هل من حل جدي بعد صراع دموي مكلف؟!

 
الصدى - الحرب السورية

 السوريون وقيم الاعتدال والمواطنة الصالحة

سنوات خمس مرت من زمن مضى، من عمر ضائع إلا من صراع أحمق وخبيث متفلّت من كل الضوابط والمعايير، صراع دامٍ يتنافس فيه تجار الحروب من قوى العالم (المتحضر!!) في ارتداء ثوب الحمل الوديع الحريص على الناس والسلام، والمدافع الشرس في وجه الإرهاب!!!!….

الكل امتشق سيف الحرب ضد الإرهاب، وكأن هذا الإرهاب وحش خرافي… غير معروف وغير محدد المعالم… بينما الحقيقة هي أنك تشعر بأنهم ومن خلال محاربتهم للإرهاب ينتجونه من جديد، لإعادة استثماره في قضايا المصير والخوف والتخويف والتلاعب بالمقدرات والشعوب، وإعادة تشكيل الجغرافيا والدول والحدود.. ويسعون لمزيد من ضخ الوقود تحت مراجل نيران فتن وصراعات كلفتنا كثيراً من الأرواح والدماء والدموع، صراعات متنقلة دمرت قدراتنا وثرواتنا، أرجعت مجتمعنا السوري بالذات عقوداً إلى ما قبل مشروع الدولة.. صراع دموي جعلنا نعيش في قلب المآسي والأحزان وليالي السواد الطويلة التي لا نهاية لها، فبات لكل بيت وكل أسرة ثأر مع الموت القادم من كل الأنحاء.. فهل هناك من حل؟ وهل: إلى سبيل من خروج؟!..

نعم، الحل موجود، سهل ولكنه ممتنع، لغياب الإرادات الطيبة والنوايا الإنسانية الحسنة.. الحلٌ موجود في روح ومشاعر ووعي وحضارة الشعب السوري نفسه.. فهذا الشعب الذي يحب الحياة رغم كل أشكال الموت، شعب حضاري منفتح، كان سباقاً في ريادة الأعمال الإنسانية والانفتاح الإنساني الأصيل والحضاري، هكذا ربته تجاربه وقيم الدين المنفتحة، وعلّمته الجغرافيا الاجتماعية التواصلية منذ فجر التاريخ، ومعايير الاجتماع البشري المتنوع في سوريا التعددية تاريخياً، ليكون العيش المشترك هو القاعدة وهو القاسم المشترك.. والدليل هو انتشار كل هذه الأديان والمذاهب والاتنيات والقوميات على الأرض السورية من أقصاها إلى أقصاها، وبجوار المسلمين وبعنايتهم ومشتركاتهم مع الآخر النظير والأخ، ومنذ أزمان بعيدة، وبقائها إلى اليوم حية شاهدة على قيمة التنوع ذاته كأساس وجوهر اجتماعي ديني.. أصلاً لم يكن يحلو للمسلم أن يعيش من دون “جيرة” المسيحي (والمختلف) والعكس صحيح..

وبناء علاقة أخوية حقيقة صادقة.. اسألوا مدينة قطنا بدمشق، وحي العوينة باللاذقية، وقرية الشامية، وأحياء في حمص وحلب ودمشق والقامشلي والرقة، والسويداء وحماة وحمص وغيرها، في كل موقع وعلى كامل امتداد الأرض والخارطة الجغرافية السورية.. كلها تردد أنغام التواصل والتفاعل الخصب البناء، وتعيش قيم العيش المشترك الخلاق منذ قرون طويلة، بلا تعقيدات أو مشكلات أو عصبيات… وبما يعني أنّ هذا الشعب الأصيل لو كان متطرفاً لما بقي حجر على حجر فكري أو إنساني أو مادي من كل تلك الشواهد المعنوية والمادية الباقية والشامخة على هذه الأرض الطيبة التي قدمت للإنسانية ما قدمته من عطاءات حضارية رائدة وحيوية في مختلف مجالات الإبداع الإنساني الرمزي والمادي… وبما يعني أيضاً أن الذي عاش مع بعضه بعضاً بتواد وتراحم ومحبة وخصال حميدة، وعلاقات اجتماعية راقية طيلة مئات السنين، لم يفكر فيها بعقلية الانتماء الديني والطائفي، ليس شعباً متعصباً، بل هو شعب ميال إلى الاعتدال في فهم الدين واستحضاره، والتعامل بقيمه الإنسانية، يحب الإسلام الحضاري الاجتماعي الوسطي الاعتدالي، وهو شعب منفتح على الآخر، متعامل ومتفاعل معه بقطع النظر عن خلفيته الدينية وانتمائه الاتني أو القومي.. هو أصلاً وبحكم شغله وعمله وتجارته كان ميالاً دوماً للتعارف والتعاون وبناء علاقات تكامل مع المختلف قبل المؤتلف.. منطلقاً من قيمة التعارف والتعاون والتمازج والتكامل الوارد في القرآن الكريم: “..إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..“.

من هنا لا أمن ولا سلام ولا تعايش إلا بوجود تربة “سياسية-اجتماعية” صالحة لبذر قيم الخير والمحبة والوئام والتسامح، ولا حقوق مصانة للجميع إلا بوجود صيغة سياسية تعددية توافقية تكفل لكل هذا التنوع الغني تحقيق طموحاته الفكرية والثقافية والسياسية السلمية مع المساواة الحقيقية في الحقوق والواجبات أمام الدستور والقانون الناظم لحركة الدولة والمجتمع.

لا تعليقات

اترك رد