نزاهة .. النزاهة


 

في أيام الدولة العثمانية ، كان التجار يغشون في البضاعة والاوزان لزيادة الربح واستغفال السكان ، وعندما علم السلطان بذلك ، امر بتعيين موظف اسموه (سرسري) يعمل متخفيا في كل مكان لمراقبة الاسواق والتجار ، لكن التجاروبدهائهم المعروف كشفوا (السراسرة ) قبل الأوان فرشوهم بالمال ورجع الحال كما كان …وحين تفقد رسول الخليفة الرعية والسكان علم ان ( السراسرة ) خالفوا امر السلطان ، فامر بتعيين (سربوت) من قبل الديوان ، وهو الموظف الذي يراقب مراقبي الاسعار ، ليراقب (السراسرة ) ويكشفهم بالدليل القاطع ، ولكن اعين التجار وآذانهم كانت في كل مكان لذا سعوا الى افسادهم بالمال والنساء ، فأصبح عمل (السرسري ) جمع الرشاوي من التجار ، وتقاسمها مع (السربوت) بالنصف ، وتفرغ السرابيت للجري وراء النساء الفاسدات …واصبح اسم ( السرسري ) و(السربوت) مسبة لدى الاتراك واهل الحجاز !!

تقترن هذه القصة التي استعرتها من منشورات أحد الاصدقاء كثيرا بما سمعناه مؤخرا عن صدور حكم بالسجن سبع سنوات ضد مديرين عامين سابقين في هيئة النزاهة بتهمة الاضرار بالمال العام ، والطريف في الأمر ان الحكم غيابي كونهما هاربين ولن تحقق أوامر القبض التي صدرت بحقهما شيئا من العدالة التي ينادي بها القضاء والنزاهة التي تنادي بها هيئة النزاهة في العراق ..
يقال ان اكبر دائرتين معنيتين بالابتزاز في المحافظات الجنوبية هما دائرة المفتش العام ودائرة هيئة النزاهة ، وهما اكثر دائرتين لهما علاقات مشبوهة مع كل صفقات الفساد لأن السياق المعتمد للفاسدين هو التنسيق أولا مع المفتش العام وموظف النزاهة ، ولأن هيئة النزاهة تفخر باستمرار بفتح ملفات قضايا فساد عديدة في مختلف مفاصل الدولة والوصول الى مرحلة صدور احكام بحق المتهمين فيها – كما حدث مع المديرين العامين السابقين ( الهاربين) – ، فيمكن القول ان اغلب تلك القضايا تخص موظفين متهمين بقضايا لاتتعدى قيمة المبالغ المسروقة فيها ال20000 الف دينار وهم من يقع عليهم العقاب فتقضي المحاكم بتغريمهم أو سجنهم بينما يخوض كبار الفاسدين في وحل الفساد امام أعين هيئة النزاهة وبعلمها لكنهم لايقعون تحت طائلة رقابتها أويخضعون لتحقيقاتها لأنهم ينتمون الى أحزاب وكتل تحمي ظهورهم ولأن اختيار رئيس هيئة النزاهة اصلا جاء عن طريق المحاصصة ولابد بالتالي أن ينحاز الى كتلته مالم يجاملها أو يغمض عينيه عن قضايا الفساد التي تخص كبارها او صغارها ..

من جهته ، يتهم رئيس الهيئة البرلمان بعدم القيام بدوره الرقابي وتقديم النواب لملفات الفساد التي تقع بين ايديهم ، بينما يعتبر النواب وجود مكاتب المفتشين العامين فقرة زائدة ولاتخدم التقشف المالي في الدولة –ربما لأن غياب المفتش العام –اذا كان نزيها – قد يفسح المجال للفاسدين ليسرقوا اكثر اما اذا كان من النوع الذي يمرر الصفقات مقابل مكسب ما فسيصبح الأمر اكثر تعقيدا ، ذلك ان قصة ( السرسرية ) و( السرابيت ) القديمة ستتكرر حتما وسيصبح مراقب السارقين سارقا ومراقب المراقبين فاسدا …وسنندهش يوما ما من نزاهة (النزاهة ) التي بلغت نزاهتها حد معاقبة مديرين عامين فيها مارسا الفساد ولم ينكشفا ، وحين فاحت رائحته ،لاذا بالفرار !!

المقال السابقتثقيف ذاتي !!
المقال التالىنهاية مقنعة
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد