أيّ حاجة إلى طلب الآداب؟


 

نهايةَ كلّ سنة دراسيّة تعيش الأسرة التّربويّة والرّأي العامّ على وقع نتائج الامتحانات تُحصيها وتتفاعل معها ترحيبا وإنكارا ورضى وأسفا وتدور السّنة دورتها ونعود إلى طرَبنا ذاك أو شَجَانا. وقد حدّثت الامتحانات أخبارها كما تُحدّث كلّ عام، وحُدّدت نسبة النّجاح الوطنيّة ونسب النّجاح الجهويّة وأحصيت المعدّلات الجيّدة ورتّبت المؤسّسات التّربويّة بحسب عدد النّاجحين من أبنائها…

وما تلبث السّنة الدّراسيّة أن تُطوى لتستأنف أخرى فنستأنف لها طربنا أو شجانا. ولا نكاد نردّ الامتحان إلى محلّه من الدّرس الّذي يقدّم إلى التّلاميذكيف أقيمت سَداهُ؟، وإلى مبلغه من الغاية الّتي تتوخّى المدرسة إليها السّبيل وهي بناء الإنسان الحافظ لوطنه السّاعي في تقدّمه. وإنّنا لنعلي من شأن الامتحان نضع له القوانين والضّوابط وطرائق الإنجاز ومراحله ونغفل عن سؤال جوهريّ لم جُعل الامتحان؟ أوسيلة هو أم غاية؟ أغاية المتعلّم من المدرسة النّجاح في الامتحان أم النّجاح في الحياة؟

وليس أخطر على المدرسة وعلى المجتمع من اعتبار الامتحان غاية إذ يدعو ذلك إلى إلحاح الحاجة القريبة تحجب القصد البعيد، وإلى استبداد الأهواء فتُركب دنيّ الوسائل إليها لعلّ أوضحها الغشّ الّذي لا تحصى ألوانه، ولا تفتأ وسائله تتطوّر بتطوّر التّقانة يَحتال بها وتَترصّدُه، فهُما في نزاع ومغالبة، ويدعو السّاسة إلى تصريف نتائجه على نحو يُظهر بشائر عهدهم السّعيد فيُسعَفُ المترشّحون بمنحٍ تُسلمهم إلى النّجاح وليْسوا له أهلا، أحقّوها لهم فيسّروا بهذا الحقّ أباطيلَ، ويستمرئون ذلك إذ يغنيهم الجَدّ عن الجِدّ، والمنحة عن المحنة ويَمضُون وما أسرع ما تنقطع بهم السّبل ” وما ترجّى الثّمارُ إذا لم يورق العودُ” .

وقد رأى أهل النّظر أنّ إبطال هذه المنحة (1) في امتحان البكالوريا بتونس أولى الخطوات في إصلاح التّعليم. فإذا تمّ هذا هذه السّنةَ الدّراسيّةَ (2016-2017) تراجعت نِسَب النّجاح تراجعا إلى حدود الثّلاثين في المائة وطنيّا. وكانت نسبة النّجاح في شعبة الآداب الأضعفَ. وأودّ الوقوف عند نتائج هذه الشّعبة فإنّ لي إليها نسبا وعليها حدبا مُنتهيا منها إلى ما يتجاوزها ممّا يتّصل بفعل التّعليم عامّة.

شعبة الآداب من الشّعب العريقة في المدرسة التّونسيّة إذ تمّ إقرارها قانونا سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، تاريخ أوّل إصلاح تربويّ عني بتنظيم التّعليم وتوحيده. وكانت في سبعينات القرن الماضي تستأثر وشعبة العلوم بالنّصيب الأكبر من المترشّحين يأتونهما طوعا واختيارا قبل أن يبدأ الإقبال عنها في التّراجع لصالح شعبتين ” نبيلتين” هما شعبة الرّياضيات والعلوم التّجريبيّة يؤمّهما نُجُب التّلاميذ ومَهَرتُهم. وانتهى الأمر في السّنوات الأخيرة إلى الزّهد فيها فلا يسلك مسلَكها إلّا مضطرّون من ذوي التّحصيل المحدود، ولا ينجح فيها إلّا النّزر اليسيرُ. … ويندّ سؤالٌ: أيّ حاجة إلى شعبة الآداب؟

أيّ حاجة إلى شعبة الآداب في عصر العلم والتّكنولوجيا والثّورة الرّقميّة؟ أيّ حاجة إلى الآداب وسوق الشّغل أرحب وأفسح للاختصاصات العلميّة والتّكنولوجيّة؟، أيّ حاجة إلى الآداب في عصر أباطرة المال والأعمال؟ أيّ حاجة إلى الآداب في عصر العولمة وقيم ما بعد الحداثة؟

وممّا يكون جوابا أنّ الحاجة إلى الآداب، هي حاجتنا إلى ما به نؤصّل ذاتنا ونحفظها، هي حاجتنا إلى اللّغات” للتّعبير عن المفاهيم والمعاني والحاجات المتّصلة بحياة العصر فكرا وعلما وأدبا وحضارة”، وللتّواصل النّاجع مع الآخر،حاجتنا إلى فهم العالم الّذي نعيش فيه والتّفاعلِ معه، حاجتنا إلى تعرّف “ماضي المجتمعات البشريّة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل”، حاجتنا إلى النّشأة “على القيم الإنسانيّة والمواطنة الفاعلة”، حاجتنا إلى الفكر الحرّ والتّفكير الموضوعيّ “والتّبصّر في الحكم اعتدالا في الموقف وتسامحا في التّعامل” فلا تعصّب ولا انغلاق، حاجتنا إلى الفنّ والإبداع نصوغ به كونا وحلما(2). ألسنا بهذه الآداب أقدرَ على تصريف علوم العصر إلى الوجهة الّتي نرضاها، ألسنا بالأدب نحفظ كياننا في أسواق الذّهب؟، أليست العلومُ “النّبيلة” بالآداب أرسخ قدما وأبعد مدى وأظهر أثرا؟

ولكن أتَيسُر معرفة هذه الحاجات؟ وإن عُرفت أتيْسُر السّبيلُ إلى تلبيتها وقد انتهينا إلى عصر تسطّحت فيه العقول، ونضبت فيه القلوب، وضاقت آفاق النّظر فلم تغادر اليّوميّ المباشر العابر فاكتفينا بمسخِ لغةٍ لنتكلّم ونتواصل، واكتفينا بأن نعيش في العالم على نحو ما أُريدَ لنا فأغنانا ذلك عن فهمه، وأظلّتنا أراجيف السّياسة، وأهواء العصبيّات، واغتالت الإيديولوجيّات العقل فماتت الجهات الستّ وضاعت قبلتنا، وما عاد متّسع لشوق أو قدرة على الفعل؟! ومنتهى العجز أن تُنكر حاجتَك فتقعد عن طلبها، وغاية البطلان أن تكون دواعي الشّيء صارفةً عنه.

ومن هذه الجهة أُتِيتْ الآدابُ، وإلى هذه الجهة نردّ ضُيوما لحقت بالآداب على أيدي ذوي السّلطان وقد ضيّقوا واسعا أمام خرّيجيها. وكان لهم في مجال التّربية والثّقافة والقانون والاجتماع والفنون والاتّصال…رحبُ الرّاحةِ والفعلِ.

وضِيمت على أيدي أهل التّربية والثّقافة الّذين لم يَشيموا صوْب عقول التّلاميذ وقلوبهم فيأخذوا بأيديهم إلى الغرض الأقصد، ولم يخلّوا بينهم وبين أهل الفكر والأدب والفنّ يطالعون أفنانهم يقبسون منها ويتطلّعون إلى منازلهم وقد حسُنت وطابت، ولم يفسحوا لهم المجالس تكون لهم صدورُها مبدعين ذوي نظر وفكر، ولم يجتهدوا– وأنّى لهم -في حمل الإعلام الّذي أضحى لنا دخيلا ودُخْلُلا على أن يكون عاضدا لجهودهم لا هادما.

وضيمت على أيدي تلاميذنا الّذين هجروا الكتاب مليّا واتّخذوه ظهريّا؛ شغلتهم عنه مراياهم الخوالب فما كان نظرهم فيه إلّا خُلسة المختلس، فضعفت ملكاتهم اللّغويّة سبيلُهم إلى علوم عصرهم، وضمر خيالهم، وعلّت أرواحهم فضعفوا وما أرادوا…
وضيمت على أيدي واضعي البرامج التّعليميّة شُغلوا بمتفرّقها عن جامعها، وبحدودها عن تنافذها، وبكمّها عن كيفها فآذن ذلك بانشغال منفذّيها بإبلاغها عن تدبّرها، وبظاهرها عن مقاصدها، وبمتونها عن مهاراتها.

لن يكون الامتحان وسيلة إلى غاية أجلّ هي النّجاح في الحياة إلّا إذا كان الدّرس ممارسة للحياة قضاياها، وإشكالاتِها ومهاراتِها، وكان رياضة للفكر والنّفس وتمحيصا للقدرة ينخُل منضعُف أو وهَن يُفردُ بألوان العلاجِ ويُيسّرُ إلى ما هو أهل له.
لن يكون الامتحان وسيلة إلى غاية أجلّ هي النّجاح في الحياة إلّا إذا مُدّت الأسباب بين المدرسة والحياة، بين الفكر والفعل الحيّ النّاجع، وبين المؤسّسة التّربويّة وسائر المؤسّسات في المجتمع تتعاون جميعها وتتضافر جهودها من أجل المشروع الأكبر وهو بناءُ الإنسان الحافظ لوطنه السّاعي في تقدّمه.
لن يكون الامتحان وسيلة إلى غاية أجلّ هي النّجاح في الحياة إلّا إذا آمن خرّيج المدرسة بقدرته،واطمأنّ إلى غده فمهره العملَ والإخلاصَ أصلَ البناءْ.
وإنّ الأوطان لتبنى بآدابها وعلومها تقبس هذه من تلك وتلك من هذه كما يقبس القلب من العقل هُداه، ويقبس العقل من القلب مَداه. ” ولبّ الرّجل ما جُعل في قلبه من العقل”. وإنّنا بالآداب أتمّ قلبا وعقلا.

(1) اعتماد نسبة 25 % من المعدّل السّنويّ إذا كان ساوى أو فاق عشر درجات من عشرين.
(2) ما وضع بين علامتي تنصيص شواهدُ من البرامج الرّسميّة للموادّ المدرّسة بشعبة الآداب

المقال السابققطار الضواحي!
المقال التالىحتمية التغيير ـ ج9
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد