فوناتنا .. الافكار بوصفها علاقات مكانية


 

ولد الفنان لوسيو فونتانا في الأرجنتين لأب ايطالي وام ارجنتينية، وقضى فترات طويلة من حياته في كلا البلدين، وتلقى تعليمه في إيطاليا عام 1905، كما قاتل في الحرب العالمية الأولى قبل أن يعود إلى الأرجنتين عام 1922. وهناك قام باعمال مختلفة، بما في ذلك العمل في مزرعة، ولكن، في عام 1927، انتقل إلى ميلان ودرس الفنون الجميلة في أكادميا دي بريرا من 1928 إلى 1930، وأقام أول عرض له في غاليريا ديل ميليون في عام 1930، وهي المرة الأولى التي يتم فيها عرض النحت التجريدي في إيطاليا ،ثم في عام 1947 انتقل مرة أخرى إلى ميلان، وفيها أطلق رسميا الحركة المكانية،وتنتشر أعمال فونتانا الأكثر شهرة من 1950 و 1960.

في عام 1949 بدأ في ثقب وعمل حزوز في لوحاته من فهم فني وليس تدميري، ولأجل تحرير نفسه من الحدود التقليدية لشكلالفضاء،ولاستكشافه من خلال وخارج المساحة والسماح لنفسه بالتجوال الحر”الحرية في نتاج الفن بأي وسيلة وبأي شكل من الأشكال “.

تم إطلاق حركة (موفيمينتو سبازيال – حركة سباسياليست، أو سباسياليسم) عام 1947 بعد عودة لوسيو فونتانا إلى إيطاليا من الأرجنتين مع أول (بيان مكاني) وضع فيه فونتانا أفكار (مانيفيستو بلانكو- البيان الابيض) الذي صدر عن أكاديمية ألتاميرا في بوينس آيرس ،و هناك دعا إلى فن يحتضن العلم والتكنولوجيا والافادة من أشياء مثل ضوء النيون والإذاعة والتلفزيون، وفي عام 1949 قدم فونتانا في (غاليريا ديل نافيجليو – ميلانو) عملا يتألف من شكل مجرد رسم مع بطلاء (فوسفوري) وضوء( النيون)، وكان مثالا رائدا لما أصبح لاحقا باسم فن التركيب، ثم انتقل بعد ذلك للعمل على القماش ،والذي وصفه بـ (المفهوم المكاني) ،ثم تطور الى استعمال الثقوب، والاختزال الشكلي، واحداث البعد الفعلي للفضاء.

قدم فونتانا مهومه حول ماسماه بـ “المكانية” (كونسيتو سبازيال)، والذي عده محاولة للتغلب على التمثيل الايهامي للفضاء في الرسم من خلال إدخال الفضاء المادي، وفيما يتعلق بالألوان والتكوين والأبعاد النسبية، فإن “السيبرانية المكانية” استندت بشكل وثيق إلى أصول فونتانا الأولى لجعل العلاقة بين السلسلتين أكثر إدراكا، ويمثل فونتانا، الوزن الثقيل في الفن الإيطالي وهو من يقول: “اكتشافي كان الثقب وهذا كل شيء، أنا سعيد للذهاب إلى القبر بعد هذا الاكتشاف “،فراديكالية الأربعينيات، كونت فكرته الذكورية المفرطة للاختراق نحو الـ “سبازياليسمو” أو الحركة المكانية التي بدأها فونتانا ومعاصريه عام 1947،مستندا في بحثه الى أحدث المفاهيم العلمية التي فسرت الفضاء والفراغ واللانهاية، وفي حين ناقش العالم معنى الفن، علق فونتانا بين الواقعية والتجريد، ، وكشف في هذه الفهم مدى هشاشة الفن، ولكن في الوقت نفسه كرسه بِعَدِهِ واحدا من عناصر الفضاء الذي لا يمكن أن يكون مستترا،وفي معرض غوغنهايم للفنون ابرز فونتانا إجاباته على معنى الفن، مؤكدا أهمية اللون وشكل الخامة، وبعبارة أخرى، على أدوات فنية للفنان” “لا يمكن أن تكون هناك لوحة مكانية أو منحوتة، بل هناك فقط مفهوم الفن المكاني “، وجميع جوانب الفضاء تمثل الطريقة الوحيدة التي تتطور من خلالها الهندسة المعمارية المكانية، وأشاد فونتانا بتعديل المسارات الأسلوبية الجديدة في نظرية الفن الإيطالي، وتحديدا النحت. في سلسلة من البيانات بما في ذلك “البيان الأبيض”، الذي يمتد من عام 1940 و50، مؤكدا فيها على أن المسألة ينبغي أن تتسلل من قبل طاقة كبيرة لتحقيق الأبعاد، وأشكال التعبير الديناميكية، وتم ترميز ذلك من خلال السطوح المثقبة والشقوق والخربشات الحادة، لوحات بيض على شكل بيضة ساخرة تسخر من التقاليد الجامدة التي تشجعها التوجهات الكلاسيكية .


بدأت اسطورة فونتانا “كونسيتو سبازيال” (المفاهيم المكانية) عام 1949 مع “البوتشي”، أو سلسلة الثقوب التي تتألف من مجموعة من اللوحات التي تتمزق مع علامات (ستيغماتا ) وتأكيدها من خلال عدسة مكانية، وتحولت هذه الثقوب من شكلها ثنائي الأبعاد الى فضاء ثلاثي الأبعاد، وسعى فونتانا إلى تفكيكها، تمتد وتتجاوز النسب المادية والميتافيزيقية للمساحة ، هذا العمل الذي لا يرحم أطلق سراح العديد من المنحوتات الى تاريخ يهتم بالوزن،اذ أخذت المكانية أيضا جدلية اعتماد المستقبليين الإيطاليين على التكنولوجيا، كما كان فونتانا على وعي بالتطورات التي تغيرت بسرعة نحو العالم الذي من حوله، بما في ذلك: الاتصالات الإلكترونية، وتكنولوجيا الصواريخ والطاقة النووية. ومنذ ذلك الحين تطورت هذه التأثيرات وشرعت بوصولنا إلى المعرفة والفن البيئي، فن الأداء وحركات أرت بوفيرا،

وأصبح لوسيو فونتانا أكثر من رسام مكثف، كما نمى تقاربه للوحدة الكونية من الفضاء،فضلا عن طريقة فونتانا الجذرية التي مكنته من ان يحفر معنى (الفراغ) بوضعه غير المشغول عندما قام باختزال المادة فعليا، واكتشاف المساحة الميتافيزيقية و الفعلية جديدة التي تقع تحتها،وفي كلمات الفنان نفسه، “أنا اجعل الثقوب، والنهائية تمر بها، يمر الضوء من خلالها، ليست هناك حاجة للطلاء..

لقد سعى إلى تحديد نوع من الفن من شأنه أن يكون مناسبا لتطلعات العصر الحديث،اذ اوصى في بيانه التأسيسي بمجموعة من الابتكارات الفنية والعلمية التي ادت إلى فقدان مصداقية الفضاء الايهامي التقليدي في اللوحة، وكانت أضواء النيون والتلفزيون بعض المواد التي اقترح استعمالها لتحقيق إسقاط الضوء واللون في الفضاء “الحقيقي” ، بعض أعمال فونتانا الأكثر شهرة هي لوحاته المائلة، اذ قام عمدا بتشكيل منظومة بصرية تعتمد الشقوق والثقوب، وكان قادرا على تشويه (سمعة) اللوحة التقليدية عن طريق تشويه ذلك، مما يعطي للمشاهد مجالا للانخراط في فضاء اللوحة بطريقة غير مألوفة، عن طريق التواصل مع الجمهور على وفق طرائق جديدة، وكسر بعض الاساليب النمطية، كما احدث فونتانا حركة يمكن أن ينظر إليها على أنها مقدمة للفن البيئي، كان عمل فونتانا الإعلامي والمسرحي يعتمد وضع معايير جديدة مختلفة لمفهوم الفضاء الذي غالبا مايستعمله المهندسون المعماريون والنحاتون،من خلال استعمال وسائل مجردة تغادر اللوحة إلى عالم الحياة الحقيقية.

وعبر فونتانا عن فهمه للمكانية بقوله “المكانية هي الرأي القائل بأن الأفكار موجودة كعلاقات مكانية قبل أن تترجم إلى رموز وكلمات، نحن ولدنا في الفضاء البيئي، ونحن نشعر بالقرب ، او البعد عن الأشياء التي حولنا. إن الصفات المجدية المتأصلة في المشهد هي مفهومة عالميا لأنها تعتمد على التجربة الجماعية للمعيشة والانتقال في الفضاء، كل يوم من حياتنا نحن نطور مفهومنا عن محيطنا المادي الذي نستعمله لوصف مشاعرنا وتجربتنا الحياتية ، ونحن نفهم مشاعرالانكفاء الجسدي مثل الخمول والكسل والعوارض الناتجة عن المرض والحزن، فضلا عن المفاهيم العامة حتى قبل أن تتشكل الأسرة والهياكل الاجتماعية بأنظمتها الخاصة …

وسعينا نحو تحقيق التوازن” …لقد قال ألفريد أدلر نحن نتحرك دائما من وضع منقوص إلى وضع زائد، دافعا أوجه القصور الى الإنجازات،كما نسعى جاهدين للبقاء ،اذ ترتبط مجالات التحفيز مع عدم الرضا، وتوجيه اهداف العمل لإعادة الرضى،ومنذ بداية الحياة، أدت تحديات التوازن والتغير البيئي المحيط إلى ايجاد هيكل متساوي الشكل في الدماغ يرى الأنماط المكانية تتكشف وتتوقع متطلبات الحركة، بغض النظر عن الثقافة، هذه المجموعة من المفاهيم هي مفاهيم عالمية، لأن نفس النوع يستعمل نفس الاستراتيجيات للتنقل في العالم، هذا هو السبب في فهم الفن البصري بسهولة عبر الثقافات، الفن البصري ينشىء علاقات في الفضاء الذي يتم فهمه دون كلام، الفن هو التعبير المتطور لهذه العلاقات البصرية والتحدث إلى الفهم الأساس للمعنى،هذه النوعية المكانية تفوق التفكير، إذا كنت تريد أن تتذكر شيئا عُد ْ إلى المكان في عقلك ،اذ تتوافر لدينا غرف واسعة من المعلومات المتاحة من خلال التنظيم المكاني ، لم يتم إيلاء الكثير من الاهتمام لها لأن الانتقال في الفضاء يحدث فقط في اللاوعي، …وكي نتمكن من استخدام القشرة لمعرفة المزيد عن أنماط مفيدة في العالم، أنماط لأستكمال ما كيف نتوقعه،وما قد يكون مطلوبا، وفهم ملامح هياكل العالم المكاني لكل ما نفكر به.

ان الفلسفات القائمة على القوانين والمطابقات لا يمكن أن تتكيف مع عالم متغير، ولا تحتاج الغريزة البصرية إلى رؤية حالة قبل أن تعرف كيف تتكيف مع البنية التي تعرضها وتجد التوازن،اذ لا شيء يبقى ثابتا في عالم يتطور وينمو ،اذ ان أفضل استراتيجية هي تطوير تصور ذكي للصفات المكانية،وتعزيز قدرتنا على التنبؤ عن أنماط تتكشف وتتعرف على الآثار المترتبة على الحالات التي قد لا تكون قد رأيتها من قبل ،تعتمد فهم العلاقات المكانية لا هوية الأشياء،وتعلم الذكاء البصري بسيط وممتع كما يبحث في الفن، البحث عن ذلك، مشيرا إلى تفضيلات، يليها إلى غيرها من الفن غير معروفة سابقا تبني اتصالا شخصيا لهياكل أعمق، تفضيلات تظهر شيئاحقيقيا عن الشعور بالحياة بالنسبة لك، الوعي البصري يجد الحقيقة في العموم. ويظهر هذا أفضل.
كان لوسيو فونتانا (1899-1968) واحدا من أكثر الفنانين تأثيرا في القرن العشرين،وتعد تجاربه الدائمة مع الفضاء معالم في تاريخ الفن التجريدي، وقاد العديد من الفنانين، بما في ذلك إيف كلاين وبييرو مانزوني، كما يعده البعض والد الفن المعاصر ويمكن أن ينظر إلى عمله على أنه سبق الكثير من معطيات الفن المفاهيمي الذي يقدم اليوم.

لا تعليقات

اترك رد