العولمة المعرفية

 

إن الهدف الذي لابد من أن تتوحد من خلاله الطاقات المعرفية لخدمة الوجود هو في ايجاد الصيغة التنظيمية الشاملة والتي تعد الوسيلة الضامنة لاستمرار التقدم من خلال طرح العولمة المعرفية، كونها تعد بداية ناقوس النهاية للأزمات التي تطوق الشعوب وتنهكها اقتصادياً وتزجها في حروب عبثية مستمرة،وانهيارٌ لمنظومة العسف والجوع والعنف،نهاية الحواجز بين المعرفيين في بقاع الوجود،تتحقق في ظل هذه العولمة الحياة المشتركة التعاونية بين مختلف هيئات الدول والأقاليم للتخطيط لمستقبل زاهر للوجود الجميل، وزوال لنماذج الدولة القومية أو الدينية،بقيام دولة المعرفة وقضاء على الاحتكار ومفاهيمه التي تنحاز للأنانية والجهل والظلم..

إن ثقافة الاختلاف مجهود معرفي بامتياز، وإبراز جميل لفسيفساء الانتماءات الراقية والابداعات القيمة، وتدفق غزير للعطاءات والامكانات وصون للموروث الذي تتعدد من خلاله أنماط الحياة لدى الشعوب وإبراز لها من خلال الابداع ، وقضاء على الديكتاتورية ، وصون لحقوق الانسان ،فالتأمل من طباع المدرك للنفس ولعظمة الوجود وطاقات الجمال، فلا سبيل لوحدة وتماسك المجتمعات إلا في ظل المعرفة ، والوحدة نعني بها زوال أسباب الفوضى والانهيار القيمي وليس معناه الغاء أدوار الفئات والألوان والأطياف الاجتماعية التي تتعايش بخصائصها مع بعضها..

ان الحواجز تسهم في زيادة العبء الحياتي ، فالطوائف والمذاهب والاديان والقوميات، هي ألوان تنشد العدل والطمأنينة لمن يستكشف عن عمق أسباب نشوئها بين الناس، لذا يعمل المعرفيون على طرح المعرفة كنسيج يغطي هذه الألوان ليجعلها أكثر جمالاً وبريقاً وصفاء

فالحاكمية الطائفية تزرع مزيداً من البغي والاذلال لباقي الشرائح المجتمعية، والحاكمية المذهبية تؤدي إلى الجهالة والفتنة، والحاكمية القومية تورث الاستبداد والفساد، والحاكمية الدينية تؤدي إلى التطرف والعنف، والسبيل لتحررالارادات هو في المعرفة، حيث يتسابق المعرفيون نحو بلوغ الحب الذي يمثل المعرفة والوجود وعشقه..

فالمعرفيون يتفقون على تمثل الوجود وسبر المعرفة وإطلاق المحبة بين الناس، كونها سبيل لعودة الانسان العاقل إلى الحضارة والتميز والانتماء، ولأنها كلٌّ منسجم وواحد، حيث أن الخير ينتمي للوجود والجمال معرفة وحب..

إذاً فالحب والوجود والمعرفة قيم أولى ، فالحب معبود القيم ويعود إلى الوجود الذي تنبثق من ضمنها المعرفة التي ينشد المعرفيون في طلبها.

المعرفة مزيج من اقتران الحب بالوجود عن طريق الانسان المدرك ومتى ما أعمل أدواته في فهم هذه الفلسفة يسمى بالانسان المعرفي وينتمي لمنظومة المعرفة لأنه يبني طاقة لا تبور في البناء والنظام..

لقد افتقد الانسان الراهن ثقته بالحب فبدأ يقولبه ويسطحه، بيد أن المعرفة المبنية على حب الوجود تمكننا من أن ننهج الأفكار الجديدة لحياتنا ، لأن الأساس الذي نبني عليه أفكارنا أساس حقيقي..

إن العقيدة التي لا تخضع للجمود والاندثار والتي تظل جلية مدى اتساع الكون والحياة هي في المعرفة التي تفتح آفاق الانسان وتجعل روحه أقرب إلى الطبيعة التي ولع بها المعرفي زرادشت، والذي تمثله نيتشه في رائعته الفكرية(هكذا تكلم زرداشت)، والحب هو الله الخالد خلود اتحاد المادة بالروح، وهو الكائن في المعرفة والجلي بوحدة الوجود

فالمعرفة هي القيمة العليا التي تتوحد من خلالها نداءات الإنسانية جمعاء،والعقيدة الشاملة في المعرفة لأنها متغيرة ومتبدلة ، أما العقائد الثابتة فهي أسيرة عصرها وجماعتها وفئتها المتقوقعة على مصالحها، وهي عقيدة معرضة للانحراف والتشويه..

إن الثوابت قائمة على المعرفة التي لا تحد من طاقة التغيير وليس المقصود بالثوابت المواقف الآنية، إن الثابت في الحب هو العطاء، لأنها سمة الوجود تجاهنا ونحن نتعلم العطاء بالمعرفة والحب، فالثوابت النفعية ثوابت زائفة تخفي وراء الكواليس أو في العلن نقائضها، لذا فالمعرفة سبيل حرية الإنسان وخلاصه من العبودية والجهالة والازدواجية ..

الحب هو المعرفة التي لا تنضب، فالطريق إلى الحياة الجديدة وفق ما يراه المعرفيون هو سبر للإنسان وتغذيته بأسباب محبته للوجود ، حتى أن الانسان المعرفي إن كان مادياً أم معرفياً روحانياً فكلاهما يؤمن بطبيعية وتآلف بالحب والله فهما الخلاصة لإدراك الكون، فالمعرفة تكافح في ذوات المعرفيين التعصب والتقوقع والتحجر، وترقى بالإنسان عن الضعف فهي ثورة ضد القوالب وابتكار للأدوات التي تخلق التطوير المتقن، فقد أنتجت للبشرية مذاهب عيشهم وسلوكهم لكنها بالمقابل جعلت التدبر والاجتهاد أساساً لمواصلة الحياة لاكتشاف اليشرية سبل رفاهيتها واستقرارها، وهي الدين الفلسفي الذي يفضي لحرية الإنسان وبيان حقيقة سعادته من خلال اتحاد العقل والقلب الذي يولد على الدوام الأفكار النقية..

والإيمان بالحب والوجود والمعرفة هو العقيدة الحقيقية للمعرفيين ، وكل معرفي يتخذ لنفسه منهجاً لتمجيد الحب ، فالمعرفة نتاج جهد الإنسانية العاقلة ، والأطر القومية ان كانت تنهج نهجاً تنويرياً إنما ركيزتها الأساسية قائمة على الإقصاء، لقد كانت القومية الجغرافية هشة لم تغرس في نفوس مقاوليها سوى ترديد الشعائر والقرفصة على الأحلام الواهنة والأمجاد الدونكيشوتية،فالروح المعرفية أضخم طاقة قادرة على بث الحياة مجدداً في روح الأمم المستسلمة لسبات النكوص والهرولة..

إن شوفينية القوميين وعنصريتهم جلبت الخسائر المتتابعة لأمم لن تنهض إلا بالمحبة والتعارف في هذا الوجود، فالمعرفة تعارف معرفي لا حكر على أمة دون أخرى فهي عمل دؤوب وثورة صميمية ضد الخطابات المتشدقة بالانتماءات المزيفة ونهوض الأمم بانتفاضتها من الوأد والموت والاستبداد فلا أشد تبعية من تبعيتنا لمستبد ولا أقسى مساومة من مساوماتنا على ذبح الشعوب التي أدركت لباب صحوتها بعد عهود غشاوة ونوم..

فبلاغة الفكر المعرفي تقتحم على الغافلين تخاذلهم وضعفهم وتلزمهم على التجرأ والإيمانبأن الحضارة تنهض من خلال الانتفاضة ضد الجهالة والجهلاء، فالمعرفة دعوة لتطهير النفوس من طغيان الإيديولوجية الحزبية ، فالوجود يحتاج لسبر وأمانة ولا يمكن للمعرفيين أن يرضخوا للقوة والاستبداد ، فالمعرفة هي اليقين الواضح كالوجود وأبناءه والشر كما يراه المعرفيون جهل في تقسيم الخير والمعرفي يجد في العولمة المعرفية الخطوة الأولى على طريق الإعمار والرقي..

لا تعليقات

اترك رد