العائدون الى الديار


 

اكتمل تحرير الموصل وربما سيعلن اليوم او غدا ، فرحة سيعيشها العراقيون بلا لون وطعم ورائحة، فالنصر قبل ان يتحقق كانت قد سرقته الخيانة والمؤامرة، وبعد ان تحقق او يكاد سرقه الدمار والخراب والتهجير والدماء التي سالت بسبب اطماع وفساد وجبن وغباء.. تحقق النصر بتحرير ارض خوت من ناسها وتاريخها وحضارتها وعمرانها، تحررت الموصل ولكنها في الحقيقة دمرت عن بكرة ابيها، وقد يقول البعض ان لا نصر دون تضحيات، فاعيد السؤال عليه: كيف اذن انتصرت داعش واحتلت الموصل وهي قلة قليلة قليلة على جيش عرمرم بعدته وعدده قبل ثلاث سنوات دون تضحيات تذكر ودون تدمير وتهجير؟…

ومع ذلك فان تحرير الموصل عامرة او خربة افضل كثيرا من بقائها تحت سيطرة عصابات داعش ولكن النصر لن يكون ناجزا مالم نغير مجرى الحوادث ونردم المسالك التي ادت الى ما وقعنا فيه قبل ان نقع مرة اخرى في ما هو اعتى واشمل واكثر ايذاءا وتدميرا، فالخراب في العراق مازال مثل قطار يطوي الزمن ويقضم المدن ويطحن الارواح دون صد ومنع وايقاف..

بعد التحرير سيعود النازحون او هكذا ياملون الى بيوتهم التي لن يجدوا منها إن عادوا الا خرائب واطلال وشواهد على ماض مضى، نازحون هجروا قسرا أو اختيارا بسبب سيطرة داعش او بسبب معارك التحرير، وهم الذين عانوا الذل على مدى ثلاث سنين حتى انتقل الذل من ملامسة اجسادهم الى دواخل قلوبهم وعقولهم ونبت في نفوسهم ليولد حقدا دفينا سيسري كالنار في الهشيم بين اجيال تعرضت لامتهان الكرامة واخرى شهدت عليه لتبقى صور الاذلال كالقتل والسحل والتعذيب والاغتصاب والجوع والعطش ومعاناة الهروب في طرق الهجرة وماسي والام النساء وكبار السن شاخصة في حدقاتهم وهم بعد صغارا، ليستسهلوا كل ما هو اهون من ذلك في حياتهم المديدة القادمة التي لن تكون معطرة بالورد او متصفة بالكرامة والعدل، فهم اجيال صدمة تم اختراعها وتدبيرها لتبقى حجج العنف والتشدد وربما الارهاب سببا دائما لصراعات بين يمين ويسار، وربما تم تدبيرها على الارجح لاذلال جيش كانت قد اهتزت له الجبال وسجدت عند اقدامه البراري والقفار، تلك الصدمة التي ستستمر حكاياها وذكرياتها مثارا لالام ودموع مالم تتوفر الحكمة اللازمة لزرع بذور الفرح والسعادة وتوفير الفرص والخيارات لحياة اكثر عدلا واطمئنانا واستقرارا، والا فان جيل الصدمة هذا سيبقى فائرا باحثا عن فرصة للثار والتعويض والتوازن النفسي الذي لايحققه سوى العنف.

بعد التحرير ايضا سيعود المقاتلون الذين هبوا لتلبية نداء المرجعية والوطن، البسطاء الشجعان الاوفياء الذين ضحوا بالغالي والنفيس رغم معاناة الكثير منهم ورغم الفقر والجوع والبلاء، الذين يعشقون العراق الحضن الكبير والوطن الدافيء الذي عاشوا فيه وحلموا فيه، ولدوا فيه وفيه يموتون.. اولئك الذين لا فرق لديهم بين بصري وموصلي وانباري واربيلي، سيعودون مسورين بغار النصر وبفخر الرجال الشجعان الذين لايطلبون من دنياهم الا رضا الله، والا بعضا من هدوء وصحوة لضمير، ووقفة لمراجعة النفس كي تسير السفينة الى امام وكي لا تصطدم تضحياتهم بخيبة امل ونكران وتسفيه، وبالفوارق القائمة بين ابناء الفاسدين الجبناء الذين يعيشون بعز ونعيم، وبين ابنائهم الذين لايجدون كرسيا يجلسون

عليه في مدارس الطين، اولئك الرجال الصناديد يوم يكتشفون ان كل تضحياتهم كانت لحماية الفاسدين والعملاء وتغطية لخياناتهم ومؤامراتهم، سيشمرون عن سواعدهم وسيقفون بالمرصاد مطالبين بالحق والعدل والكرامة والمساواة، فالذي تعود حمل السلاح ومواجهة الموت برغبة الشهادة او النصر، لن يصمت على الذل ولن يستكين على الظلم، وستظل بطولاته ومآثره مثل وخز الابر تحت الجلد تدفعه لان يرفع صوته عاليا مطالبا بحقه وبحق وطن حولته المصالح والسياسة الى ورقة خاسرة على طاولة القمار..

وبعد التحرير ايضا، هناك من لايجد طريق العودة للديار، فقد اصبح السلاح هويته وصنوه واصبح القتل والتدمير واغتصاب حق الاخرين وسلب كرامتهم مهنته ووسيلته لتغطية حاجة في النفس ولتنفيذ مآرب اخرين لا يعرفهم غير انه مؤمن بخزعبلاتهم، اولئك هم الباحثون عن الفرص وهم عجلات قطار الخراب الذي يشق ارض العراق باحثا عن ساحة جديدة وفرصة جديدة – وما اكثر ها واسهلها في بلد مفتوح الحدود والجبهات- ما دامت تحقق للاخرين اهدافهم وتقدم لهم اسباب البقاء والتصارع والثروة والسطوة، مأجورون لا يعرفون قيمة وجودهم الا بحمل سلاح محشو وجاهز لخطف الحيوات، نكرات لا احد يمكنه الانتباه لوجودهم دون جعجة وضجيج، يتنقل بعضهم خفية وبعضهم جهارا نهارا، ناشرين الرعب والخراب والدمار اينما ارتحلوا، دواعش وميليشيات، الات تتلاعب بها وتحركها اصابع خلف الحدود بحجج بعضها يتعلق بالله الواحد الاحد وبعضها يتعلق بالحق والوطن، غير ان الجميع يعرف ان الله ليس بحاجة لمن يدافع عنه، وان الوطن الجريح بحاجة الى قليل من الهدوء ..

العائدون الى الديار واللاعائدون محنة اخرى وفصل جديد من الخراب…

لا تعليقات

اترك رد