حوار مع الفنانة التشكيلية السورية الدكتورة سعاد الجندي


 

الدكتورة سعاد الجندي: للمكان تأثير كبير على لوحاتي وأنا مع الفن الحقيقي واقعيا كان أم تجريديا

فنانة تشكيلية سورية، من مواليد صوفيا/بلغاريا، تحمل شهادة الدكتوراه في طرائق تدريس اللغة الانكليزية،تعمل حاليا كمدرسة للرسم واللغة الانكليزية للأشخاص الأسوياء والمعوقين في الملحقية الثقافية البلغارية بدمشق، شاركت في عدة دورات ومعارض فنية جماعية وفردية في سوريا وخارجها.

ـ الحياة هي لوحة فنية، فكيف تعرّف الدكتورة سعاد نفسها كإنسانة وكفنانة في هذه اللوحة؟
* اعتقدت دائماً أن الإنسان وجد في هذه الحياة لسبب محدد، بعضنا يخلق و يعيش حياته كلها، ثم يموت بدون معرفة هذا السبب، أنا وجدت سببي: أن اترك بصمة في الحياة، مهما كانت صغيرة، فلوحاتي ستبقى لفترة طويلة بعدي لأولادي و أحفادي و أولادهم وكل الذين اقتنوها، أحاول أن اترك شيئاً من الجمال و الحب و الغرابة والطرافة في هذه الفوضى العارمة، الحروب، القباحة، التلوث، والانحطاط الأخلاقي التي نعيش ضمنهم. كفنانة أرسم ما يخطر ببالي فوراً أو بعد حين، و هو بشكل عام حصيلة أفكار، مشاعر، أحلام، مشاهدات، تجارب، أو ثورة على الواقع، و بالواقع، أعتقد أن الفنان مثل الكاتب، يخطر له أحياناً أن يكتب مذكراته بالريشة و الألوان

ـ ما هي العوامل التي ساهمت في رسم شخصيتك الفنية؟
* كنت أحب الرسم منذ صغري، فأنا التي كنت أرسم مجلة الحائط في المدرسة، والتي تعرض آنسة الرسم رسوماتي على الطالبات، شجعني هذا على حضور المعارض الفنية و قراءة كتب عن الفنانين العالميين و مشاهدة أعمالهم فيها… و بالتدريج بدأت أرسم كلما سنحت الفرصة، و لكن بسبب زواجي في سن مبكرة، وعدم تكملتي دراسة هندسة الديكور التي بدأتها، و تحولي لدراسة الأدب الإنكليزي (أحمل دكتوراه في اللغويات- طرائق التدريس)، بسبب كل هذا كان الرسم متقطعاً و بدون دراسة أكاديمية، عدا سنتين في مركز صبحي شعيب للفنون التشكيلية في حمص أيام المرحلة الثانوية. لكنني دائما و حتى خلال هذا الانقطاع، كنت أتمنى أن أعود للرسم كمتنفس لطاقتي و أفكاري

ـ إلى جانب عملك الإبداعي في الرسم، تعملين كمدرسة متطوعة للرسم للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ما الهدف تعليم وتدريب المعوقين ، هل لان لديك ابنة من ذوي الاحتياجات الخاصة ؟
* بالتأكيد، لقد وجدت نفسي و منذ أكثر من 10 سنوات أتطوع لفترات في المدارس التي تكون فيها ابنتي، قال لي كثيرون: لماذا تفعلين هذا؟ ألا يكفيك الهم الذي أنت فيه؟ و لكنني أرى أن التطوع أو العمل مع هذه الفئة بشكل عام مكناني من تفهمهم بشكل أكبر و مساعدتهم على التطور في مختلف المجالات، بالإضافة إلى أن المعوقون ذهنياً يملكون شفافية و براءة و قدرة على الحب يندر وجودها عند الأسوياء ( مع اعتذاري عن هذه التسميات)، والعمل معهم ، مهما كان متعباً جسدياً، يطهر الروح و ينقي النفس… ومن الواجب علي أنا أن أشكرهم و أهاليهم على إتاحة الفرصة لي للاستمتاع بالعمل معهم وليس العكس

ـ في اغلب لوحاتك تميلين نحو الأسلوب التعبيري في التصوير وتعتمدين بشكل أساسي الألوان الزيتية في تنفيذ لوحاتك، ما السبب في ذلك؟
* في بداية رسمي كنت أحاول تقليد الواقع بدقة و كنت أعتبر ان اللوحة الناجحة و الجميلة هي التي تعطي انعكاساً صادقاً تاماً للشخص أو المنظر الطبيعي المرسوم، و لا أزال أرسم بعض اللوحات هكذا، لكنني أحور المواضيع المرسومة الآن بحيث يُحَسُّ بروح الموضوع و كينونته رغم كل التشويه و النقصان و الإضافات التي أطبقها عليه. أما تفضيلي للرسم بالألوان الزيتية فلأنها مادة مطواعة و أحب الرسم بها رغم تجاربي بالأكريليك و المائي

ـ كيف تنظرين إلى دور نقابة الفنانين التشكيليين السوريين؟ما هي طبيعة علاقتها بالساحة الفنية السورية وهل تقوم بواجبها على

أكمل وجه تجاه المشتغلين بالفن التشكيلي أم أنها تعاني من الخلل بحيث لا يهمها –في النهاية – غير أعضائها؟

* أعتقد أن على دورها الرئيسي أن يكون داعماً للفنانين و تجاربهم و خالقاً الفرص لتسويق أعمالهم، و بسبب كوني عضوة حديثة في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، لذلك لست ملمة كثيرا بمسائل مثل: هل يقوم هذا الاتحاد بواجبه على أكمل وجه تجاه الفنانين التشكيليين أم لا، و لكنني أتساءل مثلاً: أين متحف الفن الحديث السوري؟

ـ عملية خلق اللوحة الفنية كيف تتم لديك,هل تعملين اسكتيشا,أو دراسة للوحة أم تشتغلين بدون تخطيط مسبق؟
* أدخل بياض اللوحة فوراً و بدون مقدمات، تكون الفكرة لدي كامنة و تواقة للانطلاق، مُلِحَّةْ للتبلور الفوري، و أحياناً تتحداني تلك الانطلاقات بنتائج لم أكن قد فكرت بها أصلاً، و تأتي النتيجة كلوحة كائنة بذاتها ترفض أي تعديل

ـ ما هي الألوان التي تعطي الإثارة والغموض والقوة والبعد اللانهائي؟

* هي الألوان الغامقة بشكل عام، في لوحاتي الكثير من البني و الرمادي و النبيذي و الألوان الترابية، و لكنني أعمل الآن على مجموعة لوحات فَرِحَةْ فيها الوردي و الأحمر و الأبيض

ـ اللوحة الفنية هي نص مكتوب أو لحن مسموع,وهي خلقت كي لا تصنع سوى مرة واحدة، ما رأيك؟
* لا أعرف لكنني أحياناً أرسم نفس الفكرة أو الهاجس مرات و مرات

ـ لماذا يطلق الفنان اسم ما على لوحته ,أهي دلالة أم محاولة لاستكمال النقص في وعي المشاهد ,أم أنها إضافة عنصر على الفن ليس هو اللون أو الخط أو الضوء, وهل التسمية جزء من عملية الإبداع؟
* أظن أنها الأمر الثالث: اسم العمل هو العنصر الذي هو ليس الخط و الشكل و اللون و الضوء و الظل، بل هو الفكرة أو الشعور الذي لابد أن يأخذ مساحته في اللوحة، و مرة وضعت اسماً للوحة فيها

امرأة تدخن: “الإقلاع عن التدخين”، ، إذ كنت حينها قد أقلعت عن التدخين و لا أزال أرغب به، فأتى اسم اللوحة كنقيض للشكل المرسوم مما أعطاها طرافة

ـ عندما تقفين أمام المسطح الأبيض بماذا تفكرين,هل تفكرين بأعمال الآخرين أم بشيء آخر؟
* أفكر بالفكرة التي تتلبسني و ترغب بالانعتاق و التحرر على البياض

ـ هل يعتبر اللون في اللوحة مثل الصوت الجميل في الغناء؟
وكيف يتم اختيار الألوان للوحة؟
* نعم هذا صحيح، فاللون المناسب الذي يعبر عن الحالة و الموضوع هو مثل الصوت الجميل الذي يؤدي الكلمات ضمن اللحن و كل لوحة و موضوعها تتطلبان الألوان المناسبة، فباللاشعور تمتد يدي نحو الأحمر و الزهري أو الأصفر حين يكون الحب و الجمال يسيطران على اللوحة، و بالعكس، أستعمل الكثير من الألوان الغامقة حين تكون الحالة في اللوحة هي الألم و خيبة الأمل

ـ إلى أي مدى يؤثر المكان في لوحاتك، وهل على الفنان أن يأخذ مواضيعه من بيئته أم عليه أن يستعير بيئة أخرى إن اقتضت الضرورة؟
* للمكان أكبر تأثير على لوحاتي، و موضوعاتي مستمدة من أماكن كنت فيها لفترات طويلة أو قصيرة، ومن أشخاص و مواقف لها علاقة بأمكنة، وكلها أثرت بي بشكل أو بآخر و بالتالي في لوحاتي

ـ ما هي العناصر الأساسية التي يجب أن تتوفر في اللوحة لكي تنجح وتخاطب وجدان المشاهد؟
* وقفت مرة أمام لوحة في كتليارد في كامبريدج إنكلترا، وهو منزل/متحف لأعمال الفن الحديث، تمثل اللوحة الضخمة و بشكل مبهم إنساناً ميتاً على الأرض و الجسد ابتدأ بالتحلل، كانت ردة الفعل أنني انزعجت و بادرت بالفرار فوراً، ربما تكون ردة فعل مشاهد آخر أن يلبث أمامها لفترة طويلة، لا بل أن يشتريها. أعتقد أن لا قاعدة لعناصر تجعل اللوحة ناجحة بمخاطبة وجدان المشاهد، هذا يعتمد على خلفيته الاجتماعية و الثقافية و النفسية

ـ هل يستطيع الفنان العربي أن يتجاوز مختلف أشكال التعبير الفني الأوربية الوافدة إليه؟
* كلا، سيجرب الفنان العربي مثله مثل أي فنان في أي بقعة من العالم كل جديد يحصل في الساحة الفنية الأوروبية حتى يستقر على قناة مناسبة للتعبير عن ذاته

ـ كيف هي علاقتك بالفنانات السوريات ,هل بينك وبينهن تبادل أفكار وتجارب فنية مشتركة ,ومن هي الفنانة التي تودين أن ترسمي مثلها؟

* أتواصل أحياناً مع بعضهن و تعجبني تجارب و أعمال أخريات، أشعر بالسعادة حين تنجح أي واحدة في شق طريق ثابت و ناجح لها ضمن المتاهات التشكيلية السورية!

ـ هناك آراء نقدية تعتبر الفن الواقعي أكثر أهمية من التجريد، ذلك لأنه يربط الفن بالواقع المعاش، ويجعل العمل الفني متلازما مع هذا الواقع، وهناك آراء أخرى تعتبر الفن التجريدي أكثر أهمية بكثير من الواقعي ، كفنانة لأي الآراء تميلين؟
* أنا مع الفن الحقيقي، سواء كان واقعياً أم تجريدياً، سأعطيك مثالاً، يقول الفنان روثكو (1903-1970) و هو فنان أميركي ولد في لاتفيا، رسم لوحات بطريقة التجريد التعبيري:”يِؤمن الفنانون بفكرة أنه لا يهم ما ترسم، المهم أن ترسمه بشكل جيد، ولكن هذه هي الروح الأكاديمية فقط التي تتكلم، فأنا أقول أنه لا وجود للتشكيل الجيد الذي يعبر عن لا شيء”مع العلم أن اغلب لوحاته تتبدى أمام المشاهد العادي ككتل من اللون الأحمر أو الأصفر مع خطوط أعلى أو منتصف أو أسفل اللوحة، فما هو هذا “الشيء” الذي تعبر عنه اللوحة التجريدية حين لا يكون فيها أي شيء سوى حقول من الألوان و بضع نقاط أو خطوط؟ ربما يعبر فيها اللون عن حالة ما و فقدان اللون عن التصوف مثلاً…

ـ هل الفن التشكيلي في سورية له هموم، مشاكل، متاعب، عقبات؟
* بالتأكيد، فمن هم الفنانين التشكيليين الذين يعيشون من بيع أعمالهم فقط، سواء داخل سورية أو خارجها؟ ومن هم الذين يمكن أن نقول عن معارضهم أنها ناجحة (من ناحية التسويق، الحضور، المبيع، والنقد العادل…)؟ ما هو مستقبل الفنان التشكيلي السوري سواءً المتَبَنَّى من صالات العرض الضخمة أو الذي يبحث عن صالة عرض يعرض فيها أعماله ؟ ومن الإجابة على هذه الأسئلة ينبع الرد على سؤالك: هل الفن التشكيلي في سورية له هموم، مشاكل، متاعب، عقبات؟

لا تعليقات

اترك رد