مرة أخرى : كلمــة حول الإرهاب ودوافعه وأسبابه

 

مجتمعاتنا العربية كانت –وما زالت- بؤراً للتوتر، وحقل ألغام مليء بالمتفجرات من مختلف الأشكال والأنواع، وتربة خصبة لنمو أفكار التطرف والإرهاب، وناراً مشتعلة على الدوام للصراعات والحروب الأهلية فيها، كانت قائمة وكامنة فيها تحت رمادالتسلط السياسي والعقم التنموي والتردي الحضاري والفشل الاقتصادي الذريع والعجز المطبق عن بناء نموذج حقيقي واعد للدولة الوطنية الحديثة..
فقد تفاعلت وتعالقت وتداخلت في مجتمعاتنا عناصر الفشل المعاصر مع تراكمات التاريخ، وتعقيداته وبراكينه، جعلتها (مجتمعاتنا) أكثر استعداداً لتقبل أفكار التمرد والخلاص الجهادي العنيف.. فارتمى قسم من أبنائها في أحضان تنظيمات العنف والانفجارات الجهادية، والقسم الآخر هاجر واغترب، ومن بقي يسعى لتحصيل لقمة عيشه بالحدود الدنيا.

من هنا، لا تبحثوا عن أسباب التعصب والتطرف وعن دوافع العنف والإرهاب في بطون الكتب التاريخية فقط، مع ما لها من قدرة دافعة وتأثير كبير على تفخيخ العقول الجاهزة، بل ابحثوا بالدرجة الأولى في:

1-تجاربنا السياسية والاجتماعية والثقافية المعاصرةالتي لا نموذجاً عقلانياً ماثلاً أمامنا عن نجاحها الفردي والمجتمعي.
2- في مآلاتنا المعاصرة، في سياسات الإقصاء، وفي ثقافة الأنانية وحب الذات، وفي ثقافة العنف والقهر والإكراه الابتدائي والأولي.
3-في أسباب استقالة الناس من دورها الحيوي المطلوب للفعل والحضور، في إعادة الاعتبار لقيم التضامن الإنساني.
4-ابحثوا عنها في تردّي أخلاق الناس، وفي هدر الحياة الإنسانية والكرامة البشرية.

من هنا وفي مواجهة ما تقدم من أسباب واقع الإقصاء والعنف، لا بديل عن تحديد العلة، للبدء بمسيرة العلاج، حيث أنه في ظل ضغوطات الواقع القسرية اليومية، وفشل البناء الدولتي العربي الحديث، كان أمراً بدبهياً وعفوياً وتلقائياً لجوء الفرد العربي الى تشكيلاته الاجتماعية وبناه السياسية الأهلية التقليدية ما قبل وطنية (قبائل، عشائر.. الخ) هروباً من الظلال الوارفة لـــ”دولة التحديث العربي”، وطلباً للأمان والرعاية والحماية من تغولها وتسلطها وهي التي قامت بعد الإستقلال، وما تزال مستمرة بشكل وبآخر، مع أن هذا الرجوع واللجوء والنكوص نحو اللاوعي الجمعي ما قبل حداثي، هو بدوره يفرغ الدولة من منطقها التعاقدي العقلاني واحتكارها لوسائل العنف والإكراه. ويدفع المجتمع نحو حضن التقسيم والتفكك والتخلف في كافة الميادبن.. طبعاً الفرد الذي لم ير أية نتائج إيجابية ملموسة من الدولة التحديثية و”الوطنية” العربية طيلة 70 سنة، وجد هناك في تشكيلاته البنيوية العتيقة متكأ وأماناً وحقوقاً وامتيازات موروثة يمكن ن يؤمنها له ولاؤه للجماعة القبلية والعشائرية وووالخ.

..ولنا أن نتخيل مجرد تخيل بسيط بيننا وبين أنفسنا، كم دفعت هذه البلدان العروبية (الحديثة شكلاً والفارغة مضموناً)، (أو جرى تدفيعها) من أموال وتكاليف كبيرة وفواتير باهظة وأثمان تنوء تحتها الجبال، مادية ومعنوية، من طاقاتها وناسها وأمن مجتمعاتها ومستقبل أجيالها ومقدراتها التي هي أمانة في أعناق حكوماتها وولاة أمرها، نتيجة ما حدث في تاريخها من أخطاء وكوارث سياسية واقتصادية واجتماعية تفجّرت أساساً -ليس فقط كنتيجة لمؤامرات الآخرين وحروبهم على أراضي العرب واغتصابهم لحقوقنا المقدسة والمشروعة ووالخ- بل انفجرت أيضاً وبشكل رئيسي، (كما يجب الإقرار والاعتراف به) كنتيجة ومآل نهائي لوجود بيئة مريضة داخلية في بلاننا العربية، من التسلط وتفشي الإمعية والكبت والحرمان وانحطاط قيم العمل والأداء والتخطيط، وسوء التقدير، وتردي القيم النفسية والروحية، وعدم احترام وتقدير حقوق الناس حق تقديرها.. وغلبة الفردي الشخصي على العام المجتمعي.. وووالخ.
وهذا كله ينعكس على علاقة الناس ببعضها وبحكوماتها، باقتصادها وسياستها.. نعم علة العلل، وجذر العطالة وأصل الفشل، كان وما زال في العلاقة المتشنجة والمتوترة بين الدين والسياسة، بين السلطة الدينية والسلطة السياسية.. هذا ما يتجلى بأبشع صوره في عصرنا الراهن، حيث استغلال الدين في محافل السياسة ولعبها وأحابيلها، ومؤامراتها ودسائسها.. وحيث توظيف الطائفية والدين لخدمة مآرب وأجندات إقليمية ودولية..
إن السلطة في الإسلام ليست معياراً مقدساً، هي خيار بشري من جملة خيارات، وللناس الدور الرئيسي في تحديد معالمها وخصائصها وآليات حضورها، وليس للمقدس الديني أي شأن بها إلا بالإطار العام المؤدي إلى تحقق العدل، بقطع النظر عن شكل وآلية وتنفيذية تطبيقه وتجسيد بين الناس.

أما رجالات الدين –الممثلين كما يظنون للمقدس- فليس لهم (كما يعتقدون) من شغل وعمل سوى الدفاع عن الله، وكأن الله في حاجة لهم، أو أن قدرته اللامحدودة السرمدية، بحاجة لعونهم ومساندتهم له.. فتراهم بناء على ذلك، يكفرون هذا، ويجرمون ذاك، ويحرمون تلك.. هذه العقلية الوصائية الإلغائية التي تهيمن على المعنى والنص والتفسير، وتحتكر الحقيقة لوحدها، وتدعي الإلمام بكل العلوم، هي من قادت وساقت ودفعت بكثير من أجيالنا الشابة إما الى رفض الدين أو الى الوقوع في شباك التطرف والغلو.. يعني الوقوع في واديين متناقضين لا قرار لهما. مع أن الدين كمجال حيوي واسع للمعنى، أكبر وأعظم من حصره بتفسيرات غيبية لرجالات تقضي معظم وقتها في دنيويات مصلحية وشؤون تدبيرية أرضية، هي من حقهم بطبيعة الحال، كأناس بشر وليس كأنصاف آلهة على الأرض..

والأمل يبقى بالوعي وتحمّل المسؤولية، وما بقي من أخلاق عملية أصيلة تعمل وتنتج بلا مقابل سوى الإسهام في بناء الإنسانية القادرة والعادلة والواعية.. وهذا طريقنا نحن جمهور المثقفين في ألا نراهن على جسد مبتلى بأمراض عضالية، بل أن نبقى ننظرنظرة جذرية، مع آمال واسعة تصل عنان السماء.

المقال السابقالاعلام بين المهنية والتسيس ؟!!
المقال التالىالتدهور الاخلاقى .. مسئولية من؟
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد