في زمن التيه والضياع العربي

 

في قراءة موضوعية للزمن الراهن, يتبين أن القرن الحالي, هو عصر القوة الاقتصادية بامتياز, وان المؤسسات الاقتصادية وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي في تطور مطرد, وهي ليست في أزمة او أفول, كما تؤكد ذلك بعض مراكز البحوث الإستراتيجية في العالم الغربي والعربي. فالمتابع للتطورات الاقتصادية منذ القرن التاسع عشر يلاحظ النمو الكبير للتجارة والصناعة وما ترتب عليهما من تشابك في العلاقات الاجتماعية والسياسية، ليست المحلية فقط ولكن المعولمة. فالعامل الاقتصادي يلعب دورا كبيرا في الحياة والمتغيرات الدولية، فأقوى دول العالم، قديما وحديثا، هي أقواها اقتصاديا، وغالبية الحروب قامت على اسس اقتصادية، وما يجرى تحديدا اليوم في مجتمعاتنا الغنية بالموارد الطبيعية ما هو الا اعادة رسم لمناطق النفوذ والمال والنفط بشكل آمن مستقر.

وبدءً من هذا السرد, هل تعتبر الأمة العربية الغارقة في ديونها وتبعيتها وازماتها الاقتصادية الخانقة، رغم امتلاكها لأعظم الثروات الاقتصادية الطبيعية، ان تكون مخالفة لواقع الأشياء والمنطق, فضلا عن قوانين فلسفة التأريخ, التي أرسى أصولها الفيلسوف الأمازيغي إبن خلدون, في مقدمته الشهيرة, في تعبيره عن البناء الحضاري والعمراني, وثم وضع تفاصيل قوانينها, المفكر والمؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي”, في كتابه “فلسفة التاريخ”, وفق دراسته التأريخية الرصينة, عن تطور الحضارات, مبينا حتمية مرورها, بذات الأدوار التي يعيشها الكائن الحي, فهي تنشأ ضعيفة أولا, ثم تقوى ويشتد عضدها, وفي النهاية تشيب ويعتريها الضعف والهزل.

لا شك ان الأمة العربية تعيش اليوم في مرحلة مصيرية وفارقة في التاريخ الحديث، فما يحدث للدول والأنظمة والشعوب لم يعد يمس أطراف معينة أو دول متصارعة أو أقاليم محددة، بل المشاهد السياسية والاجتماعية والاقتصادية ألقت بظلالها على مجمل الوطن العربي والأمازيغي الكبير.

وحتى نفهم اسباب انهيار مجتمعاتنا اليوم، علينا أن نستوعب أن المشاريع والخطط والبرامج التى قامت عليها الوحدة العربية لم تلبي احتياجات التطور المعرفي والعلمي او المنافسة في سوق المصالح والاتفاقيات واحتكار مناطق النفوذ. بالاضافة الي غياب أو تغييب مفاهيم المواطنة والعقد الاجتماعي وتداول السلطة وتطبيق الديمقراطية الليبرالية .. فمفهوم العروبة والوحدة نشأ كمحاولة لحماية الاقليات ومواجهة لاعداء الأمة، ولم يكن هناك الا اسرائيل امامهم كعدو تاريخي لم تستطع العرب الي اليوم من هزيمتهم بقدر ما عقدوا معها اتفاقيات سلام، إن كان بالعلن أو السر. رغم ان أعداء الامة العربية الحقيقيين لا يتمثلون بالآخر المختلف بل في بنيتهم الداخلية، في الجهل والفقر والوصاية والاستبداد. فحين فشلت الشعوب في مواجهة هذه الأمراض الداخلية اصبحت بالضرورة ضعيفة خارجيا. فالتاريخ لا يعرف أمة لم تواجه الفشل في بناء كيانها ، ولكنه يعرف أمما كثيرة أدركت عوامل الفشل وتغلبت عليها في النهاية. فهل نحن اليوم نواجه انهيار مجتمعاتنا بشكل نهائي أم نستطيع التغلب على عوامل الفساد والاستبداد ومحاولات الهيمنة الغربية على موارد النفط والغاز في منطقتنا العربية؟؟.

إذا كان بإمكاننا تلخيص فشل التجربة العربية التاريخية منذ بداية استقلال الدول، فهذا يعود لكونها دول تقوم على مصلحة النظام الحاكم وليس على مصلحة الشعب حيث يتم تحويل البلاد بكل مقدراتها ومؤسساتها الي ملكية خاصة للحاكم وبطانتة والحفاظ على كرسيه بعكس تجربة الاتحاد الأوروبي، فوحدتة قامت على اساس مصلحة الشعوب واندماج فئات المجتمع بوحدة مواطنية اقتصادية سياسية وهو مالم نستطع تشكيله عربيا، حيث لم يتم الأخذ بعين الاعتبار الغنى الثقافي متعدد القوميات ضمن الوحدة العربية، فكل محاولة للوحدة كانت تفرض فرضا، ليس على العرب وحسب، بل على الشعوب المتأصلة والضاربة بجذورها قبل الغزوات الاسلامية، كالامازيغ والكرد وابناء السودان الجنوبيين والنوبيين والأقباط والأشوريين واليهود العرب الذين تم طردهم شر طردة من أوطانهم.

كما وأن الدساتير في المنطقة العربية تقوم في بعض قوانينها على ضعف أدائي ومنهجي في حماية الحريات وحقوق الإنسان، وما زالت المؤسسات الدينية تحظى بمكانة حقوقية غير مشروعة قانونيا مما فرض بعض التمايزات الدينية والمذهبية التى خلقت بالتالي الإصطفافات الهوياتية وضعف المواطنة والانتماء للوطن. وفي الجانب الاجتماعي، كان لضعف التنمية العربية، لاسيما في المجال التعليمي والتكنولوجي، دورا مؤثرا في التراجع. فما زالت الدول العربية تتبوأ مراكز متقدمة في الأمية وهجرة الكفاءات والخبرات إلى بلدان العالم المتقدمة ، ومن المعلوم أن أي أمة تهاجر كفاءاتها العقلية سوف تسقط لا محالة في براثن الجهل والتخلف، ناهيك عن ضعف القراءة في العالم العربي، فوفقا للاحصائيات الموثوقة، تشير إلى أن معدل قراءة العربي في السنة لا يتجاوز الدقائق، ومن بين تسعة عشر ألف عربي ثمة كاتب واحد مقارنة بألمانيا التي تحظى بكاتب من بين أربعمئة مواطن .

وكما أشرت في بداية المقال، ان العصر الحالي هو عصر الاقتصاديات العملاقة والشركات عابرة الحدود والأسواق المفتوحة .. بينما ضعف الاقتصاديات العربية، المرتكزة على النفط فقط، أصبح سمة وعلامة عجز واضحة، فالعالم العربي لا يملك اقتصاديات وشركات ومؤسسات تؤهله لمنافسة الاقتصاديات العالمية العملاقة الأوروبية والأمريكية واقتصادات شرق أسيا ، بل إن المدخرات العربية في الخزائن الغربية والبنوك العالمية متوفرة وتعمل بالضد، إذ تدعم النظام الحاكم ويبقى المحروم الوحيد منها الشعوب العربية نفسها .ولم تعمل، في جانب آخر، الدول الخليجية الغنية بالنفط والمتهمة بالترف، لبناء دول حديثة مدنية تساهم في بناء الوطن العربي الفقير بإمكانياته المادية بقدر ما اصبحت بنفسها دولا تتآكل بفعل سياساتها الداخلية وعجزها عن التطور وتفاقم خلافاتها السياسية لينفتح الباب اليوم أمام أطماع خارجية تنذر بقدوم سنوات التيه والضياع العربي.

إن الحقيقة التى لا مفر منها .. تقول باستحالة إقامة وحدة اجتماعية وسياسية واقتصادية بدون أساس ديمقراطي، فألمانيا لم تستعد وحدتها الا على أساس الديمقراطية، والمعنى الذي برز من خلال ازمات العرب في مواجهة اسرائيل وفي تجارب الوحدة بين مصر وسورية وفي أزمة الخليج، هو أن الوحدة لن تتحقق الا بسقوط جدار الاستبداد السياسي والديني كما سقط جدار برلين ليعلن عن ولادة التغيرات الديمقراطية في العصر الحديث.

لا تعليقات

اترك رد