نجهل فوق جهل الجاهلينا


 

قد لا يكون للشعر الجاهلي اليوم تلك المكانة التي حازها يوما .وربّما أصبح هامشا ثقافيّا لايخرج عن أطر معلومة مداها الدرس بداية ومنتهى .لكن أثره الثقافيّ فينا باقٍ وطاغ ٍ. وهو أشدّ خطرا من أن يكون مجرّد نصّ نقرأه ونمضي. إنّه جماع قيم تشرّبناها من حيث ندري ولا ندري.

من تلك النصوص التي سكنتنا شعر موسوم بالحماسة وإن لم يستقم غرضا .مازال إلى اليوم يخاتلنا ويربك إدراكنا فلا ندري هل هو نصّ ينمّي ذائقتنا الجماليّة أو خطاب دامٍ يجعل القبيح جميلا وقد ألقى عليه الشعر من سحره . فمن منّا ممّن درس الأدب أو قرأ بعضه لم يمرّ يوما ببعض الشعر الضارب في الذاكرة كمعلّقة عمربن كلثوم التي من بعض أبياتها قوله :
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وهو نصّ في الفخر القبليّ يثير الحماسة ويستنهض الهمم ويرهّب الأعداء ويعلي شأن القبيلة .نصّ جميل بمعايير الشعر و أحكامه و يكفي أنّه صنّف من المعلقّات .هذا النص المثير للحماسة وهو يصف معركة لقبيلة الشاعر مع الأعداء،لم يألُ جهدا في وصف ما أثارته المعركة فيهم وما تثيره تباعا في غيرهم .معركة تُسيل الدماء وتُطير الغبار فيقول في وصف ذلك :

متى ننقل إلى قوم رحانا يكونوا في اللقاء لها طحينا
أو يقول : بأنّا نورد الرايات بيضا ونصدرهن ّ حمرا قد روينا
وفي موضع آخر من النص : كأن جماجم الأبطال فيها وسوق بالأماعز يرتمينا
نشق بها رؤوس القوم شقّا ونختلب الرقابا فيختلينا

ومحصّلة المعنى في هذه الأبيات لمن أشكلت عليه هي في وصف المعارك حيث تصبح الرايات البيضاء حمراء وقد خضّبت بالدم ويتحول الأعداء طحينا وقد سحقتهم قوّة قبيلة الشاعر وتتطاير الرؤوس عن الرقاب.هو إذن وصف لمعركة دامية لم تصبح شعرا إلا ّمع التشكيل الشعريّ الذي أسبغ عليها من المبالغات والإيقاع والتخييل … ما به يكون الشعر شعرا .

هذا إذن جزء من الذائقة وذاك نصّ من النصوص. التي تشبه آلافا غيرها أفرزتها الفترة الجاهلية وحتى القرون الهجريّة الأولى وما بعدها قليلا في شعر يثير الحماسة وتدور رحاه حول الحرب والاقتتال. تنبثق معانيه من قصائد الفخر والفخر القبليّ والمدح وحتى الرثاء.وتعلو معها أسماء كبيرة مثل عمرو بن كلثوم والمتنبي وأبي تمام وابن هانئ ….

إنّها حماسة الحرب في احتفاليةّ تتضخّم فيها المعارك ويتطاير فيها الغبار ويوجد الدم مسيلا .تستنهض الهمم قبل الحرب وتخلّد الأثر بعدها .

هذه الاحتفاليةّ خلّدتها قصائد الشعر خلال قرون وفتنتنا ببعض أشعارها ومازالتفضاءات المدرسة تحتضنها.بعضنا فتنته لغتها وما حوته من اقتدار شعريّ يذهب بنا في كل اتجاه . وبعضنا مر ّ عليها بحياد بارد .أو حتّى نفور.وغالبا كان ذلك لأسباب شعريةّ تستجيد النص وتستقبحه .

ولكن ربّما نسينا يوما وفي كل الأحوال كم من الدماء سالت على جنبات تلك القصائد بعيدا عن التخييل والإيقاع وما به يكون الشعر شعرا .

هذه النصوص كانت ابنة زمنها بسبب الصراع القبليّ والفتوحات والمعارك الداخليّة .أدذت وظيفتها وكانت وفيّة لذلك الزمن ومنطقه وفلسفته .لكنّها لم تغب مع ذلك الزمن فمازالت ماثلة في زمننا لها أنصارها ومريدوها وربّما حاكوا شبيها بها وإن زالت القبيلة وحلّت محلها الدولة .

في حدّ الجمال بمعناه ووظيفته الشعرية القائمة على التخييل يُطرح السؤال. فهذه النصوص بالمعنى الشعريّ ومقوّماته لا تعدم ألف سبب للفتنة والجمال . أماّ نسيجها القيميّ فهو بين تجييش الجيوش واستنهاض الهمم وإعلاء الممدوحين والذود عن القبيلة وتخليد الانتصارات وطلب الحظوة عند أشراف القوم….

نسيج قد يجمعنا وقد يفرّقنا رفضا وقبولا . وفي كلّ الأحوال يثير ذلك الإشكال حول مقدار ما فيه من حث ّ على القتال والاقتتال بكل تفصيلاته .مع ذلك الإلذاذ في وصف الحرب وفعل القتل. وهذا يستدعي بحثا جادّا في مثل هذا التراث وفي ضرورة مساءلته وفي مدى حاجتنا له ومنه مهما كانت مشروعيّة تلك القيم التي يحويها . بحث يقتضي نظرة لا تظلم ولا تحابي ولكنّها لازمة باعتبار التراث مازال ماثلا فينا وباعتبار أثره الثقافيّ مازال قائما في مدارسنا .

هذا مع التذكير دوما أننا نصدر عن تلك المسلّمة التي قوامها أن ” أعذب الشعر أكذبه ” وأنه يجوز له من القول ما لا يجوز لغيره ،وأنه ليس محاكاة صمّاء للواقع ولا نقلا جامدا له .ونصدر عن مسلّمة أخرى وهي أنّ الكثير من شعوب العالم له حماستها وشعرها الحربيّ وإن اختلفت الأشكال والأجناس وأن كلّ ذلك جزء من الإرث … وليس بدعة . ومع ذلك يبقى الخطر ماثلا في ظل مباشرة تلك النصوص إن لم ترافقها جيدا نظرة نقدية ثاقبة تربّي الذائقة على عدم القبول المطلق والاستساغة المطلقة وأخذ المسافة الفاصلة معها حتى لا يخالط َ الاستمتاع بالشعر استمتاعٌ لمرأى الدم ولو كان تشكيلا شعريّا في ظلّ لحظة تاريخية حرجة مازالت تنشد سكينة وأمنا ووئاما جماعيا ّ لم تنجزه بعد .

لا تعليقات

اترك رد