التهجير

 
الصدى - التهجير

قال لي احد الأشخاص هنا، قبل فترة طويلة، ما معناه اننا “نحن العرب” الوحيدين في العالم لدينا دولاً بأسماء أشخاص: السعودية و الهاشمية! و رغم معرفتي بأسماء هذه الدول منذ الطفولة، لكني ابدا لم أفكر بها كذلك، حتى ذلك اليوم، حينما لفت انتباهي للامر ذلك الشخص!

رغم ان كلامه صحيح، فهذه دولة كاملة تُنسب الى شخص!! و لكن الواقع يقول ان كل دولنا العربية تُصبح طوع يمين من يعتلي كرسي الحكم فيها. يصبح البلد و من يسكنه ملكا صرفا للحاكم، يخضع لظلمه الناجم عن جنون عظمته و عقده النفسية. و لهذا نرى ضآلة او ربما انعدام مفهوم حقوق الانسان في بلادنا، فمتى كان للمملوك حقوق؟!!

يختلف حاكم عربي مع حاكم عربي آخر، فيأمر كلاهما بتهجير رعايا الدولة الاخرى المقيمين عندهم. و غالبا ما يكون الخلاف بسبب حماقة دكتاتور او عنجهية آخر.

التهجير واحد من ابشع انواع الظلم. فالأنسان مخلوق لديه نزعة الاستقرار، و لهذا نشأت الاوطان و قامت الحضارات. لولا نزعة الاستقرار تلك، لكنا لا نزال نمخر عباب الارض، متنقلين من كهفٍ لآخر… التهجير بشعٌ الى ابعد الحدود، اذ يُقتَلَع الانسان من مكان أحب الإقامة و الاستقرار فيه، ليرمى على قارعة طريق مكان آخر غريب عليه، حتى و ان كانت اصوله تعود الى ذلك المكان الاخر. و تُنهب حقوقه و ما يملك فيجد الانسان نفسه فجأة عارياً في هذه الحياة؛ لا بيت و لا مأوى و لا مصدر رزقٍ يقيه و عائلته من قسوة الايام. التهجير و السبي و نهب ممتلكات المهجرين عندنا في العراق متجذر في تاريخنا. درسونا في مادة التاريخ منذ الطفولة موضوع السبي البابلي، و صوروا لنا نبوخذنصر قائدا فذاً نعتبره من مفاخر تاريخنا، شوهوا عقولنا منذ الطفولة، فأصبحنا نرى وحشية الانسان ضد أخيه الانسان بطولة و مفخرة…. و يمضي الزمن و تتكرر “البطولات” عبر الحقب الزمنية، و تتزايد كوارث التهجير…

في التاريخ الحديث، تم تهجير اليهود العراقيين من بلدهم. سمعنا من أهالينا انهم تَرَكُوا البلاد عنوة، تركوها و الدموع في اعينهم، و الحسرات في قلوبهم، و اموالهم انتقلت لمن استحلّها… ظل الكبار من أهالينا يستخدم كلمة “الفرهود” لتأريخ احداث معينة…. و بعد ذلك جاء تهجير “التبعية”! أناس قرر الحاكم الطاغي انهم لا ينتسبون للبلد، او لا يستحقون البقاء فيه، و ليش لا، من حقه يقرر من الذي يبقى و من الذي يُرمى خارج حدود ملكه و سلطانه، مثل ما تگول الاغنية العراقية القديمة “بيتنا و نلعب بيه”…و اعلم عن يقين ان الكثيرين من أولئك “التبعية” كانوا اكثر أصالة ممن هجرهم،، اصولهم العراقية الممتدة عبر مئات السنين كانت واضحة و معروفة، و ربما تلك كانت مشكلتهم امام مجهولي الأصل.

و يستمر التهجير، لكنه اصبح يرتدي حلة اخرى، اصبح اكثر وجعا و ايلاماً، و الْخِزْي الذي يلف المتسبب به اكثر صخبا و بشاعة،، صار العراقي مهجر في بلده، نازحاً على ارضه، مسلوباً في عقر داره. هذه الصيغة الاخيرة للتهجير قضت على كل مفاهيم الانسانية و الكرامة و الرحمة، و لا اعلم ماذا تكون صفة البشر عندما يتجرد من تلك المفاهيم السامية…

لا تعليقات

اترك رد