فالس أخير لغريبين


 
(لوحة للفنان حيدر دوغا)

تقرقع السماء .. تهزأ غيمة داكنة كهلة من سرب غيوم بيضاء يتسرب من بين شقوق يحدثها انهمار الغيوم الثقيلة أمطارا هاربة من أسر الغيمة الداكنة التي تبصق جوفها قرقعة وضوءً لا يلبث ان يخبو، وسيلاً من مطر جارف .. يطرق رأسي بتوالٍ كان آسراً قبل قليل حين انزلقت قدماي إلى عنق الطريق الذي سرعان ما تخلى عن الأقدام التي كانت تدور حوله في طواف بهيج .. تسللت الأقدام متسارعة لتمتص دفء الجدران المنكبة على دفئها كمرضعة خجلى من ائتلاق نهدها البض أمام أعين متلصصة .. شرعتُ جسدي للمطر حتى ابتللتُ تماماً ، فانسلت قدماي إلى جدران لفحني دفؤها وعطر فل متردد .. قاعة فارهة فارغة إلاّ من كرسي قرب نافذة كبيرة تطل على غابة من الجدران الموحشة وأمطار تثرثر .. جلست فتاة التمع الأرجوان على خدها حين قرقعت السماء ناشرة ومضة فضية إمَحَّتْ قبل أن تغلق عيني رمشها .. تسلل الدفء إلى قدمي ليتسلق جسدي .. أتذكر الآن أنى فكرت لحظتذاك
ـ كافيتريا غريبة .. دونما كراس ولا نادل ..
اقتربتُ في اللحظة التالية من الباب لأدعو من يجلب لي كرسيا ففاجئني الباب موصداً.. كان الظلام قد بدأ برسم لوحته الغامضة على الجدران .. جرجرتني قدماي إلى النافذة الواسعة كهواجسي .. بدا الزجاج مرشرشاً بخيوط متشابكة سوى الزجاجة المنتصبة أمام عينيها فقد بدت صافية كالفراغ .. ظننتُ ان أناملي ستخترق الفضاء الماثل أمام عينيها حين مددتها .. إلاّ إنها اصطدمت ببرودة زجاج كريستالي .. لوت رقبتها نحوي لترشقني بنظرات أدركت حين اكتويت بها سر نقاء الزجاجة.. لم يكن دفئا .. ربما كانت شذى مجمرا .. لم أدرك لحظتها ان كانت غاضبة أم متسائلة أم منتظرة ..
ما أذكره الآن أني ارتعشت قليلاً وأغمضت جفنيّ طويلا خشية ان أفتحهما فيوجعني تلاشي الفتاة الصارخة النظرات .. أطرقتُ قليلا فانهمر شلال شعرها بحراً غامضا .. عميقا.. لا أدري لماذا بدا لي لحظتذاك مخيفا .. وددت أن أطرد خوفي .. ربما لأطرد خوفي فقط .. أمر مؤلم… بان وجهها من بين موجتين منسابتين من بحر شعرها الليلي.. تسلل دفؤها إلى قلبي مندلقا من عيني المنجذبتين بسحر غامض لعينيها .. تقلص جفناها متسائلين فاستطردتُ..
ـ تسوح الغيمة طويلا .. بعيدا .. ويأبى المطر إلاّ أن يتلاشى في بلاد غريبة .. شرعت جفناها فتلألأ بؤبؤاها تحت ومضة برق منحت وجهها لون الفضة للحظات كانت كافية لأتنفس عطرها الصاخب فتتشربه أوردتي ولتطبع ملامحها الآسرة في حدقتي فتضيء فضتها دواخلي وفضاء الكافيتريا الخاوية إلاّ من عبقها وارتعاشي .. وددتُ أن يرين الصمت.. كي أصغي إلى قلبي الذي بدأ ينثر موسيقى باذخة .. فالس أوقع أقدامي ذات يوم في خطيئة الانتشاء برقصة حامت ملتذة حول فاغنر أو ربما شتراوس.. لم أفكر لحظتها إلاّ بالصمت الذي ران ثم سرعان ما تلاشى تحت نقرات المطر الوحشية.. أضاء صوتها ظلمة فضاء الكافيتريا الساكنة ..
ـ يتلاشى المطر .. تتلاشى أنت .. أتلاشى .. لكنه يستطيع أن يبكي نفسه على الأقل.. لا يحتاج إلى من يبكيه .. إنني مثلك والمطر .. أتراني سأتلاشى في بلاد غريبة.. اعتصرني بردٌ جذب الوحدة الكئيبة من آذانها ليلصقها على صدري.. وددتُ أن تغرز جمر قطراتها في صدري ففعلتُ
وسرعان ما ذاب جليد الوحدة لينتفض قلبي عامرا بدفء مبهرج.. اعتدتُ أن تأتي النهايات مبكرة فسمرتني الخشية حيث أقف خارج دائرة جمرها المشتهى..
ـ أود أن أبدأ لكني..
ـ أتشم رائحة البخور ؟ ..
ـ انه الفل …
ـ تنث الجدران بخورا إثناء المطر فتغري الأجساد بالاستسلام للنزق المجنون ..ـ حقا .. أشمه الآن .. يزاحم رائحة الفل الذي ينثه وجهك .. كركرت بطفولة .. غلفتني بنظراتها ..
ـ تبدو بعيدا ..
ـ أ أقترب ؟ ..
ـ اكسر جرة خوفك قربي ..
ـ سأحيلها إلى نثار.. نثار..
حين تراكضت شوارع مدينتي في دمي .. دفعتني بعيدا .. إلى هنا .. فاستوطنت العتمة والصقيع دواخلي دهرا .. لكني اليوم أرى وجهاً فضيا اخترقني سريعا وأذاب صقيعي بلمح البصر.. أضاءني .. وما أخشاه أن يسكنني البرد بعد قليل.. أحاذيها .. تنصت .. تستغرق طويلا .. ترتسم على شفتيها ابتسامة حالمة ..
ـ أسمع موسيقى ..
ـ قلبي .. يعزفها حين تتراقص أوردتي ..
ـ تحب الرقص ..
ـ كثيراً.. به أتجلى وأمسك بالحلم ..
ـ وددتُ أن أكون راقصة باليه حين كنتُ صغيرة.. ربما لو دار الزمان دورته.. سأغدو كذلك .. راقصة باليه ..
مددتُ كفا مترددة ..
ـ أتراقصينني الفالس .. سيدتي ؟
ـ نهَضَتْ .. غرزت أناملها في كتفي .. فانبجست من موضع لمساتها دالية من أوراق فضية .. استطالت ونشرت فوق رأسينا المتقاربين فيضا من ضوء فضي غامر..
ـ أتسمعين ؟ ..

ـ ……………

ـ تصدح الموسيقى من خصرك راقصة.. تتصاعد … تتصاعد.. رباه .. كم من الأصداء تنبعث من موسيقى خصرك ؟ .. يقترب رأسينا.. يغرق رأسي في بحرها المتلاطم .. يمس خدها خدي .. فارتعش كمقرور .. يعتصرني ذراعاها فأذوي منصهرا فوق تضاريسها .. أسيل كمويجات دجلة المتلامعة بين نهديها النافرين .. أدرك هذا فأكاد أجن .. أرقب تراقص شموع خضر الياس*1 على سطح دجلة .. أذكر أني همستُ بأمنيتي ذات يوم بعيد لشمعتي المنسابة فوق سطح دجلة المرتعش..
ـ أظنني تمنيتك يوم ذاك ..
جذبتْ رأسها المستكين على كتفي لتغرز في عيني عيناها.. اخترقني تساؤلها .. فأجبتها…
ـ شموع الخِضْر كانت ترقص أيضا .. الرقص يمنحنا البهاء ..
انسابت أقدامنا يموسقها فالسان امتزجا متناغمين .. دافيء صادح من خصرها وهادئ موشك على الاضطراب من قلبي ..
ـ كل جنوب دافيء .. أتعلم ؟.. إنني جنوبية ..لا أحتمل الصقيع .
الجنوب هناك دافيء أيضا .. لكنه كان ساخنا تلك الليلة .. وطئنا شوارع بغداد شارعا شارعا .. كنّا ثملين .. بقلبين فتيين مضطربين.. وأقدام تناور نظرات العسس الخازرة .. حين لم نهتد إلى فسحة تئوب إليها ثمالتنا أسلمنا جسدينا لمقعدين متجاورين في قطار مغادر للجنوب .. احتوى ليلتنا المضطربة تلك.. كان الجنوب ساخنا حين دوت المدافع وانهمر الموت ملتصقا بشعيعات شمس الصباح .. كان الموت ملونا في ذلك النهار البعيد.. لكنه إكتسى لونا كابيا حين حل المساء لنعود مع حفنة من الجثث بالقطار الصاعد إلى بغداد ..

اضطرب قلبي قليلا فتعثر الفالس على قدمي المحاذيتين أناقة قدميها الراقصتين بانجذاب .. انسابت أناملي مخترقة شعرها فبرقت السماء بغتة مرسلة موجة هادرة تلاشت بين مويجاتها الليلكية .. تمتم قلبي ..
ـ لن أبحث عن بحر .. أظنني سأغرق ها هنا ..
غطس وجهي في الموجة فتناثرت لثمات شفتي على الخصلات المتهدلة التي أسلمتني إلى أذنها الدقيقة فارتشفت كدسا من كلمات الوله التي دلقتها فيها أفواه محمومة .. عابثت أسناني برقة شحمة أذنها .. وطافت شفتاي حول شفتيها قليلا ثم انسابتا إليها كثعبان لتذوبا فوق رطوبتهما.. كانت عيناها مغمضتين باشتهاء .. فأغمض الاشتهاء عيني .. ظلام خلف عينيها وظلام خلف عيني يتسللان عبر شفاه ملتصقة ليختلطا ويزدادا حلكة..
فجأة قفزت أمام عيني بلونها الأبلق وهي تتقافز وسط ظلمة تلك الليلة الأيلولية الماحقة.. كانت تستعر باللهب المتراقص ..
فوق تقافزها المتشنج خانقا موائها الآخذ بالتلاشي .. صرخت مستنكرا ..
ـ أبي .. ماذا فعلت ؟
ذابت صرختي وسط صراخ صغيرتنا ميساء ..
ـ أبي .. كاتي .. أبي .. كاترينا .. لا تحرقها .. لا …
اضطرب العمق في صوت شقيقتنا عدوية ..
ـ المسكينة … احترقت ..
كنت أوزع نظراتي آنذاك بين جسد كاترينا المشوي ووجه ميساء الذي احتضنه الرعب..
انتفض قلبي ثانية فتخلخل إيقاع قدمي .. انسحبت شفتاي بقوة من استرخاء شفتيها .. قرقعت السماء راعدة فاختفى فالس قلبي ..إمتص جسدها فالسه .. توفزت شفتاها وتشنج جسدها متماوجا مع القرقعة المنهمرة من السماء .. ومض البريق مخترقا زجاج الكافيتريا فبدا كحزمة نار في ليل همجي ..
تركض أقدامي متسارعة تناور جثثا تناثرت نازفة بعد قرقعة القصف الأخير .. كنت أبحث بين الجثث عن جثتي التي رأيتها نازفة .. كنتُ مغمض العينين ربما على حلم أخير لكني كنتُ أنزف بغزارة .. زادتني الحيرة ارتعاشا .. هل تراها جثتي حقا أم إنني أحلم؟.. غارزا عيناي في بركة الدم حول جثتي باحثا عن مهرب أخير حين رأيتني أواجه شذى الفل في شفتيها المزمومتين على بقايا القبلة المندثرة ..
ـ كانت الكلاب تنهشني ..
صرختُ ..
ـ إنني أخاف الكلاب ..
صرختْ ..
ـ كلاب نهمة التهمت بعضهم .. ربما مازالت تلتهمني ..
ـ ألا تشعر باللهيب تحت أقدامنا تماما ؟..
نظرتُ .. كانت الأرض مجمرة كفرن .. وفتاتي تتقافز ملتفة حول نفسها ملتذة باهتياجها ..
تدفق اللهب تحت أقدامي فتقافزتُ .. درت حولها .. دارت حولي .. درنا .. درنا .. درنا.. حسر الرقص فستانها .. فبدا عاج فخذها لامعا .. باردا .. شيقا .. انسابت خيوط متشابكة من العرق على صدري وظهري .. فتخليت عن قميصي ..
كانت نافرة .. تشبثت شفتاها بابتسامة مرحة .. تهرب شوارع مدينتي من دمي لتستوطنها كتلة الفضة الفائرة متخايلة بعريها الذي شع وسط ظلام الكافيتريا .. تناثرت ملابسنا على الأرض الساخنة وتبعثر عرينا في أنحاء القاعة التي صارت القضبان تبزغ في أطرافها ممتدة إلى السقف مسورة الجدران .. التقى هياجنا فالتصقنا حتى توحد نبض قلبينا .. اقتربنا من النافذة الشاسعة كالبحر .. قرقعت السماء وتوهجت الفضة على جسدينا العاريين .. نبست لأذني ..
ـ العالم مليء بالقضبان .. فلنتسلل .. لننهمر في دفء البحر .. سنموت ان جلسنا نراقب هذه القضبان .. دعنا نراوغ موتنا كي نحيا.. دعنا نغني بصوت واحد ..
نظرت خلف النافذة .. حتى العمق الشاسع كان المطر يهطل كدموع بائسة .. احتضنتها بانتشاء .. كنتها آنذاك وكانتني .. لكني أنا من قلت .. ربما لأن قلبي كان الأكثر اضطرابا..
ـ لن نغني إذا لم تنته دموع العالم …*2

*1 شموع الخضر .. أمنيات أهالي بغداد من الخضر عليه السلام يرسلونها شموعا مرتكزة على سعف النخيل الطافي فوق سطح نهر دجلة ..
*2 ناظم حكمت ..

لا تعليقات

اترك رد