طقوس اللحظة على رصيف الشرق


 

كل لحظةٍ تَمر بك هي كقطرةِ ندى تهطل من غيمةٍ عابرة تبلل بالعطر الرهيف ورق أيامك؛ فحين تحتويها وتطوقها بلهفةِ اللقاء، لتحتفِ بها وتُعدُّ لها مائدة وافرة الرغبة، تظللهابعرائش الحب.

تولد اللحظة في جمالها البكر لتفتنك بها؛ فـإن انشغلت عنها ولم تلتف لها غادرتكَ على عجلٍ دونما همس؛ فاللحظة لا تعلن عن نفسها، عليك أن تسعى وراء ثوبها القصير تمسك طرفه لتعيش بها ومعها.

اللحظة أنثى، يذبحها الإهمال وصخب العتاب فترحل ولا تعود إليك، اللحظة لا تكرر حضورها مرتين.
كم من لحظاتٍ، وكم من ساعاتٍ، بل كم من أيام وسنوات؛ فرطنا بها هكذا سدى. أوجعناها ببرودة اللقاء، لم نعرف كيف نتعامل مع حضورها العجول وسريع الذوبان.

مطلقاً نحن لا نملك موهبة دلال اللحظة، ولا نعرف كيف ندلل أنفسنا؛ حتى في الحبِّ نمزق فستان اللحظة الأنيق، نقطع أزراره، في حضورها نفتح دفاتر الملامة ونقلب في صحف العتب. نسحب الماضي من ربطة عنقه نجلسه معنا على طاولة الحاضر فتغضب اللحظة الراهنة من تلك الحماقة الكبيرة. تحمل حقيبة الدهشة وتغادر تاركة وراءها الفراغ والرتابة واطباق التكرار كاملة الملل.

لم نتلق تعاليم الانسجام الروحي في كيفية ممارسة طقوس اللحظة، لم نجد من يدّربنا على موهبة الإصغاء للعزف الهرموني لموسيقى اللحظة العابرة، فقط كل ما تعلمناه هو الرقص على طبول الفوضى واضاعة الوقت بلا معنى أو في حوار بلا طعم ولا نكهة. نعيد كلامنا مثل ببغاوات أو آلة تسجيل، نتلذذ بتعذيب الآخر وتعذيب أنفسنا، نهوى النبرة الحزينة في صوت العبارات واستحضار كل ما هو باهت وكئيب أمام عتبة اللحظة، نخلط الأوراق كلها، نقول كل شيء عن كل شيءٍ بنفس اللحظة.

شفاهنا تلبس ثوب الحداد، قلوبنا في حداد، بيت الروح لا ضوء فيه غرف الدار عتمةحيطانها بلون الحداد. فلا تجد اللحظة من خيار أمامها إلا أن تلبس مع الجميع ثوبالحداد.

طالما أن الزمن الذي نعيش فيه تفاصيل الوجع، والحياة لم يعد يمنحنا تأشيرة دخول دائمة إلى دول الفرح، والحرب التي وقعت على أرض الإنسان العربي أهلكته. الحرب حرمتنا من متعة الذاكرة، حين أحرقت معها شريط الذكريات فلا ماضٍ لنا، ولا حاضر نضمن فيه قليل من راحةٍ وفرح عابر يجلس على رصيف الصدفة.

لمَ لا نتعلم كيف نتمسك باللحظة نرتشف منها أكبر قدر من الحياة برغبة، نفرغ كلماتنا من نبرة الحزن والشكوى؟

نهرب باللحظة نسافر معها بعيداً عن ضجيج العتاب وحرق الأعصاب بجدالٍ لا يوصل إلا إلى اللاشيء، واجهاض جنين اللحظة وهي في رحم الوقت الموهوب لنا نعمة؛ بدل أن نشكر الله عليها نجحدها ونتركها تموت أمام أعيننا نتفرج عليها وهي تحتضر في سكرات الضياع.

الثراء لا يخلق لحظة السعادة لكنه يهيئ أسبابها، بينما ثراء الروح بالرغبة ودافع الاشتهاءيخلق لصاحبها لحظة السعادة بـأسباب الحب البسيطة.

وأنت تصحو سواء أكنت ثرياً أو فقيراً بإمكانك أن تصنع في ذهنك صورة مشرقة، تكون هي خيط البداية للوصول إلى مشاعر تحمل ليومك الجديد تقاسيم الفرح مع اللحظة الأولى، حين تفتح شرفة الروح لتلتقي مع الحياة وأنت تعيش لذة اللحظة عليك أن تُبعد عن ذهنك كل ما يناقض تلك اللحظة فلا تستحضر حين ترتشف فنجان قهوتك البكر، لائحة المشاكل فتفسد مذاقها العذري ويتعكر مزاج يومك منذ ولادة اللحظة الأولى. عش اللحظة بجمالها وارسم بألوان روحك تقاطيعها؛ لأنك ستواجه لحظات أخرى تحتاج إلى كثير من الصبر وذكاء التعامل وسعة الصدر في تقبل كل شيء وأنت تعانق الحياة بقلب مبتسم.

لا تستهن باللحظة لأن اللحظة تكون بحجم زمن حين نغمرها بالإحساس المطلق بها في لحظة يولد الكثير وفي لحظة قد ينتهي الكثير لنغدق على الروح من البدايات الأجمل ونقصي النهايات بعيداً عن أيامنا. تستحق الروح أن ندللها بروعة اللحظة.

شارك
المقال السابقتاريخ الحب
المقال التالىكان وجود داعش رحمة!!!
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد