وما تَدرِى نفسٌ


 

_ لم يكن “أحمد” طفلاً عادياً، نظرة واحدة إلى عينيه تكفى لتكتشف ما بهما من حنو وشجن، بضع كلمات يحادثك بها.. كافية لتدرك بعدها أنك أمام مشروع رجل مفعم بالحماسة، مؤهل للقيادة،

_ تعَلَّم من أبيه معنى العطاء للآخرين.. فهو الطبيب النبيل الذى قضى سنوات عمله فى خدمة من قهرهم المرض والعوز بقلب رحيم وضمير حى، فكان الأمل لكل من تقطعت بهم السبل وفارقتهم الأسباب، وعندما توفى قبل أربعة أعوام من الآن كان مقابل الكشف فى عيادته خمسة جنيهات فقط، فكم أنت عظيم يا دكتور صابر،

_ وها هو “أحمد” يودع طفولته ويستقبل أيام المراهقة وسنوات الشباب، ويقرر دخول الكلية الحربية ليكون امتداداً لشجرة أصلها ثابت وفرعها فى السماء،

_ ومرت سنوات الدراسة فى الكلية الحربية ليسجل خلالها تفوقاً ملحوظاً ومعه حصاداً للقلوب،
_ إلى أن جائت لحظة التخرج ليبدأ “أحمد” رحلة العطاء المنشودة، وهناك.. فى الجيش، كانت ( الصاعقة ) هى دنياه الحقيقية وركيزة الإنطلاق، وتمضى السنوات ويُرَشح “أحمد” كنائباً لملحق الدفاع بالخارج، ويختار باكستان على الرغم أنها ليست خياراً جذاباً للكثير، وقد كان بإمكانه اختيار بلد آخر، فملف خدمته يشفع له فى ذلك ومكانته فى القلوب داعماً قوياً له إذا طلب، ولكنه اختار باكستان لإدراكه قوة وتطور جيشها وكانت رغبته قوية فى تعلم أشياء جديدة من تلك المدرسة، وبالفعل كان له ما أراد،
_ مر عامان أخذ خلالهما ” أحمد” ما كان يصبو إليه ومعه رصيد كبير من العلاقات الإنسانية الرائعة،
ثم راوده الحنين إلى أرض الوطن، فقرر العودة إلى مِصر، على الرغم من إمكانية مد فترة بقائه هناك ولكنه فضل العودة إلى الوطن، وكان رده على زملائه عندما اقترحوا عليه التمديد والبقاء “أنا عاوز اسيب المكان لحد غيرى، أنا خدت رزقى خلاص، ييجى حد تانى ياخد رزقه” ليسجل موقفاً ومبدءاً أخلاقياً ومهنياً يندر حدوثه فى تلك الأيام.
_ عاد “أحمد” إلى حضن الوطن، تمضى الأيام والشهور، مصر وعدد من بلداننا العربية على موعد مع أحداث جسام، إنها لفحات الجحيم العربى، ٢٥ يناير، مصر والمنطقة فى مهب الريح، ولكن.. سبقت كلمة من الله بشأن كنانته، وخرج المصريون ليستردوا وطنهم ويحبطوا أحقر مؤامرات العصر الحديث، فصنعوا أعظم ثورة فى تاريخ الإنسانية، فكانت ملحمة ٦/٣٠ /٢٠١٣،
_ وبعدها بدأت المواجهة، وأطلقت الصهيونية العالمية إشارة البدء لجماعات الماسون المتأسلم لحرق مصر،
ويضرب الإرهاب أغلب ربوع الوطن، متخذاً من الغالية سيناء مرتكزاً وهدفاً له،
_ ويطلب “أحمد” من قادته أن يُنقل إلى سيناء،
إستمر فى القتال والدفاع عن أرضها لأكثر من ثلاث سنوات، وعندما نُقل منها على غير رغبته ظل حزيناً حالماً بالعودة إليها من جديد.،
_ ( إستشهاد قائد الكتيبة ١٠٣ صاعقة فى أكتوبر ٢٠١٦ )، وقع الخبر كالصاعقة فى نفس “أحمد” واعتصر قلبه حزناً على قائده ومعلمه، وتمنى العودة للأخذ بثأرهِ، وسريعاً جائته الرياح بما تاقت نفسه إليه، إتصال تليفونى.. عُرض عليه الرجوع لسيناء وقيادة الكتيبة ١٠٣ صاعقة خلفاً لقائده الشهيد ، وبدون تفكير كان رده “حالاً يا فندم” ،
_ وعاد البطل إلى سيناء لاستكمال ما بدأه، فكانت بطولاته ضد الإرهاب كالأساطير التى تُروى بانبهار من الجميع إلا هو، فلم يراها إلا عملاً بسيطاً لا يستحق كل هذا الإعجاب،
_ ومرة أخرى عادت اللحظة التى يكرهها البطل، لحظة الرحيل عن سيناء، ولكن عجباً.. فهو لم يحزن هذه المرة، نعم لم يحزن بل كان مزهواً فخوراً من أجل الرحيل، وكيف لا يفرح وقد رحل عنها حاملاً أعلى الرتُب والأوسمة، فائزاً بأعظم الجوائز والنياشين.. “إنها الشهادة” تلك المكافأة التى لطالما حلم بها وطمح إليها، فكانت له ولعشرين بطلٍ من ضباط وجنود جيش مصر العظيم ، قدموا أرواحهم قرباناً للعلى القدير فداءاً لوطنهم،
_ رحلوا بعد أن تخلوا جميعاً عن أحلامهم وآمالهم ،تركوا خلفهم كل شئ.. الأباء والأبناء، الزوجات والأشقاء،تركوا لنا قصص حب لم تكتمل وطموحات لم تتحق،
_ ولكنهم تركوا لنا أيضاً وطنٌ آمنٌ مطمئن، أبىٌّ عصىّْ
لنبقى نحن فيه نحلم ونتطلع إلى آفَاقٍ أرحب، نتحدث عنه ونختلف فيه، ونسمع جيداً صوت قسمهم علينا بدمائهم ألا نختلف يوماً عليه.،
_ وقف الجد على قبره مودعاً ببضع كلمات: ( مع السلامة يا احمد.. مع السلامة يا شهم، من وانت عندك أربع سنين كنت شهم، مع السلامة يا منسى )
_ أما أنا فأقول له: ( مع السلامة يا بطل، ولتكن مطمئن.. فلن نطلب منك ومن معك أن تتخلوا عن أسمائكم وقد حُفِرت فى قلب الوطن،، فلا هم منسيون ولا أنت منسياً )

لا تعليقات

اترك رد