في نقد الواقع الاجتماعي العربي

 
الصدى - المجتمع العربي

جميل ان تكتب كل حضارة تاريخها بحروف من ذهب لأجيالها القادمة، لم يكن مرور رواد الفكر العربي الإسلامي الأوائل مرورا عابرا بقدر ما أرسى نواة العلم الحديث؛ فكانت أعمال الرازي والخوارزمي وجابر ابن الحيان وابن سينا وآخرون الحجر الأساس والقاعدة العلمية للحضارات الأخرى إلى جانب الحضارة الإغريقية مع سقراط وأرسطو وأفلاطون وغيرهم، الذين تركوا إرثا ثقافيا وفلسفيا سيدرَس على مر الأزمنة.

مند عقود خلت لم يجن العرب والمسلمون سوى الهزائم والنكبات المتتالية حتى النكبة الكبرى وسقوط فلسطين ونزوح أهاليها، وتفتت العالم العربي إلى دويلات ما بعد الإستعمار، ثم الحروب الأهلية المتعاقبة هنا وهناك مرورا بالحرب اللبنانية إلى حروب الخليج إلى ما يسمى حاليا بالثورات العربية او ما يمكن تسميته ايضا بثورات الفوضى وموسم تصفية الحسابات السياسية والإيديولوجية الضيقة بعيدا عن الأبعاد الثورية الحقيقية التي تهدف الى بناء المجتمعات من جديد وتحقيق الاهداف المنشودة.

جاءت الأديان لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحرير الفرد من عبودية الأخر ومن ظلمات الجهل والتبعية، لذا ارتكزت الدولة او الامة على العدالة والحرية ، والمبدأين لن يتحققا بدون دولة الحق والقانون واحترام الأخلاق وكرامة الفرد.

تدهورت الأمة أو الدولة إن لم نقل اندحرت وتركت زمام الأمور لأمم أخرى, تدنت الثقافة والقيم وابتعد الفرد شيئا فشيئا عن مبادئ الدين ومحاسن الأخلاق, فانحل المجتمع وصار الآخر مثلا يحتدى به, ففسدت بذلك الحياة العامة للناس.

وبضياع المبادئ والأخلاق اختلطت المفاهيم وفسدت الحياة السياسية وأصبح كل شيء يستورد من الخارج, وسارت الأمة عاجزة عن إدراك هذا التأخر فاستسلمت للأمر الواقع. وأصبحنا نبحث عن كل ما هم جاهز للتطبيق دون مراعاة ظروف وحيثيات وكذا اختلاف الواقع والمجتمعات

أصبنا بالعمى أو أريد لنا ذلك حتى نضل في قعر البئر, ولنكون غنيمة سهلة في أيدي الآخرين. سهل ذلك نخب سياسية وثقافية واقتصادية تجري وراء مصالح فردية وطبقية ضيقة. فتم الغزو عسكريا ثم ثقافيا واقتصاديا حتى تشل كل مقومات نهضة جديدة ونضل نقبع في أسفل السلم.

في حين ضلت نخب المثقفين وعلماء وشيوخ الأمة على هامش الجدال وكأنها غير معنية بهذا السجال, وصبت اهتمامها بأمور ثانوية وتافهة عوض التركيز على ما آلت إليه أوضاع المجتمع. كما ضيعت بعض النخب فرصة النهوض من جديد, جعلوا من الدين والتطور خطان لا يلتقيان, سهلوا على الأخر فرض السيطرة وضرب قيم الدين واعتباره عنصرا من عناصر تخلف الأمة ومانعا رئيسيا للتقدم والرقي.

ما يحصل الآن في المجتمعات العربية أو ما يسمونه بالربيع العربي, عبارة عن فوضى من المفاهيم فارغة من أهدافها الإجتماعية والثقافية التي يمكن أن تغير معطيات التاريخ وواقع المجتمع وتعطي رؤيا واضحة لمجتمع الغد. ولأن طبقة المثقفين والمتنورين لم تلعب الدور المطلوب منها في هته المرحلة الحساسة , ترك الأمر لأطراف سياسية اغتنمت الفرصة من أجل تحقيق أهدافها.

إن الأزمة السياسية في المجتمع العربي والتي أثرت سلبا على الواقع الإجتماعي للأفراد تمثلت بشكل كبير في أزمة السلطة, يذهب غرامشي إلى أن الطبقة الحاكمة حين تفقد الإجماع الذي تستند إليه, أي لم تعد تقود بل تسيطر فقط مستخدمة أساليب القوة, هذا يعني بالتحديد أن غالبية الشعوب تحررت من إيديولوجياتها التقليدية, أي لم تعد تؤمن بما كانت تؤمن به. وهنا يمثل جوهر الأزمة في العالم العربي وهو أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد, في ظل هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية مجتمعية غاية في التنوع.

ان المجتمعات لا ترقى إلا بقيمها وأصولها ولا يكتمل تطورها وسعادة أفرادها إلا باحترام تقاليدها وهويتها والأمة التي تستنبط نمط وطريقة عيشها من غيرها تبتعد عن أصالتها وحقيقتها, وتفقد القدرة على الوجود بنفسها وتظل تابعة لغيرها.

نملك ماضيا غنيا ورائعا والذاكرة خير ميناءٍ للإنطلاق….

لا تعليقات

اترك رد