الشاعر الفريد كوليريش ووجود الشعر


 

انسجام الرؤية الشعرية أساس لبقاء الشعر ووجوده

الشعر ليس مجرد خيالات شخصية جامحة ، بل إنسانيا ، عالميا ، شاملا ، يسمو من خلال الفكر الخلاق ، الذي يرتبط بحيوية الشاعر الذهنية ، ومن خلاله يكون الإبداع ، بخلق وطريقة وأسلوب الشاعر ، العمق المأساوي للشعر أن يكون في المنفى ،إن الشاعر في إبداعه لا بد إن يتمتع بقدر من الحرية ، مدعوما باختلافات على نحو مقصود حتى ، الخلق تأثير شعري جديد في القصيدة ، الشاعر الفريد كوليريش Alfred Kolleritch من مقاطعة شتايا مارك ومن مواليد 1931 درس اللغة الألمانية والتاريخ والفلسفة في جامعة غراتس ، يعد احد المؤسسين لشكل شتات بارك منذ عام 1969 – 1995 وكان رئيسا لها ،ومن مؤسسي ومصدري المجلة الثقافية ما نوسكريبتي منذ عام 1960 ، يكتب في المجالات الأدبية المختلفة منها الشعر ، الرواية ، القصة ، مسرح ، ومن خلال مسيرته الأدبية حاز على عدة جوائز كجائزة الأدب لمقاطعة شتايا مارك ، واصدر العديد من الأعمال الأدبية ومنها المجموعة الشعرية موازيات معزية عام 2006 ، كل هذا قد يبدو بديهيا في الأدب النمساوي ، ومن شاعر حيوي كالشاعر الفريد كوليريش لا يكتفي بتصوير الحقائق بل ينفر من الحدود والقيود ويكتشف أشياء جديدة تنتمي إلى عالم الخيال والحقيقة ، بوعي وإدراك يختلف عما يلاحظه القارئ .

(( الشعر بطيء
مضغوط في الدرج
وموجود
مداسا تحت الخطوات
مملسا تحت النعال ))

من يقرأ هذه الصور الشعرية يلاحظ قسوة ظاهرة على الشعر ووجوده ، وهنا الشاعر الفريد كوليريش يلعب دور العالم الذي يبسط الحقائق ، حسب رؤيته الشعرية وإدراكه المتقد بدقائق الأشياء ، ( مضغوط – مداسا – مملسا ) إن جميع عمليات الاكتشاف الأولية تميل إلى الدهشة والحيرة ، ثم التلاؤم الجديد ، للصورة الجديدة ، فحواسنا تجمع معلومات متفرقة أولية ، ربما تكون حقيقية ، أو زائفة ثم خبرتنا في تحليل وتخيل ما يميل إليه إحساسنا ، إن كان رمزا أو اسما ، فكلاهما يتعاملان مع الذهن ، ويمكننا حينئذ التعامل معه ( الشعر – الدرج – خطوات – نعال ) إن هذه الصور الشعرية المختارة بدقة ، تنشط الذهن عندما تصله عن طريق الخيال أو البصيرة ، والفكر ، وتعتبر أشياء مخلوقة ، ويمكن أن نحسه حقيقيا أم مزيفا ، من خلال التصوير الذي وضع فيه ، وربما يكون هذا المفهوم جوهريا رغم أساسيات الاستنباط أو الخلق ، فالشعر لا يمكن رؤيته ، لكن يمكن الشعور والإحساس ، وهو ليس أمر غريب ، فالحواس لها دورها الكبير المؤثر على الأشياء ، رغم أن هناك حضارات الشرق الأقصى القديمة كالصين واليابان ترفض الحواس ، وهذا واضح في شعرهم الخالي من العاطفة والباردة في وجودها ، عكس ما نراه هنا مع العاطفة ،والخبرة الذاتية إن تختبر وتصحح بعض المفاهيم والوصول إلى الأفضل ، فان الصورة الصادقة مع التجربة الشخصية تحرك الأشياء للإدانة الصارخة أو التوافق السليم ، إن حالة الشاعر الذهنية يجب إن تنسجم مع حالة الفرد في المجتمع ، على اكبر قدر ممكن ، من الانسجام ، لكي يصل مفهوم الشعر ووجوده إلى القارئ بصورة واضحة وقادرة على التأثير والتأويل من وجودها الأصلي والمأساوي .

(( واثق من نفسه
غير مسموم كالتعفن
مر من فوقه العالم ))

إن البحث عن حقيقة الشعر ووجوده ، هي وصول إلى مفاهيم لا تقبل التحدي بسبب الإيمان والقناعة ، رغم إن الإيمان من ناحية يعتبر دليلا للوصول إلى المعرفة ، لجوء الشاعر الفريد كوليريش إلى ( الشعر ) بصور قاسية ومؤلمة ، هي أكثر جرأة نابعة من الخيال الخلاق والواقع المؤلم ،بلغة استدلالية ورموز تلعب دورا رئيسيا في استخدام الفكرة ، وهي تطور القيم المعاصرة وإمداد هذه القيم في سبيل إن نشعر بمأساة الشعر على نحو أكثر عمقا وغنى ومعنى ، تظل صورة العنف والانكسار تتجلى ، كأنه يشعر بكآبة الواقع الذي لا يضع الشعر في مكانه المناسب وهو في نفس الوقت بحث عن الذات والهوية ، السفر مع الشعر مهما كان وجوده ، يحرر النفس ، ويحلق بالروح إلى آفاق بعيدة عالية ، ممزوجا بعاطفة تسر قلوب البشر ، ولحكمة أرادها الله ، فهناك حتى من يسمي الشعر ( ابتلاء ) وهذا الإحساس بالابتلاء قدر لابد منه ، فيجب وضع الشعر في مكانه المقدس ،فيغدو مفتاحا للتسامح والحب والألفة والتعايش والسلام ، لأنه لا يقتصر على زمان ومكان أو عمر معين ، فهو يخلد مع الأرواح الراقية ، في حين تفتقر إليه كل الأرواح الشريرة ،وهو يلمس شغاف القلب بالوحي والإلهام التي توحي بأشياء كثيرة بصمت ، وتبعث رسائل صعب فك شفرتها أو سهل الوصول إليها .

(( الخوف
ليجد الصامتين
ومدد خفقان القلب
داخل ضوضاءه
وحرية العفش ))

هذه الصور توصل إليها الشاعر لتوضيحها في عبارات رائعة وهذا لم يأتي من فراغ وإنما بني على قوة ثقافية كبيرة وتجارب عميقة ، وسمو رجاحة القلب في استخدام الأشياء ، ورؤية ثاقبة مع الفكر الطاهر النقي الذي يرقص بنشوة الإبداع والخلق الحافز للأفضل ، وبثقة في النفس ، أمام قسوة الواقع وتذليل الصعب بالمحبة الطاهرة والأمل المتجدد في عصر متجدد ، إن هذه الحرية المتبادلة بين الشعر والشاعر وبين الشاعر والقارئ تضيف للرؤية البعيدة عنصر انسجام أساسي لبقاء الشعر واثبات وجوده تكاثرت في المقاطع صور البؤس والذل والانكسار ( الدرج – الخطوات – النعال – التعفن ) مع صور الانفصال والحواجز الدفاعية ، كأننا به يحتاج إلى معرفة السبب ، وكأننا ننسحب من الحياة الاجتماعية إلى الحياة الفكرية لا أن نوجه صفعة مؤلمة بل البحث عن سبل للخلاص من السلبية واللامبالاة وسد جميع النوافذ الخشنة ، خشية من مكانة الشعر ، معتمدا على القيم الإنسانية وإيثار ما هو مؤثر فيها ، فلا عجب من خوفه لفكرة الشعر وكأنة الشعر ، حاملا الشعور بالخوف ، فهو يرنو ليهب الحياة الجديدة بعيدا عن الخوف ، فهذا الشغف بالكتابة يجعله ناسكا ، ناشطا ، فكريا ، باحثا عن سبل جديدة للشعر الراقي .

***********************************
الشاعر الفريد كوليريش
– مواليد برونن سي ، مقاطعة شتايا مارك
– درس اللغة الألمانية والتاريخ والفلسفة في جامعة غراتس
– يعد احد المؤسسين لشكل شتات بارك ومنذ عام 1969 –1995 وكان رئيسا لها
– من مؤسسي ومصدري المجلة الثقافية ( مانوس كريبتي ) منذ عام 1960
– يكتب في هذه المجالات ، القصة ، الرواية ، الشعر ، المسرح ، ومن خلال مسيرته الأدبية حصل على عدة جوائز تكريم بدأت بجائزة المنحة الأدبية عام 1970 من رئاسة الوزراء للثقافة والفنون ، جائزة الأدب لمقاطعة شتايا مارك عام 1976 ، جائزة الشاعر الكبير جورج تراكل للشعر ، والتي تمنحها مقاطعة الزبورغ عام 1987 ، جائزة الشاعر بيتر روز يكر عام 1998 ، وجائزة هورست بينيك للشعر عام 2005
– اصدر عددا كبيرا من الأعمال الأدبية ومنها ، رواية الصفحة الخضراء عام 1974 ، سقوط في الخط ، مجموعة شعرية عام 1983 ، عكس الطرق مجموعة شعرية عام 1991 ، تآمر الكلمات ، قصائد مختارة عام 2001 ، موازيات معزية قصائد 2006

************************
– المصدر
– شعراء من النمسا ، إعداد وترجمة بدل رفو

لا تعليقات

اترك رد