أبناء أبرار


 
لوحة للفنان سامي ابو العزام

أويت الى غرفتك النائية ، بعد أن غيرت ترتيب أثاثها ، ورغم صحتك المتدهورة ، حملت القطع الثقيلة ، ناقلة إياها من مكان الى آخر ، عل أحدا منهم يتذكرك في هذا اليوم ، الذي بدا منذ الصباح جميلا ، ساطع البهجة ، مزدانا بالروعة ، جمال الورود التي طلبت من جارتك ان تأتيك بها ، تعلمين أنهم يحبون رائحتها الزكية ، التي تنبعث من مكان يبتهج بمرأى الورود البهية ، وبعطرها المهيمن على أجواء الاحتفالات الأليفة.

نقلت قطع الأثاث من مكانها المعتاد ، الى مكان بدا لك إنها ستكون أجمل فيه ، لم تستطيعي ان تبتاعي قطعة جديدة ، كانوا يعتمدون عليك ، في توفير طلباتهم التي لاتنتهي أبدا ، رغم أنهم يعملون ، وأنت بقلبك المفعم حنانا ، تسارعين الى تلبية ما يشيرون إليه ، من أنواع لاتخطر على البال ، يتفننون في العثور على لائحة ، مما يبعث الفرح الى نفوسهم ، وأنت تضنين على نفسك فيما هو ضروري لها ، وحتى الدواء .

– راقبي صحتك سيدتي ، وخذي الدواء في أوقاته.

كل يوم لهم طلبات جديدة ، لم تقدري حيالها على الوفاء بما ينصحك به الطبيب ،

– صحتي ممتازة ، والله وهبني قدرة على الاحتمال ، وهم أحبتي

تغير شكل الغرفة ، بدا جميلا جديدا ، رغم أثاثها القديم ، الذي استطعت ان تقتنيه حين كانوا صغارا ، واحتفظت به ، ولكن اضطرتك الحاجة ، إلى بيع ما تبقى من أثاث المنزل ، حين توفى زوجك ، لم تعودي بحاجة الى الكثير ، هم أولى به ، سوف تعرضينه على البيع ، لتوفري بثمنه بعض ما يشتهون.

يوم جميل ، جهزت له نفسك ، هيأت أطعمة تعرفين ان أحبابك يرغبون بها ، ذهبت الى أسواق بعيدة ، لتوفيرها في هذا اليوم

المنزل الذي أويت اليه بعد تفرق الأبناء ، كل الى جهة بعيدة ، لمست فيه حنان السكان وتآلفهم ، لايضنون عليك باللمسة الرقيقة ، والكلمة المشجعة ، التي تمنحك طاقة لاحتمال آلام الحياة وأهوالها.

الوقت يمر ببطء ، وأنت تنظرين من النافذة ، حتما سيمرون عليك

ليقولوا تلك الكلمة العذبة ، التي طالما أسعدتك.

– عيدك سعيد يا أمي

وكان المنزل مليئا بالمحبة ، وزوجك باسط ذراعيه الحانيتين ، يتغلبان على أية هفوة من الأبناء غير مقصودة ، قد تسبب لك الألم

وأنت تسامحين ، وتغفرين الزلات العفوية ، وتتناسين حقوقك ، مؤدية واجبات الأم والصديقة ، والأخت الكبرى للأبناء ، انه يومك وسوف يهرعون لإسماعك الكلمة ، التي عشت طوال عمرك تستعدين لها

تعبت وجاهدت ، وبذلت سنين عمرك من اجل إسعادهم ، وتحملت الضرر وضحيت بما هو من حقك ، كي ترينهم رجالا يسعدون من حولهم ، وها أنت هذا اليوم تستعدين لسماع كلمتهم الحبيبة.

– عيدك سعيد يا امي

تمر الساعات ثقيلة ، وأنت لهفى ، تنتظرين ان تهل سعادتك ، وان تسطع شمسك ، وتنبثق أقمار الحياة مغنية لك ، وقد حققت انتشاءك ، ووصلت الى ما يحلم به قلبك ، من روعة المحبة التي تغمرنا بالغيث ،اذا ما سقطت قطراتها على نفوسنا الظمأى الى كلمات الحب،

حتما إنهم أولادك ، حريصون على هنائك ، سوف يسارعون الى غرفتك النائية ، ليلقوا عليك التحية ، مهنئين بيوم ليشبه الأيام الأخر جمالا ، لأنهم لم ينسوك ، وسطعت شموس مودتهم على حياتك اليابسة ، فأنعشتها

– أيامك هانئة أمي

تمضي الساعات ، ونظراتك معلقة على النافذة ، عل احدهم يسرع ، ليضع حدا لمعاناتك التي لاتنتهي ، أنت الثكلى وأبناؤك أحياء يرزقون

لا تعليقات

اترك رد