جريمة ” سكاريا ” و الميديا المضادة


 

بين نهر سكاريا و بحيرة صابانجا و على ضفاف البحر الأسود شمال غرب تركيا ، بالقرب من إسطنبول تغفو مدينة سياحية جميلة إسمها سكاريا ، أصبحت ملجأ لأعداد متزايدة من العرب ، من كان منهم يبحث عن الإسترخاء و التسوق من عرب الخليج و من كان يبحث عن ملاذ آمن بعيداً عن الحروب من عرب سوريا و العراق و ليبيا و اليمن ، شأن كثير من المدن التركية . هذه المدينة خلعت الأسبوع الجاري فستانها الأخضر الجميل المزدان بألوان الغابات الطبيعية و اتشحت بالسواد بعد جريمة مروعة هزت المدينة الصغيرة كانت ضحيتها سيدة سورية حامل كان من المفترض أن تضع مولودها الجمعة الماضية و طفلها الرضيع . عاد زوج السيدة أماني من عمله إلى محل سكنه فوجد الباب مخلوعاً و لم يجد زوجته ولا إبنه البالغ من العمر عشرة أشهر فأبلغ الشرطة . السكان المحليون كانوا قد ابلغوا الشرطة بدورهم بعثورهم على جثتين لامرأة حامل وطفل صغير في إحدى الغابات . بعد التحقيق ألقت الشرطة القبض على رجلين تركيين اعترفا باختطاف السيدة وطفلها واغتصابها و قتلها مع طفلها بتحطيم جمجمته بالحجارة و زعما أن السبب هو خلافات في العمل مع زوج الضحية . لكن الموضوع يبدو أكبر من ذلك بكثير .

جريمة سكاريا حدثت بعد أن أطلق ” ناشطون ” هاشتاك عنصري يدعو لترحيل السوريين الى بلدهم لكن ردة فعل الأتراك على الجريمة تدعو للإعجاب حيث تجمعت أعداد كبيرة منهم امام المحكمة مطالبة بإعدام المجرمين فيما دعا خطباء الجوامع إلى احتضان إخوان لهم في الدين و في الإنسانية لا حيلة لهم حيال ما يحدث في بلادهم ، ممثلوا عدد من منظمات المجتمع المدني شملوا زوج الضحية برعايتهم فيما اعتبر رئيس فرع هيئة الإغاثة الإنسانية في سكاريا أن للحملة التي أطلقتها أوساط سياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي دور مؤثر في وقوع هذه الجريمة


الميديا أججت مشاعر عدائية لدى بعض المتطرفين ، علموا أم جهلوا بدوافع سياسية تقف وراءها و تستغل هفوات يقوم بها بالفعل بعض العرب لترويج مواقف مضادة لسياسة تركيا من القضايا العربية و احتوائها لأعداد كبيرة من اللاجئين و المقيمين العرب نأت بنفسها عنهم كل الدول العربية و الإقليمية التي تدعي وقوفها الى جانبهم ضد التطرف و الإرهاب ، ناهيك طبعاً عن حكومات بلدانهم المسؤولة عنهم بكل الأحوال .

بالعودة إلى الوراء قليلاً ، عرب تركيا مصطلح كان يقصد به القبائل العربية التي استوطنت الجنوب التركي قبل الفتوحات الإسلامية ، و سميت مدينة ديار بكر بهذا الإسم نسبة إلى قبلية بكر بن وائل ، و انتشرت قبائل أخرى في ماردين و شانلي و مدن اخرى ، بعد توسع الدولة العثمانية جنوباً تزايدت أعداد العرب حتى شكلوا القومية الثالثة في تركيا بعد الترك و الكرد . في العقد الأخير أصبحت تركيا قبلة الهاربين من أهوال الحروب في المناطق العربية ، سواء كمحطة مؤقتة تسبق الحصول على لجوء إنساني أو سياسي في الغرب أو مأوى لمن اتخذها دار مقام حتى يقضي الله في بلده أمراً كان مفعولا

اذا استثنينا المستوطنين الأوائل الذين يحملون الجنسية التركية هناك ثلاثة ملايين و نصف المليون مواطن سوري و عدد مقارب من العراقيين و أعداد أقل من بقية الجنسيات العربية الأخرى ليرتفع العدد الإجمالي الى ما يزيد على السبعة ملايين إنسان يحتاج كل واحد منهم إلى سكن و عمل و مدرسة لأطفاله و كرسي في حافلات النقل العام مما يشكل ضغطاً على المواطن التركي ، العامل العربي الذي لا يملك إذن عمل يرضى بأي أجر توفره له سوق العمل ” السوداء ” ليزاحم قرينه التركي على لقمة عيشه . في بعض المحافظات ارتفعت بدلات الإيجار إلى اربعة أضعاف عما كانت عليه قبل خمس سنوات و كذلك أسعار بعض السلع الأساسية . ترى ماذا فعل عرب تركيا الجدد للتخفيف من حدة الضغط الذي يسببونه ،

على الأقل في سلوكهم اليومي لتفويت الفرصة على الميديا المضادة التي تستهدفهم بشكل غير مباشر ؟ الميديا تستطيع تلفيق حوادث من الخيال لإثارة الرأي العام لكنها هنا ليست بحاجة لذلك طالما كنا نوفرها بالمجان . لنتخيل منظر مجاميع من الشباب العزاب العاطلين يجوبون الشوارع فرادى و زرافات أو يجلسون على قارعة الطريق على كراسي بلاستيك مع أراكيلهم و صراخهم رافضين الإندماج في الحياة الإجتماعية و حتى تعلم اللغة التي يحتاجون إليها في حياتهم اليومية ، في مدينة سامسون نشبت مؤخراً معركة بين شباب عرب و أتراك عندما فتح شبابنا كاميرات جوالاتهم ليصوروا بثاً مباشراً فتيات بمايوهات السباحة على البلاج ، في اليوم التالي بلغ التوتر أشده مع المضيفين حتى على مستوى الأطفال في المدارس . العام الماضي قتل شاب سوري فتاة تركية في مدينة أسكي شهير ، ربما شاهدها مع غيره لا ادري ، اندلعت تظاهرات غاضبة تطالب بطردهم جميعاً .

في تركيا و في اوربا و في أي مكان في العالم ليس أمامنا إلا احترام ثقافة و عادات المجتمع المضيف وقبل ذلك احترامنا لأنفسنا كطريقة وحيدة لجعلهم يحترموننا خاصة و أن الأحداث تنبئ على ما يبدو أن بقاءنا بعيداً عن باب حارتنا سيطول . حادثة سكاريا مروعة فعلاً ضحيتها أبرياء دفعوا ثمن سلوك آخرين و ستستمر حرائق الميديا المضادة مستعرة طالما ألقينا الحطب في أتونها

لا تعليقات

اترك رد