داعش جزء لا يتجزأ من الحضارة


 

لعل عنوان المقال يدعو للاستغراب، فليس لتنظيم إجرامي مثل داعش اي صلة بالحضارة لا بل ان يكون جزء لا يتجزأ من الحضارة.

لكن اذا حلقنا عاليا في فضاء الفكر لنرى الاحداث و التاريخ من تحتنا لتجلت لنا مسيرة تطور الفكر و الحضارة في علمنا العربي.

العرب كانوا قبل الإسلام شعب منسي لا يذكر و معزول في شبه الجزيرة العربية و لكنه انتشر بانتشار الإسلام و اصبح يتوسع بتوسع الإسلام و لغت القرآن العربية، حتى صارت اللغة و الدين يعضدان بعضهم البعض، ولذا فإن للإسلام دور أساسي في تمدد اللغة العربية و تكاثر الاشخاص اللذين ينطقون بها للأسباب الدينية و هذه علاقة واضحة لكل من ينظر إلى تاريخ العرب و الإسلام.

لكن…

لا ننسى أن الأفراد العرب ليسوا كلهم مؤمنين و ملتزمين التزام مطلق بهذا الدين ولكن مجرد أنهم ولدوا في مجتمع فيه الغالبية مسلمة ورثوا اللغة المحمولة بالدين و في هذه البيعة ورثوا الدين أيضا. و ليس كل من يرث شيء يكون ملزم بذلك الإرث، فنحن نرى عبر التاريخ عدد لا يحصى من الوقائع و الأحداث المتضاربة و الغير منطقية بالنظر للوهلة الأولى، فكم من “داعش” وجدت و تلاشت عبر التاريخ العربي و الإسلامي و كم من فترات مرت و يكون فيها الدين فقط شعار باهت.

اليوم نرى داعش، البعبع الذي ارهب العالم المتحضر و دمر منطقة الشرق الأوسط كما لو كان زلزال هائل. داعش ليست فكرة جديدة و ربما لن تكون الأخيرة، فعبر التاريخ الإسلامي و العربي و حتى الغربي، تمر من حين لآخر فترات من الفراغ الفكري الذي يؤدي الى التدهور السياسي و الاقتصادي و الذي يدفع شعب معين في اتجاه الماضي في محاولة للشعوب اليائسة لإيجاد الخلاص في أفكار السلف الذي عاش في عصر النصر و القوة من دون وعي إلى سياق الزمان و المكان و استحالة نسخ أيديولوجية للتحقيق النجاح.

الفكر او الإيديولوجية هي كما البضاعة التي نبتضعها في السوق، موجودة على الرف تنتظر من يشتريها، و الشعب هنا هو المستهلك، ذلك الكائن الذي يبحث عن المنتج الذي يسد حاجته بأحسن الطرق و أقلها تكلفة و أكثرها جودة. و كما المستهلك في السوبر ماركت، يشتري بضاعة معينة على اساس المواصفات التي تسوق بها تلك البضاعة. و من ثم يستهلك البضاعة و يقيم النتيجة و على هذا الأساس يقتني ذلك المستهلك بضاعة معينة إلى أن يستبدلها ببضاعة أخرى تكون أكثر ملائمة لحاجته.

داعش هي احدى تلك البضائع في سلسلة البضائع الدينية التي اقتناها العالم العربي و الإسلامي في حقبة ما بعد تدهور المشروع القومي، ليس فقط في العالم العربي و انما ايضا في العالم الاسلامي و الامثلة كثيرة، الثورة الاسلامية في إيران، طالبان في افغانستان، الصحوة الدينية في السعودية، التيار الديني المعتدل في تركيا و اخيرا التيار المتطرف مثل داعش، فكل تلك التجارب هي اختيارات الشعوب للمنتج الديني عندما لم تعد القومية تجدي نفعا. و هكذا استبدل الفكر القومي بالفكر الدين الذي استطاع الاستمرار في بعض التجارب كما الحال في إيران و السعودية (عن طريق اقلمة الإيديولوجية في السياق السياسي و الاقتصادي)، و يتعثر و يفشل كما الحال في طالبان و اخيرا يفشل فشل ذريع كما الحال في داعش، فمجرد رفع شعار الدين لا يعطي النجاح بشكل مطلق. وذلك لأن استمرارية النجاح تحتم ان تؤتي الإيديولوجية ثمار واقعية في الاقتصاد بالدرجة الأولى و السياسة و باقي الأصعدة و تكون تلك الثمار مستدامة و ليست مبنية على النهب و السلب بإسم غنيمة حرب في جهاد مقدس.

و مثل ما نستبدل نوع الشامبو، فنحن نستبدل الفكر و الإيديولوجية و هذا ما يحدث دائما.

فبعد هذه المقدمة الطويلة نستطيع أن نفهم لماذا داعش وجتدت و ترعرعت و استفحلت و نفهم لماذا داعش هي خطوة لا بد من اتخاذها في طريق تطور الفكر. فالمستهلك العربي الإسلامي اقتنا المنتج الديني ذو الصفة المتطرفة في محاولة للخروج من الفراغ الفكري الذي خلفه المنتج القومي الذي اثبت فشله الذريع في تحقيق النجاح للشعوب العربية و الاسلامية. فلا عجب في أن داعش تجذب إليها أفواج و أفواج من الشباب التائه الذي يبحث عن النجاح الفوري و الهرب من الواقع المأساوي و اليأس. و ما احلى ذلك النجاح الذي يعد به داعش، فمن يكره ان يدخل جنة الخلد من دون تعب يذكر و يا حبذا ان كان هناك غزو و غنيمة و جواري و ملكات يمين و ايضا احترام للشخص بتعينه “امير الفرقة” او ما شابه، انه اشبه بفيلم تاريخي، لا بل أن السلف الماضي المجيد يعاد إلى الحياة. و لكن سرعان ما تنجلي الغبرة عن وهم الحقيقة و هو اننا لسنا في القرن السادس الميلادي، و ما تفعله داعش ليس إلا عته و اشبه بمسلسل هابط من الدرجة الثانية، و تتساقط داعش كما بيت مصنوع من اوراق القمار.

و ماذا بعد داعش؟ سؤال يطول الخوض فيه و تكثر التنبؤات به، لكن ما لا شك فيه هو أن العالم العربي و الإسلامي في طريقه الى فترة قصيرة من الفراغ الفكري الذي يتبع فشل المشروع الديني المتطرف، فراغ يسده أيديولوجية جديدة تلبي حاجة الشعوب إلى حياة كريمة.

مربط الفرس في هذا المقال هو أن حياة الشعوب تجري حسب أيديولوجية معينة، و هنا لا مكان للفراغ الفكري، فذلك الفراغ هو ما أوجد داعش فلا نظن أننا قد انتصرنا على “الشر” من خلال دحر داعش عسكريا، فالمشكلة ليست داعش، و ليست تلك العمليات الإرهابية الرعناء و التي تخلوا من اي ذرة من المنطقية، و لا حتى تلك الفيديوهات المقرفة لإعدام الهمجي، و لا حتى كمية الدمار الهائل الذي أصاب منطقة الشرق الاوسط و ايضا العدد الكبير من العمليات الارهابية التي ضربت بلدان العالم شرقا و غربا و انما المشكلة هي ذلك الفراغ الفكري الذي لم يسد بعد و هذا هو التحدي الاكبر لنا كشعوب و أفراد، الجاهل منا و المفكر

1 تعليقك

  1. عنوان غريب شدني للقراءه لاكتشفانه طرح المعضله بصدق وجراه بنهج الصدمه لاسترداد الوعي في زمن الغفله والانحطاط الحضاري

اترك رد