العهدُ والمعهدُ


 

تسير في دروب الحياة وشعابها… وتقودك خطاك – أردت أو لم تُرِد-إلى مدرسةٍ كنت ارتدتَ أو معهدٍ كنتَ اختلفت إليه فتعروك أشواقٌ ويندلق حنينٌ.

تتوقّف ترنو إلى المكان فتنشط ذاكرتك، وقد أعيتها شُغُول، تعيد هيئتَه الأولى الّتي عرفتَ وكيف حالت؛ فإذا صور تتعاقبُ، تستحيل، تتراكب… وتحتدّ باصرتك حتّى تنفذ من الجُدُر فترى مجلسك في قسمك، وترى جليسك، وترى سمتَك مُقبلا على الدّرس أو مُعرضا، وترى أستاذك حفيّا بتلاميذه أو ضائقا بهم، وتراك تضاحك أترابك أو تخاصمهم، وتراك تدوّن على كرّاس ذكرياتهم انطباعاتك وأمانيك، وتراكَ تتحسّب لاختبار فجئيّ في التّاريخ أو الجغرافيا..، وتراك تماشي أستاذَك تراجعُه العدد المسند، وتراك تجذَلُ وأنت تتعرّف كلمة جديدةً في حصّة وُسمت بالتّنمية اللّغويّة: “استمات الحارس في الدّفاع عن مرماه”، وتراك تبتسم وأستاذ العربيّة يقول باسما:” لا صلة لـ” مدجّج” ببائع الدّجاج” وهو يشرح بيتا لعنترة بن شدّاد “ومدجّج كره الكماة نزاله…”، وتَراك وأترابك تبيّتون أمرا لأستاذكم وقد قسا عليكم فها هو يسأل ولا مُجيبَ، وها هو يلحّ ولا إصبع يرتفع ولا نجيبَ يستجيب، وتَرَاك تلْحَظ زميلك يحصي على أستاذ الفرنسيّة لازِمَتَه يستحثّ تلاميذه على الإجابة،… وتنجُم الحكايا في كلّ ركن وزاوية ولكلٍّ منها في النّفس خلجة…

كذا تمضي بك الحياة تنتئي عنه ولكنّك ترجعُ، وتنقطع عنه ولكنّك تعود إليه وقد صرت إلى ما أردتَ من الحياة أو إلى ما بلغتَ منها فإذا أنت تعْهَدُه وإذا هو يعهَدُك وإذا أنت تحفَظُه وتتفقّده وذاك المَعهدُ.

وتقرأ على واجهته:” المعهدُ الثّانويّ ……” المعهد !!… ما أبلغ العبارة! ما ألطف وَحيَها! معْهَدٌ… عهِد فيه الآباء بفلذات أكبادهم إلى أساتذتهم يرعَوْنها، معهَدٌ… أكرم برسالة التّعليم عهدا وموثقا!، معهدٌ…. وهل أعْرَفُ به منّا نحن تلاميذَه ؟، نعرف مكانه لا نخطئه، ونعرف حالَه وَصَيّورَه، معهدٌ…. عهودٌ وأطراب تعودٌ…

وتسأل: لم كانت “المعاهد” للمرحلة الثّانويّة وكانت “المدارس” للمرحلتين الابتدائيّة والثّانويّة؟ أليست تلك المدارسُ معاهدَ صبانا وفتائنا؟ أليس الدّرسُ كيف نصبو؟ أليس الدّرسُ كيف نفتو؟

ثمّ تقرأ ” أُسّسَ سنة …. يا للعقود الّتي مضت !؟ … له عِرق في الزّمان ممتدّ وله في المكان مَحْتدُ. انظر تر ذلك في بنائه كيف أقيم وكيف اُستدرِك عليه تحويلا وتغييرا، …في الجُدُر أطوالها وأعراضها، …في

الأسطح كيف سُطحت، …في هذا الِمزاج بين طارف وتليد. ولكن أيَعرُقُ المكانُ بامتداد عروقه في الزّمان؟ وبطول العهد به فنفخر: إنّه لعريق؟

إنّما المكان بالإنسان وفعلِه فيه؛ يُعرِق بجهده الموصول وكسبه المنحوت، بتالٍ يُكملُ ما بدأه أوّلُ، ويبلغ ما عنه قصُرُ، ويطلبُ فوق ما أرادَ وقد وجد سَنَدا ومُعتَمَدا، وله في العقول تتلاقح، وفي الجهود تتظاهر، وفي التّجارب تُستأنف أسبابٌ لوضوح السّمت وللبزّ والظّهور ولذيوع الصّيت حتّى يقال: قد أَعْرَق المعهدُ إذ امتدّت له عروقٌ في النّجاح والظّفر.

ولن تمتدّ حتّى نضع الفعلَ موضعه من الغرض يُصيبه، وحتّى نهيّئ لذلك الأسباب: قوّة ضمير، ومضاء عزم، وظاهر قدرة، ووضوح قصد، وحتّى تجتمع القلوب على ذلك يثبّتها الميزان القسط، والرّأي القاطع والشّأو الجامع. فإذا تمّ ذلك كانت المؤسّسة جسدا تضامّت قواه وتعاضدت تمنع عنه عللا تريد الأذى.

فيا معهدا وقفتُ عليه، إنّك – بذهابك في الزّمان وبصوغ الإنسان-إذن لعريق.

لا تعليقات

اترك رد