حتمية التغيير ـ ج 10


 

إذا كنا قد تطرقنا سابقا إلى أهمية الشك للحصول على يقين أكثر رسوخاً، فعلينا أن نواصل تأكيد هذه الفكرة من خلال الحث على رصد أية تناقضات يعيشها المجتمع ثم محاولة تفكيكها وصولا إلى تبسيط المفاهيم خاصة تلك المتعلقة بمناطق الثوابت غير القابلة للنقاش أو النقض…

يعيش المجتمع العراقي اليوم في أدنى درجات ترديه، جهل العامة وخضوعهم للتجهيل المنهجي الذي يمارسه رجال الدين والسلطة والعشيرة وبعض الواجهات الإعلامية اقترن هذه المرة بالجرأة والاستعداد الناجز لاتخاذ اجراءات عنيفة تصل إلى حد القتل، وهذا الاقتران من النواتج العرضية للزواج غير الشرعي للدين مع السياسة، لم يعد رجل الدين مكتفيا بتوجيه خطابه المناهض لحرية التفكير بل صار يحرض على مواجهتها بالقوة، ويمنح من قام بتعضيد جهلهم حمايته فيمتلكون القوة الكافية للتصرف بوقاحة وجرأة نتج عنها اقتراف متكرر ودائم للجريمة التي أدت إلى جر البلاد إلى هاوية لابد أن نعمل جاهدين للخروج منها..

لا غرابة أن ينبري أحد رجال الدينسياسيين لوصف المنادين بالدولة المدنية وسيادة القانون بأنهم ملحدون، وهو يعلم يقينا أن وصفا كهذا يدفع مناصريه إلى القيام بأفعال تترجم مقولة قائدهم، لذا ما زالت الصدارة بما يجب أن نعمل على تغييره هي السطوة التي يمتلكها رجال الدين وقد استمدوها من قداسة قاموا بغرسها على مدى قرون طويلة حتى صارت من المُسَلّمات التي يقبلها الإنسان العادي دون أن يفكر بأنها قداسة وهمية وكاذبة، لابد أن نعي أننا ساهمنا بصنع هذه القداسات حينما قبلناها دونما تفكير، لابد أولا أن نعي بأن القداسات ذاتها وُجدتْ بعد أن عملت بجهد على إرباك قدرة الإنسان على التفكير عبر إشاعة الخوف ومفاهيم العقاب البشع من قبل الله في حالة عدم تصديق أو الإيمان بالرموز التي أنتجها الدين، من فقهاء وعلماء وزعماء مذاهب دينية وأئمة… الخ،

حين دخلت الابتكارات الحديثة كالسيارة والراديو والتلفزيون… الخ في بداية القرن العشرين، كان الموقف المباشر لرجال الدين هو رفض هذه الابتكارات واعتبارها بدع، وكل بدعة ظلالة، وكل ظلالة في النار، ونجحوا في غرس هذه الفكرة الشاذة في أذهان الناس، حتى فرض منطق التطور المدني نفسه وحسمت الحاجة إلى هذه الابتكارات المعركة لصالح التطور الذي أغاظ رجال الدين وما زال بعضهم يصرح بموقف كهذا حتى اليوم فنراه يقف بالضد من إبتكارات جديدة يقدمها العالم كل يوم، ومن نتائج هذا الموقف السلبي أن واصل العرب المسلمون المحافظة على موقعهم في أسفل قائمة الدول والأمم المصرة على مواصلة نهوضها وارتقائها، ولنتذكر أن العراق كان يمتلك في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي مقومات الدولة العصرية، في الوقت الذي كانت فيه اليابان تنوء تحت أعباء نتائج الحرب العالمية الثانية والقنبلتين النوويتين على هيروشيما وناكازاكي، كانت ماليزيا وسنغافورة وكوريا دولا فقيرة لا تملك من مظاهر التمدن التي ملكها العراق إلا القليل، واليوم كيف أمسى العراق وكيف أصبحت اليابان وماليزيا وسنغافورة وكوريا؟… ما السر؟… ألا يجب أن نراجع أنفسنا ونضع التفسيرات التي تساعدنا على الخروج من البركة التي جلسنا فيها طويلا؟.. ألا يجب أن نقول كفى ونبدأ بوضع الإفتراضات المنطقية للتغيير؟…

يخوض المفكرون والفلاسفة في بلدان العالم الحر مراجعات دورية لتاريخ بلدانهم ويقدمون كل بضعة سنوات قراءات جديدة لهذا التاريخ، فغدا لديهم ديناميكيا قابلا للقراءة بأوجه عديدة، نرى ذلك في فرنسا وألمانيا وغيرها، مثل هذا لن يحدث لدينا ما دمنا نتعامل مع التاريخ على أنه من الثوابت غير القابلة للنقاش أو الطعن، ما يجب نسفه أولا هو فكرة الثوابت نفسها.. وهذا لن يحدث بالتأكيد عبر السلطة الإدارية سواء كانت دولة أو حكومة، ولا حتى عبر عامة الناس فهم أدوات التغيير لكنهم لن يفعلوا ذلك دون وعي كامل واستيعاب دقيق لما يطرحه المفكرون المتنورون القادرون على استلهام التاريخ وتفكيكه بعلمية ووعي ووضع الأصابع على العلل الفكرية والاجتماعية التي نعيشها ثم افتراض الحلول، المفكرون والمثقفون العضويون هم القادرون على الفصل بين ما هو وهم وما هو حقيقة في خريطة الأفكار السائدة، وهذا يجعلهم في مرمى نيران السلطة السياسية التي تحاول أن تجد بدورها بدائل للمقدسات التي أصبحت موضع شك، ولأنها مرتبطة برجال الدين لذا عملا معا على أن تكون الطائفية هي الإطار العام للمقدس، حيث لا فرصة للنقاش في معطيات الواقع رغم كونه مختلا، يرى ديكارت أن كل ما هو غامض يجب استبعاده من مجال الحقيقة لأنه سيكون بؤرة للخداع والتلاعبات،والقراءة المتأنية لواقع اليوم ترينا أن الطائفية قد سعت للجمع بين سلطتي الدين والدولة، ومن يمتلك موقفا مختلفاً لابد أن ينضوي تحت كيان طائفي آخر سيعمل بدوره على الحصول على القيمة المكملة وهي السلطة فاختفى الفرد لمصلحة الطوائف المتصارعة من أجل الإمساك بصولجان الحكم، ربما لا نرفض فكرة المقدس لكننا نرفض بالتأكيد المسحة الإلهية المفترضة التي منحها المقدس لممارسات قابلة للنقد والتجريح كالسياسة والإدارة والأفكار، لابد أن يكون كل شئ خاضع للمساءلة والرفض لإحلال بديل أكثر ايجابية منه..

حتمية التغيير في خلاصة، يعتمد على جهد المفكرين والمثقفين في تقديم قراءات واعية ومتجردة لأزماتنا المعاصرة، ومواصلة المحاولات الجادة لتهشيم ارتباط القداسات بالسلطة، وليكن المقدس شأنا فرديا، فلكل انسان مقدساته التي لابد أن يحترمها الآخرون كيفما كانت لكنها منفصلة تماما عن أي شكل من أشكال السلطة، ولابد من التركيز على وعي مختلف يستهدف عامة الناس ليبلور استعداداتهم لقبول أننا بحاجة ماسة إلى هدم بعض الأنقاض والعمل سريعا على البناء على أساسات راكزة سواء ماكان موجودا منها أو ما نعمل على استحداثه مستفيدين من تجارب الأمم التي نهضت وارتقت بعد أن مرت بخراب كبير، ولنعترف أولا… وقبل كل شئ.. أننا تعرضنا وبشكل منهجي للخراب..

لا تعليقات

اترك رد