داعش .. عطالة الديالكتيك العقائدي


 

بعد سقوط الدولة الاسلامية ومختصرها “داعش” في العراق ظهرت الكثير من التحاليل والرؤى حول مستقبل داعش الأمني؟؟.. وكيف نقضي على داعش فكريا وسياسيا ودينيا؟؟.. بعد ان فعلت الأعاجيب في فنون الدعوة والقتل والتعذيب والنحر داخل حدود الخلافة الاسلامية في الموصل والرقة طبقا كما توارثوها أو فهموها عبر التاريخ الاسلامي ونسخ تطبيق الشريعة الاسلامية المتكررة منذ نزول الإسلام والي اليوم.

اعتمدت داعش في قيامها وامتدادها على العقيدة الاسلامية وتطبيقاتها كما جاءت في الأثر وأقوال السلف ومنهج التابعين دون تجميل أو مواربة أو تنازل، فكل ما قامت به من افعال كان له مثيل في التطبيق أو في الاجتهاد أو في القياس. فالديالكتيك العقائدي الداعشي مبني على المنطق الديني النقي الذي يحكم الناس ويسير حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت ولاية أمير المؤمنين. وهذه الجدلية الدينية في الحركة والفهم هي الأساس الموضوعي المادي لمجمل التعاليم الدينية طبقا لمفهوم “الجدلية الصورية” التى تحدث عنها كانط في كتابه “نقد العقل الخالص” وكان يعني بها التوهم الذي تعتقد النفس البشرية من خلاله تجاوز حدود التجربة من أجل التوصل الي تحديد مسبق مفترض لمفاهيم ذات علاقة بالروح والعالم والإله.

إذن، استطاعت داعش بعد فترة من توسيع امتدادها وفرض هيمنتها بشكل كامل مع كل التبعيات السياسية والعسكرية والتشريعية..بل واستطاعت تحقيق وجودها في الخارج العربي والدولي باعتباره جهادا ونصرة للإسلام الي يوم القيامة، كما واستفادت من أموال النفط في تعزيز امكانياتها العسكرية ودفع رواتب خيالية للمجاهدين من مختلف الجنسيات والأعراق، وبنفس الوقت استفادت من تقلبات السياسة الدولية والتحالفات الاقليمية في التواصل مع مختلف دول المنطقة باعتبار تمثيلها دعما للسنة مقابل تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، وكان من شأن هذا التحول أن جعل من القضية الداعشية قضية طائفية ومذهبية أثرت بشكل دراماتيكي وكبير على المجال الدولي، بقيامه بأكبر حملة لشن الهجوم على الارهاب، وايضا على المجال العربي والاسلامي بوضعهما أمام تحديات الاصلاح الديني واعتبار داعش نبتة اسلامية ظهرت من عمق التراث الاسلامي ومحاولات تطبيق الشريعة الاسلامية.

فأين تقع عطالة الديالكتيك العقائدي الداعشي؟؟. وكيف فشل العرب والمسلمين ومنذ 1400 سنة من كشف القصور الذاتي فيهم والعطالة العقلية في فهم الإسلام وتطبيق الشريعة ومواجهة تحديات الحداثة؟؟..إن العطالة العقلية التى أصابت المسلمين انتجت داعش وقبلها الكثير من التيارات والتنظيمات التى تعتبر نفسها المنوطة بالجهاد وتطبيق الشريعة ومواجهة أعداء الأمة الإسلامية، وهذه الأدبيات ليست جديدة بل ظهرت بعد وفاة النبي محمد وتصارع اتباعه على الحكم والسلطة والخلافة ضمن شروط الأفضل والأقرب الي محمد وقريش وتطبيق الشريعة..ووصلت الي اليوم بكل تراثها ومذاهبها وأحكامها، ولم تتعرض الي النقد أو الاصلاح أو التعديل، وهذه هي علة الإسلام اليوم ببقائه دينا مفتوحا على كل الجدليات وعلى نحو كارثي أدى الي صعود الأصوليات باعتبارها التطبيق الصحيح للدين. فعندما ينحصر مفهوم الحياة والتطور والحداثة بالإرث الديني يؤدى ذلك بالضرورة الي بناء صور عقلية للسمات والأنماط والوظائف والتصرفات الفردية والجماعية التى يمكن اعتبارها لصيقة بحاملي الهوية الإسلامية بينما الآخر المختلف ما هو الا عدوا يجب تخييره بين الإسلام أو الجزية أو القتال.

فجدلية التنافس والصراع العقائدي لا تركن لحدود معينة، خاصة عندما تستشعر العقيدة مكامن الخطر، فتتحول بعض مكوناتها الي معطى ايديولوجي ضمن سياق الهوية المقدسة، فينتج عنها تيارات وقوى أصولية محافظة على الأصل ويكون لها منظومة فكرية لها تنظيمها الذاتي ودفاعها الذاتي الذي يتسم بصفة توليدية قادرة على انتاج ذاتها بذاتها طالما أن الهوية لم تتعرض لعمليات الهدم والبناء. وهذا تماما ما حدث لداعش وقبلها القاعدة وغيرهما الكثير من المنظومات السنية والشيعية.

فهل اليوم وبعد سقوط داعش يحق لنا أن نفرح؟؟.. أو نعتقد بأننا قد انتهينا والي الأبد من ثقافة داعش وبشاعة داعش ودولة داعش؟؟.. أم سوف يأتينا غيرها من التنظيمات الأكثر رعبا والمختفية فصولها داخل التراث الإسلامي؟؟..

لمواجهة الديالكتيك العقائدي الداعشي ، نحتاج جرأة غير مسبوقة في استدعاء الدين الاسلامي الي طاولة التشريح والتأريخ حتى نضع النهايات المنطقية والعقلانية لمسببات التراجع والانسداد التاريخي، وحتى نقف على أرض صلبة في مواجهة العنف الاسلامي ومكامن حدوثه وانطلاقاته ومآلاته. فإذا كان النقد عموما وسيلة للإصلاح فإن نقد نصوص الدين وخصوصا القرآن والسنة هو شرط لإصلاح الدين نفسه وإنهاء التيارات الاصولية في داخله العقائدي.

فإذا كانت الحقيقة المتعلقة بكل دين ومذهب قد اكتملت في منظور المؤمنين بهما، فإن حقيقتهما بالنسبة الي البحث العلمي ومقارنات الأديان والنقد التاريخي لا زالت مفتوحة على اكتشاف المزيد من الحقائق حول دور الأديان في المجتمع وتأثيرهم على الأفراد وعلاقات الانتاج، خاصة في ظل تطور علم الآثار والبحث الآركيولوجي والمساهمات النوعية الممكنة للانثروبولوجيا وعلم الأديان المقارن، وكل ذلك إذا ما تم ممارسته بشكل علمي ممنهج قد يؤدي الي اكتشافات جديدة، بل وربما الي قلب كل الحقائق المسلم بها من قبل غالبية العرب والمسلمين، ولعل المفكر محمد أركون خير من قدم لنا مشروع نقد التراث الاسلامي. فقد قال في كتاب “تاريخية الفكر العربي الإسلامي” ان التراث الاسلامي لم يعالج ابدا ضمن إطار التحليل والفهم الانثروبولوجي.

حين تختفي داعش اليوم بشكل عسكري وأمني كبيرين، علينا أن ندرك أن هذا ليس نهاية داعش. بل ما تمثله داعش من نقاء العنف الديني، نجد حاضنته في الكتب الفقهية والنصوص الدينية والتاريخ الاسلامي، ليبقي الظهور مجرد إثارة لظروف ووعي وسلوك وأسم حركي جديد، وهو ما نتعايش معه اللحظة بكل تجلياتها السياسية والاجتماعية من فوضي وعنف وجهل. فلا يمكن أن نخرج من متلازمة داعش وننتج التطور والعلوم والفلسفة والفنون والديمقراطية، ونحن كشعوب مازلنا نحمل ثقافة اقصائية ونتعامل مع بعضنا البعض او مع الآخر المختلف وفقا للدين والمذهب والعرق، فهذه المفاهيم هي أساس داعش وتاريخ داعش وثقافة داعش..إن من يسقي داعش ومن يعطيها البذور والرعاية والاستمرار هو نحن، فجميعنا مشاركون في هذا، مشاركون في الجرائم التي تحدث وفي القتل الذي يجرى، فعدم سعينا الي فصل الدين عن الدولة أبقينا على الثقافة الداعشية، وعدم احترامنا لحرية الرأي والاعتقاد ابقينا على داعش، وعدم مواجهتنا للوصاية الدينية والاستبداد السياسي، ابقينا على تاريخنا الاسلامي حيا في حياتنا لتسترجعه كل جماعة بكل زمان ومكان وبكل ما فيه من سلوك عنيف ومن اهداف توسعية ومن تمييز وكراهية واستعمار وغزو.

لا تعليقات

اترك رد