حتمية التغيير ـ ج9

 

من البديهي أن نسعى للحصول على أكبر قدر من التصالح مع الذات، وهذا يعني ضرورة التخلص من التناقضات التي اعتدنا القبول بها، وقد سبق أن تطرقنا في قسم سابق إلى أن الإنسان العراقي يعلن رفضه للكذب وفق معاييره الدينية والاجتماعية لكنه يمارسه كسلوك يكاد أن يكون شائعاً لا يخضع لأي محاسبة ذاتية أو مجتمعية أو قانونية، وهو لا يختلف كثيرا عن التناقض بين ما نصرح به من أفكار وما نؤمن به في الواقع وقد نتردد من التصريح به،

فترى مثلا، رجلا يدافع بصلابة عن حقوق المرأة لكنه يمارس التعسف عليها في بيته، ليس غريبا أن نجد من يتحدث مع المسيحي بسلاسة حتى تكاد تظنه مسيحيا وبعد قليل يبدو الشخص نفسه شيعيا مع الشيعي وسنيا مع السني، سائق مع السائقين وحداد مع الحدادين وهكذا، مؤيد لسياسة الحكومة مع المؤيدين ورافض لها مع الرافضين، الغريب أن تجد من يعتبر سلوكه هذا ذكاء وشطارة، فمثله يعرف التعامل مع فئات مختلفة من الناس، هكذا يقولون لكن القراءة البسيطة لحالة كهذه تشير إلى أنها شخصية بلا ملامح ولا هوية، ولا أود أن أستخدم صفة شخصية منافقة، لأني سأفتح نافذة واسعة على سمة سلبية وأكثر شيوعا من الكذب تلك هي النفاق، ما يهمنا هنا أن نفكر في الآليات التي نتخلص فيها من التناقض،

فمن يصرح بأنه يرفض الكذب والنفاق عليه أن لا يكذب ولا ينافق، وعلى مؤسسات الدولة والمجتمع والدين أن تساعده في عدم الاضطرار إلى ذلك، هذه المؤسسات نفسها مطالبة بالتخلص من التناقض الذي تعيشه هي بذاتها، في دوائر الصحة مثلا، تشاع فكرة أن مهنة الطب انسانية، وهذا حقيقي في كل الدوائر الصحية في العالم، لكنها في العراق أكثر بعدا عن الإنسانية، بدءً من الرشوة والإبتزاز وصولا إلى المتاجرة بالأدوية والأزمات الصحية للمرضى وذويهم، وفي كل مرفق من مؤسسات الدولة نجد نماذج متشابهة في المعنى العام مختلفة نسبيا في التفاصيل، في أوربا مثلا، اكتشفنا أنهم تخلصوا إلى حد كبير من هذا التناقض، فدوائر الصحة هي انسانية إلى حد كبير، فكل ما يتعلق بالتكاليف الخاصة بالعلاج تتم عبر آليات رعاية صحية دقيقة،

جعلت المواطن مطمئنا في حصوله على العلاج حين يحتاج إليه دون أي ابتزاز، ولي تجربة شخصية فقد اكتشف الطبيب ضرورة أن تجرى لي جراحة في القلب، فلم يكن مني إلا التوجه للمستشفى وإجراء العملية التي عرفت فيما بعد بأنها كلفت أكثر من 70 الف يورو لم أدفع منها في الواقع سوى 3 يورو، ولم يحاصرني الممرضون مطالبين بإكراميات السلامة، فأي سلوك كهذا يعني رشوة وحسابها قاس في المجتمعات الغربية، وما زال ولدي يواصل علاجه منذ اكثر من ثلاثة سنوات تخللها دخوله المستشفى عدة مرات وتجاوزت فاتورة التكلفة أكثر من 200 ألف يورو ورغم ذلك لم نشعر بأي عبئ فهناك نظام إداري دقيق بين دوائر البلدية والصحة والضرائب والرعاية الإجتماعية يحل أية إشكاليات مالية أو قانونية،

وما يشعر به المريض فقط هو ضرورة أن يحصل على العلاج، وما يشعر به الطبيب هو أن يساعد المريض للتخلص من أزمته الصحية، ودائرة التناقضات واسعة في مجتمعنا وتشمل جميع المفاصل، بدء برئاسات الدولة القائمة أصلا على التناقض الديني والإثني والطائفي، والتعليم بمناهجه المليئة بالتناقضات، والسوق الذي يعيش فوضى حقيقية في الأسعار والنوعيات وصلاحية الكثير من البضائع، فوضى ناجمة عن غياب فكرة الضابط القانوني، والمحاسبة الآنية للتجاوزات اليومية التي تعاني منها أسواقنا، أما الدين فهو في الحقيقة حافل بالتناقضات ومسبب لها ومبتعد في واقعه اليوم عن حقيقة أنه جاء لكي يجعل حياة الناس أكثر يسرا، وبينما انشغل رجال الدين بإذكاء نار التخندق الطائفي كان الأجدر بهم أن يساهموا في حل التناقضات التي يعيشها الدين في جوهره، سواء في القرآن أو الأحاديث أو الخطاب الديني، لن أتطرق للتناقضات الكثيرة بين النص الديني والعلم فقد أشبع هذا الموضوع بحثا، لكني أود أن أتطرق لبعض النصوص القرآنية التي تحمل في داخلها تناقضا لم يحاول رجال الدين أن يخلصوا المتدين العادي من فك اشتباكه، فهو حين يقرأ مثلا قوله تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله،

وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ـ النساء)، فالتفسير هنا واضح ودلالته بينة، لكننا نقرأ في الصفحة نفسها من سورة النساء آية أخرى تحمل معنى مناقضا: ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) في معنى النص الأول كان كل شئ من عند الله، لكنه تغير في معنى النص الثاني بشكل مناقض، قال تعالى في سورة آل عمران: (هنالك دعا زكريا ربه، قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) وهذا يناقض ما جاء في الصفحة نفسها من سورة آل عمران قوله تعالى: ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) ، يحيلنا النص إلى موقف زكريا الذي أبدى استغرابه، فأنى يكون له غلام وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر، فإذا كان زكريا يدعو الله بصفته سميع الدعاء، فكيف يبدو عليه الاستغراب من التبشير بالغلام؟… في سورة البقرة قال تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات) فالنص يؤكد أنه خلق الأرض أولا، لكنه في سورة النازعات يقدم نصا مختلفا في قوله تعالى: (أ أنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها ….)، التناقض هنا واضح حين صرح النص الأول بأن الله خلق الأرض ثم استوى إلى السماء لكنه في النص الثاني خلق السماء أولا ثم الأرض…

ولا أعني المعنى العلمي في هذه النصوص بل شكل النص ذاته بما يحمله من تناقض ظاهر ترك أثره على الصور التعبدية المختلفة التي حاولت تفسير هذه التناقضات بالتأويل أو المعاني الباطنية وهذا بالطبع أدخل الدين وبالتالي المتدينين إلى متاهات التناقضات المرتبطة بالمذاهب الفقهية.. وقبل كل شئ لا تكفي فكرة ان فرقة واحدة من 73 فرقة اسلامية تدخل الجنة وما عداها في السعير، ماذا عن سبعة مليارات إنسان على سطح الأرض؟، يعبد بعضهم الإله الذي عرفه وهو صادق في عبادته، يؤدي فروضه وبعضهم يلتزم بإخلاقيات أكثر رقيا من الممارسات التي اعتدناها لدى المسلمين، ماذا عن الغربيين الذين سبق أن قال عنهم الإمام محمد عبده: وجدت في الغرب الإسلام ولم أجد المسلمين، ووجدت في الشرق المسلمين ولم أجد الإسلام…. ألا يجب أولا أن نفكك التناقض الصارخ بين فكرة الله العادل الرحمن الرحيم، وحقيقة أن رجال الدين يريدون زج سبعة مليارات انسان على الأرض في أيامنا هذه وعشرات المليارات التي اندثرت وعشرات أخرى قادمة، جميهم في النار وفرقة واحدة من أصل 73 فرقة ربما لا يتجاوز عددها الآلاف هم من سيحصلون على الجنة؟…. وللحديث بقية..

لا تعليقات

اترك رد