الحقيقة … الوجه القبيح للسياسة والإعلام

 

الحقيقة… كلمة تحمل عدة معاني بالنسبة لمجتمع واحد، بل ربما لأسرة واحدة،بغض النظر عن الجدلية الفلسفية في المعنى، فما يراه البعض حقيقة مُجّردة في واقعة ما، يراه البعض الآخر وهمُ أو ضرب من الكذب و البهتان، فالفرد يرى الحقيقة من منظوره الخاص وتختلف هذه الرؤية حسب القدرات المكتسبة للفرد، بل هناك من الناس من له القدرة على تكهن ما وراء الحقيقة تبعا لمكتسباته العلمية والخبراتية لموضوع ما، كما قد يدخل كذلك في هذه الرؤية منظور الفرد، فالبعض يراها متى كانت هذه الحقيقة تصُب في خانة مصالحه الخاصة، في حين أن غير ذلك يعتبر من محض الخيال أو يتجنبها حتى و إن أدرك في قراره نفسه أنها حقيقة محضة، والحقيقة وإن كانت في بعض الميادين لا يمكن إنكارها ولا طمسها، خاصة في الميادين العلمية و التجريبية، فإنها في السياسة والإعلام أوجه عديدة تتعدد بضروب المصالح الفردية أو الجماعية في بعض الأحيان، وتتغير بتغير المصلحة، أو بتغير موازين القوة في أحيان أخرى، والكل له ألاف المبررات وألاف المسالك ، وملايين الحجج.

ونحن، وإن كنا مشتتين عبر وسائل الإعلام فربما تتغير رؤيتنا إلى حقائق قد آمنا بها بمجرد التفاتنا إلى نفس هذه الوقائع بعيون أخرى، تِلْكم الحقائق التي حركت عجلتها السياسة بمنظور إعلامي يمكن القول بأنه مندس فينا عبر قنوات تلفزيونية ووسائل إعلامية أخرى تحركها السياسة الدولية في شتى المجالات قد تفرض علينا رؤية معاكسة للحقيقة لنفس الموضوع و تبعدنا عن الحقيقة الفعلية ولا شك أن الدعاية (propagande) التي تنتهجها بعض السياسات الخارجية أو بعض مراكز الإعلام التي تحركها اللوبيات،كاللوبي اليهودي في أمريكا ما يجعل من حماس (حركة مناهضة للاستعمار الإسرائيلي) حركة إرهابية في المجتمع الأمريكي، وإسرائيل دولة مسالمة تهدد صواريخ حماس استقرارها، فحصارها وقصفها لغزة ما هو إلا نوع من الدفاع عن النفس.

وقد يحرك كل من السياسة و الإعلام على حد السواء قناعات فردية أو جماعية أو إيديولوجية معينة لرؤية مختلفة للحقيقة كالقومية أو الانتماء السياسي، وإن كانت هذه الرؤى تنم عن بعض الأخلاق في المحافظة على توجه معين ونوع من الوفاء لاتجاه عبر المضي على دربه،

قد تظهر إيجابياته تعاطفا وربما تعمى أو تتعامى عن حقائقه الضالة والمضللة، في حين أن بعض الساسة ورواد إعلام من قنوات تلفزيونية من يتغافل عن الحقائق أو يتجنبها حبا في المال أو الجاه، فترتكز رؤيته على الفائدة المادية للشخص نفسه، وهنا يُفتح مجال آخر للتضليل المقصود، لتنجرف وراؤه أقلام وكُتاب وأئمة و رجال دين، لتُظَّلِم على الحقائق سواء بالتنفير أو الترغيب، ولا شك أن التطبيل الذي نراه من بعض الكتاب والصحفيين لأنظمة أثبتت الأيام فسادها خير دليل على إرادتهم في قلب الحقائق.

وقد تعتمد رؤيتنا للحقيقة على الحدس وإن كان له طبعا جانب كبير في ميولاتنا لمواضيع كثيرة تصديقا لها، فقد يخطأ في أحيان كثيرة فنتصور الحقيقة في مجالات تحددها أو تتماشى معها الانطباعات والميولات العاطفية الصِرفة كالوطنية والدين، كتفكير فردي يمكن أن يجعل من شخص مخالف لنا في الرؤية غير وطني مثلا، ولا يتسم كلامه أو فلسفته بالحقيقة أو غير ذلك مما يجعله أدنى من أن يرى الحقيقة كما نراها، وهذه الرؤية للحقيقة هي في حد ذاتها تزمت وغلو بل تطرف في بعض الأحيان.

المكاسب السياسية التي حققتها الثورات المتتالية في المجتمعات العالمية والتفتح الإعلامي الذي جعل من العالم قرية صغيرة، لم يضيفا الكثير لجعل الحقيقة جلّية أمام العالم بل زادت الأمور غموضا و تشعبا وأردفت على الحقائق البسيطة تشعيبات كثيرة فأصبحت لصورة واحدة…ألف حقيقة أو ألف منظور.

لا تعليقات

اترك رد