بوح بيرويا – مع ماريا كبَّابة


 

– المعرفية السورية ماريا كبّابة، يسعدنا في هذا الحوار أن نقلب معك مجموعتك الأخيرة وجدانيات بيرويا، ونقف عند العنوان ما سبب تسميتك له، وما مفهوم الواقعة في سياق هذه المجموعة؟

* بداية لابد لي من أن أقدم خالص شكري لتجمع المعرفيين الأحرار، الذي يضم نخبة من الأدباء الكبار من مختلف أنحاء العالم ، وخالص شكري لك أيها الصديق المعرفي ريبر
كما سبق وأن ذكرت في قصتي ” بيرويا” وهي من ضمن مجموعتي السابقة بأن كلمة بيرويا هي التسمية القديمة لمدينة حلب حيث تعود هذه الكلمة إلى سلوقس نيكاتور وبيرويا مسقط رأس الإمبراطور فيليب وتعود هذه الكلمة إلى عام 330ق.م ( والمصدر طبعاُ من مخطوطة _ دفتر النسوان _ للأديب الحلبي والعالمي سمير طحان وشكري الجزيل له ) ، سبب التسمية أنني أردتُ أن أقول للسوريين عامة والحلبي خاصة بأنّ عهود كثيرة مرتْ ولحق بها الكثير من الدمار ولكن عدّنا من جديد ،وبإضافة كلمة وجدانيات أزلتُ أي لبس يمكن أن يأخذ منحى آخر غير الذي أردته من مجموعتي والتي ذكرت أنها من نوع (وقائع) أي أغلب القصص أو حتى الأشعار مستمدة من الواقع الحلبي بشكل خاص، بسلبياته وإيجاباته حيث كنتُ أستمع لقصص الأصدقاء وأحولها بقالبي الخاص ، فقد رأيت أن الواقعية إذا لم تكن معجونة من هموم الناس فهي مجرد قصص أو خيال ، وبطبعي أحب غالباً الواقعية في حياتي العملية

– نلمح في هذه الكتابة التي بين أيدينا، لغة سلسة بسيطة، تحاول محاكاة مختلف الناس، بخاصة الحساسين منهم – ما تعليلك لذلك، وهل تجدين في اللغة السهلة، تأثيراً أكبر؟، أم أن المبدع يكون أسير حالته العفوية في انتقاءه لتراكيبه؟

* بالنسبة للغة الكتابة التي اعتمدها، يمكن القول بأنّها أقرب للبساطة ،فبعض القصص كانت تحتاج إلى فكر عميق ايضاً وتحمل الكثير من المعاني التي قد لا يدركها القارئ العادي، من خلال المطالعة الأولى ،أذكر على سبيل المثال / بيرويا – مفاتيح _ بيوت من رمال وغيرها)
ولكن من ناحية أخرى بالفعل، أحبذ اللغة السهلة الواضحة التي لا تحتاج لمعاجم لفهمها ،وطبعاً نحن أمام عدة خيارات: إما أن نتابع اللغة الجزلة والتي أحياناً قد ترهق المتابع ،بحجة أن علينا المحافظة على لغتنا وغيرها من العبارات الرنانة التي أحياناً قد تبعد الكثيرين عن القراءة ،خصوصاً مع وجود الفيس بوك وغيرها الوسائل الحديثة، والتي أصبحت المعلومة في متناول كل يد، وفي النهاية : أوجه خطابي لكافة شرائح الناس من مختلف الأعمار ، أرغب كثيراً في إيصال معلوماتي عبر لغة سهلة بسيطة متناغمة معهم والدليل أن الكثير ممن قرأ كتابي ،قال لي بأنه أعاد قراءته لعدة مرات ويخصص قصة معينة لأنها لامست حادثة مشابهة أو ذكرته بحدث مهم إذاً عبر لغتي البسيطة استطعت الوصول لقلوب الناس ،وهذا ما أردته وهنا أعتقد أن المبدع بانتقاءه لمفرداته وتراكيبه التي يرغب في إضافتها لمحصوله الأدبي، ينجح بالتأكيد في زرع بذور الحكمة والمعرفة ليقدمها بقالبه الأدبي الخاص للجمهور الذي ينتظر منه كل جديد

– لا ينفك العاشق الحقيقي عن وطنه، هذا ما نلمسه في هذه الوجدانيات، ترى هل ذلك يعود إلى جدلية الموجود – والوجود، أم أن المرء لصيق أكثر بتربته في زمن الحرب؟

*لن أبالغ إذا قلتُ بأنني في وجدانياتي ، أردتُ تأكيد مقولة معينة، ألا وهي أن العاشق الحقيقي يرتبط بأرضه تماماً ،كما يرتبط بمحبوبته، ولكن هذا لا يعني أنني في وجدانياتي أيضاً تعرضتُ للحالات السلبية ومنها تعرضتُ له بأسلوب ساخر على سبيل المثال ( هزيمو) بمعنى آخر لا يوجد ما يمنع الجدلية فالإنسان غالباً ما يرتبط برمز أو أمر أو شخص ما أو عمل وأنا خير مثال على هذه الجدلية، فحين غادرت حلب، كنتُ أغادرها جسداً لا روحاً ،على أمل إيجاد هدف معين ورغم البذخ والرفاهية التي كنتُ تلقيتها إلا أنني أدركتُ أنه ليس هدفي في هذه الحياة عيشة بذخ وقصر منيف، ولكن هناك هدف أسمى يجب علي متابعته وفي وطني بالذات، لذلك جمعتُ حقائبي وعدتُ رغم حالة الحرب والدمار في وطني ،ورغم الكثير من حالات الاستياء التي تعرضتُ لها من الأصدقاء والأقرباء، فقد أحسست أنني يجب أن أتشارك مع حلب جراحها ،كي أشعر بفرح النصر على حقيقته وأن للوطن والبيت والأصدقاء طعم آخر

– في كتابتك نزعة حالمة مثالية، تميل إلى الرومانسية، هل تجدينها أحد الخيارات الآمنة في عصر التشاحن والتنابذ – والتقاتل السلطوي؟ ، أم أن الأديب في نظرك يجب أن يبتعد ما أمكن عن الانحياز لأحد أطراف الصراع، كي يحافظ على قلمه حراً؟

* هناك الكثير من الشجون التي قد تبعد الأديب عن الحالة الحالمة أو المثالية ، وأنا من الشخصيات التي تعشق المثالية الحالمة ولكن دون جدوى ،وسط عصر تجاري بحت ،وكالكثير من الذين يسعون إلى تكوينها أو العيش فيها ضمن حياة أقرب إلى المثالية ولكن غالباً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
بالنتيجة هي ليست خيارات فهناك واقع معاش، لا يمكننا بحال من الأحوال أن نتهرب منه أو نغض الطرف عنه،ثم هناك الكثير من اللغط الذي نعايشه في حياتنا اليوم ،وأخص عصر التشاحن أو التقاتل السلطوي كما أسلفتَ، فالأمر أكبر بكثير من مجرد تشاحن أو تقاتل سلطوي إنه في نهاية الأمر يتمحور من خلال الوجود والكيان والهوية السورية التي يريدون إلغائها أو طمس معالمها، وما دُفع ويدفع اليوم الكثير من أجل تخريب الحضارة السورية ومحاولة طمس تراثنا وتاريخنا الحضاري ، لن أقول بأنهم نجحوا أو فشلوا لأن هذا الأمر يتطلب حواراً خاصاً به وليس هنا مجاله ولكن يمكنني التأكيد لك أن وجود الكثير من السوريين الذين أمنوا أن لا بديل عن الهوية السورية والأرض والعلم السوري مهما كلف الأمر لدليل على أن الإنسان السوري لا يمكن أن تهزمه، لأنه على يقين من حتمية النصر لصاحب الأرض ونحن نملك الأرض ونملك الحضارة وهذا لن يعيقنا عن الاستمرار في محاربة الجهل بالعلم والقلم لا بالسيف والقتل والدماء.
لا أعتقد أن أي أديب يمكنه أن يكون ضمن طرف محايد فقط ليكون بمأمن، فالأديب ابن عصره، وهو أداة نقل وتعبير ويبقى الأكثر رهافة في نقل صورة الواقع لأنه بالنتيجة يقوم بتسجيل وتأريخ الأحداث والتي ستبقى من أهم المراجع للأجيال القادمة فمهما حاولوا أن يقلبوا الحقائق لابد أن تظهر أقلام نظيفة ولا نريد من الأديب إلا أن يكون أداة سلم لا تجييش أو هدم

– الأدب مواكب لحقيقة الواقع الذي تعيشه المجتمعات، هل وجدت نفسك في هذا المسلك من الكتابة، حدثينا عن – تجربتك في ظل الحرب والنزوح،ومدى نجاحك في نقل المعاناة عبر الكتابة؟

* الأدب والواقع جزءان لا ينفصلان بحال من الأحوال، فالأديب إذا لم يكن العين الكاشفة والناقلة للواقع، فلن ينجح في إقناع الناس أنه لسان حالهم، وهذا الأمر ليس بالغريب عن مجتمعاتنا ،الطالما كان الأدب لسان حال المجتمع، وما كنتُ أكتبه قبل نشر كتابي وحتى بعده يؤكد أنني ابداً لم أنقل سوى واقع مجتمعي البسيط والجميل بتعقيداته الجدلية
تجربتي تعتبر من التجارب الغنية التي عشتها رغم مآسي الحرب التي عشناها ونعيشها، فقد اختبرتُ تجربة سفر إلى إحدى العواصم الأوربية ،عشت مع عائلة مترفة ،استمتعتُ كثيراً بوقتي ،زرتُ الكثير من الأمكنة وتحدثت عن بلدي وحضارته ولكن حين تأكدتُ أن مكاني الحقيقي بين أهلي وبلدي
الآن وطني جريح ولكن لا يعني هذا أن أتركه وارحل ،عشتُ فترة صراع لمدة من الوقت ولكن في النهاية أدركت أنني أهدر الكثير من الوقت ببقائي في مكان لا تربطني به شئ، رغم توفر كامل وسائل الراحة التي قدمتها لي العائلة اللطيفة، لذلك عدتُ!

– الإنسان والمكان، في منظار الذاكرة، كيف تتعاملين مع هذه الثنائية في حياتك كأديبة وإنسانة في ظل التطرف الذ – حصد الأرواح في سوريا، كيف تتحدد معالم الأمل في لغتك وتقابلاتها على مسرح الواقع؟

* سورية كدولة علمانية ،كانت ولا زالتْ تعمل من أجل إنسانية سعيدة مثقفة واعية، وما يحصل اليوم في وطني الغالي ما هو إلا محاولة من قبل بعض الدويلات التي عملت من أجل تخريب البنى التحتية لسورية، من خلال إغداق الأموال والعتاد وحتى شراء وسائل الإعلام فقد ظنتْ أن بالمال التي تملك يمكن شراء اي شئ !ولكن في سورية فشلوا، فكمية السلاح الذي دخل بلادنا لو كان وظف لبناء أو تعليم لكان يمكن أن يجعل بلادنا من ارقى وأعظم بلاد العالم!
أعتقد أنني استطعت من خلال قلمي أن أبث الدفئ والأمل في نفوس القراء، وهذا ماأجده من أصداء كتاباتي، ففصل الأمل عن التفاؤل أمر لا يمكن أن يغيب عن حياتي فهو جزء هام من سيرة حياتي الشخصية التي اعيشها ضمن حياتي على مسرح الواقع الحالي

– كيف يجب أن تتحدد علاقة الأديب بالمجتمع،من زاوية أخلاقية بعيدة عن السياسة والتحزب، هل تجدين ذلك الحيز – موجوداً في سوريا قبل الحرب الأهلية ، وبعدها؟

* أعتقد أن على الأديب عدم فصل نفسه عن مجتمعه وإلا لن يكون أديباً، فكما نعلم أن الأديب لا يكتب لنفسه بل للمجتمع الذي خرج منه وهو الوحيد الذي يمكنه أن يقنع الكثيرين من خلال أدب نظيف لا شوائب فيه، لن أكون مثالية ولكن أعتبر أن التحزب أحياناً ليس سلبياً، فلا يمكن أن يكون الأديب إلا منغمساً بأوجاع المواطن حتى لو لم يؤدي الدور بشكل جيد فبالنتيجة لايوجد أمر مطلق ..هذا الأمر في بعض الأحيان ضروري بمعنى أخر علينا أن نكون مدافعين عن قضية ما بعيداً أو قريباً عن السياسة والتحزب لا يهم المهم أن يقتنع الأديب في النهاية بكل كلمة يكتبها ولكن أيضاً هي كبلد علماني يجتهد من أجل الترفع عن التطرف الديني، ويمكن القول بأن سورية كانت ومازالت من الدول التي تعمل من أجل الإنسان رغم ظروف الحرب الأخيرة
وأنا أعترض على استعمال كلمة حرب أهلية فسورية لم تكن قط تعمل إلا من أجل المواطنة. والحرب التي دمرتنا لا يمكن أن أطلق عليها سوى حرب كونية مسيسة من قبل دول البترودولار والتي لا يمكن أن يغفل أحدنا عن دورها في عملية التخريب الممنهج الذي أتبعته هذه الدول

وأخيراً لا يسعني سوى شكرك، على قضاءك وقتاً شيقاً في حوارنا هذا، كلمة أخيرة تودين قولها؟-

كلمتي الأخيرة طبعاً أود أن أشكر تجمعنا والشكر الأكبر لك صديقي ريبر على الجهد الكبير من أجل إيصال المعلومة المفيدة. والأدب والفكر لكافة الشرائح .

المعرفية السورية ماريا كبّابة، مواليد حلب –
إجازة في اللغة العربية ، جامعة حلب –
عضوة في تجمع المعرفيين الأحرار –
الراعي الثقافية التابعة للسريان الكاثوليكرئيسة أخوية –
تكتب في عدة صحف محلية، والكترونية-
الوهم -التضحية:صدر لها –
عاشقان ولكن باسم الحب،وجدانيات بيرويا

لا تعليقات

اترك رد