التي استثمرت لسنوات في شراء ولاءات أفراد ومنظمات حقوقية بل وظفت الأدوات الحقوقية في معارك غير الأخلاقية من خلال نسج علاقة مبهمة مع صناع المحتوى الحقوقي ومنظماته، لذلك لابد من قيام المنظمات الحقوقية العربية بدورها في رصد وتوثيق جرائم النظام القطري التي تتعارض مع حزمة من الصكوك الدولية، ليس من المقبول أن يسمح لنظام مراهق سياسيا استخدام فوائضه المالية في دهس منظومة حقوق الإنسان وانتهاكها.

وقد قضت محكمة جنايات القاهرة في 2/7/2017 بالإعدام شنقا ل20 متهما من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في القضية المعروفة إعلاميا بمذبحة كرداسة التي قتل خلالها 14 شرطيا داخل مقر قسم شرطة كرداسة في محافظة الجيزة ومثل بجثثهم في واحدة من أعنف الحوادث التي شهدتها مصر قبل نحو أربعة أعوام في منتصف أغسطس 2013 عقب فض قوات الأمن اعتصامي أنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي في القاهرة والجيزة بالإضافة إلى معاقبة 80 متهما بالسجن المؤبد ومعاقبة آخرين لمدد متفاوتة مما منسوب إليهم اتهامات.

مراهنة قطر على جماعة الإخوان المسلمين بعدما بالغت في حجمهم عندما ساهموا في تشتيت حراكات الربيع العربي، لكن مؤتمر القمة العربي الإسلامي الأميركي في الرياض حقق كسبا للسعودية وللتحالف العربي الجديد وأنشأ أداة جديدة فاعلة لمطالبة قطر بالسير مع التحالف العربي الجديد، رغم أن مجلس التعاون الخليجي حقق تجربة رائدة سباقة باتجاه تحقيق الرخاء والتقدم والاستقرار، لكن هناك مرحلة ستكون أكبر تتعدى دول مجلس التعاون التي لم تكن تحقق الطموحات والآمال السعودية فيما هناك مجالات حيوية اكبر وأوسع من دول مجلس التعاون الخليجي وإن كان يظل النواة التي تنطلق منه السعودية نحو آفاق أرحب نحو الدول الأفريقية ونحو الشرق مع الصين عبر طريق الحرير والحزام وتشكل شراكات مع الولايات المتحدة وروسيا خصوصا فيما يتعلق بتشكيل تفاهمات حول أسواق النفط.

لم تعد تقبل السعودية أن تظل دولة خليجية مثل قطر تعيق مشروعها الإقليمي والعربي والإسلامي والعالمي بأن توفر قطر متنفسا لإيران وتضخيم لدور الإخوان المسلمين وتركيا ومنحهم حبل النجاة بعد قيادة الشعب المصري ثورة ضدهم، فيما تروج بأن استهداف قطر هي وجماعة الإخوان المسلمين بأنه مبرر لتعميق السلطوية التي يعاد تأسيسها في دول الربيع، لكنها ستتجه نحو التعاضد والتكامل والاندماج وإلى التعاطي البناء، وأن سردية التحولات التي قادتها قطر خلال عقدين ترى أنها ستذهب أدراج الرياح فيما تعتبرها الدول المقاطعة أنها كانت ساذجة وحاولت احتوائها ولكنها فشلت، وكانت أولى البشائر فيتو على دزر إيران وتركيا في التهدئة بفشل استانة

لا تعليقات

اترك رد