مدارس غليظة لتعليم فن الاستبداد

 

المؤسسات والهيئات النظامية في المجتمع تفتقر للعمل المؤسسي المنظم ، وتطغي على مناشط الهيئات والمؤسسات العواطف والعلاقات الشخصية والقرابة والرشوة والمحسوبية ونهب المال العام والعشوائية وإهدار الإمكانيات وسوء استخدام الوظيفة.

وتسقط هيبة الدولة والقانون في عيون العامة ، عندما يتسلط نزر من الموظفين في الهيئات النظامية على رقاب الناس ويمارسون اللصوصية والإهانة والإذلال ضد المواطنين ، وهذه صورة تتكرر يومياً في مؤسسات وهيئات ومصالح اقتصادية وخدمية بألوانها الطيفية .

إن هذه المؤسسات وما في معناها أدوات لتمزيق السكينة الاجتماعية ، مؤسسات لا لخدمة المجتمع ، وإنما لإذلاله وزيادة حدة المعاناة اليومية ، وأدوات لتعميق وتفجير الخلافات وإشعالها وزيادة التشظيات الاجتماعية .

يفترض أن تكون الهيئات أدوات لحل قضايا الناس ومساعدتهم لتلمس طريقهم وسط الغابة الكثيفة ، وتقديم العون والمساعدة والخدمات السريعة والنظيفة لأفراد المجتمع . ففي هذه الهيئات تتجسد السادية والاستبداد ، في هذه المؤسسات عصابات للسلب والنهب والمتاجرة بآلام ودموع وآمال الناس وامتهان كرامة المواطنين .

إن هذه المؤسسات مدارس غليظة لتعليم فن الاستبداد والسادية ، ومدارس رهيبة لتطبيع الناس على الخنوع والاستسلام واحترام الظلم والتعايش مع القهر والإذلال ، وعن ألفة الاستبداد يقول المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي ( 1849- 1902م) :

” ألفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا ، ألفنا الثبات وثبات الأوتاد تحت المطارق ، ألفنا الانقياد ولو إلى المهالك . ألفنا أن نعتبر التصاغر أدباً والتذلل لطفاً ، والتملق فصاحة ، واللكنة رزانة ، وترك الحقوق سماحة ، وقبول الإهانة تواضعاً ، والرضا بالظلم طاعة ، ودعوى الاستحقاق غروراً ، والبحث عن العموميات فضولاً ، ومن النظر إلى البعد أملاً طويلاً ، والإقدام تهوراً ، والحماية حماقة ، والشهامة شراسة ، وحرية القول وقاحة ، وحرية الفكر كفراً ، وحب الوطن جنوناً ” .

إن المواطن الذي يفقد كرامته ، وتمارس ضده الإهانة والسادية وصنوف الإذلال من قبل أفراد في مؤسسات الدولة ، لا يمكن أن يدافع عن كرامة الأمة ، ويفقد القدرة على الدفاع عن الوطن وسيادته .

إنه للغو فارغ ، أن نتحدث عن الظلم وانتهاك الحقوق ، وعن الغزو العسكري والثقافي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي ، في وقت استعمر الإنسان من داخله وتسللت الأيادي الوحشية لقتل وطمس كل نقطة ضوء وإشعاع أمل في النفوس ، ودمر الإنسان جزئياً أو كلياً من قبل الهيئات والفئات القوية التي لا تعيش إلا على عذابات المقهورين .

إن تدمير الأوطان يبدأ من نقطة تدمير كرامة وإباء وأنفة المواطنين وشل قواهم وقدراتهم على الحركة والتأمل والتفكير والنقد والإبداع والعمل المثمر .. يبدأ عندما يتم مصادرة مقومات العيش الكريم لهم .

لا يجدي نفعاً ، عندما ننادي في زمن النوازل والمكارة باستنهاض قوى الشعب الخائر ، فالناس قد سومهم القهر يأكلون ويشربون وينامون ويتحركون بالأوامر والإشارات .

إن الهيئات البيروقراطية والأجهزة قتلت في نفوس الناس الرجولة والشجاعة والإباء ، وأبتلع الأنقياء ألسنتهم ، ويتعرض أهل الشرف والأمانة والصدق للتدمير النفسي والأخلاقي والمادي والحياتي وتصوب أسنة ورماح الهيئات البيروقراطية لسحق الإنسان وإذلال من لم يذل .

لقد قتلت الهيئات البيروقراطية الإبداع والمبادرة وقيدت حركة المجتمع بصورة شوهاء ومدمرة فلا تستطيع الشعوب الدفاع عن وجودها وكينونتها من الغزوات والحملات الخارجية ، لأن الهيئات والأجهزة قتلت النفوس والضمائر الحية ، ودمرت كل مساحة للدفاع عن الهوية والوجود والحرية .

لا تعليقات

اترك رد