لنحاكم البحر بقانون “مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين”


 

لنحاكم البحر إذا لأن أمواجه متلاطمة وغرق في أعماقه أصحاب الحظ السيء، ولنزج بالريح في السجون مع المعتقلين السياسيين وأصحاب الرأي لأنها حركت أمواج البحر نحو الشطوط وقلبت ما في أعماقه وقذفت به إلى الخارج، ولنعتقل الأشجار والأزهار لأنها حين أثمرت جذبت حولها الحشرات، ولنعدم الشعراء والكتاب والمبدعين في ميدان عام دفعة واحدة لتستريح الأنظمة وتتفرغ الملوك والرؤساء والحكام للحكم دون معارضة أو مقاومة فكرية، ولتذهب الشعوب للجحيم حتى لا نحمل على عاتقهم أي مسؤولية ليتسع الكوكب لغرورهم الماجن ولحكوماتهم الفاشلة.

لم أكن مبالغا يا صديقي كما تصورت كل ما في الأمر أن هناك ما يسمى بـ “الخيال السياسي” تلك المساحة الفكرية التي تتسع لك حين تصل برؤيتك إلى أبعاد آخرى!.وبرغم بعده عن الواقع المعاش والآنية التي تفرض الأحداث والمواقف إلا أنه يلامس هذا الواقع بشكل ما لإمتداد جذوره فيه. من هنا يمكن أن ترى المستقبل “البعيد والبعيد جدا” لتعديل الواقع الذي يفرضه عليك مجموعة من البشر يفترض أن واجبهم نحوك هو خدمتك، ولكن كما نعلم جميعا أن السلطة تحولهم لأنصاف آلهة لذلك يحاولوا طوال الوقت خداعنا وتوريطنا في الحروب وهم غير مستعدون لهذا الخداع!.

هل تتفق معي على أن البشرية عانت ومازالت تعاني من توحش قادتها؟.

انتظر إجابتك في تعليق، ولكن هنا دعني اصطحبك في رحلة إلى القاهرة إلى داخل مؤسسة الأزهر بل بالأحرى إلى داخل عقل مؤسسة الأزهر الذي تفتق “حين تفتق” على مشروع قانون عرضه على رئيس مصر في احتفالية ليلة القدر منذ أيام قليلة تحت اسم “قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين”، هكذا تلقيت الإسم وشملتني معاني غاية في الأهمية مثلك تماما ولكن أنصحك يا صديقي بالصبر وبعدم التسرع!.

حيث قدّم الأزهرُ الشريف لرئاسة الجمهورية مشروعًا لقانون له أنياب ومخالب تنصُّ المادة الرابعة منه على التالى: “لا يجوزُ الاحتجاج بحرية الرأى والتعبير أو النقد أو حرية الإعلام أو النشر أو الإبداع للإتيان بأى قول أو عمل ينطوى على ما يخالف هذاالقانون”. لم يأخذ في الإعتبار واضع هذا القانون المخالفة الصريحة لبند من الدستور المصرى الذى تنص المادة رقم (67) فيه على التالى: “حرية الإبداع الفنى والأدبى مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لذلك”، وقصر وحدد الدستور المصري مقاضاة الكتّاب على أمور ثلاثة هى: “الحضّ على العنف، إشاعة العنصرية، الخوض فى الأعراض”.

بهذه المادة المزعزمة سوف يُمتص من الأجواء آخر قطرات الحرية في مصر، وستنهار منظومة نقد التنوريون لشيوخ أساءوا للإسلام أكثر من غيرهم، التنويريون الذين اتفقوا على دستور “ماعت” بشكل ضمني ونفذوا بنوده التي نصت بعض منها على:” أنا لم أقتل، ولم أحرّض أى أحد على القتل، أنا لم أنتقم لنفسى، أنا لم أتسبّب فى الإرهاب، أنالم أعتدِ على أحد ولم أسبّب الألم لأحد، أنا لم أسبب البؤس، أنا لم أسبّب أذى لإنسان أو لحيوان، أنا لم أتسبب فى ذرف الدموع، أنا لم أظلم أحدًا ولم أضمر الشرّ لأحد، أنا لم أسرق ولم آخذ شيئًا لا يخصنى، أنا لم أتلف المحاصيل والحقول والأشجار، أنا لم أحرم أحدًا مما هو حق له، أنا لم أتحدث بسخرية من الآخرين، أنا لم أدنّس الأماكن المقدسة،أنا لم أتخذ اسم الله هزوًا، أنا لم أُغضب الله، أنا لم أتصرف بمكر أو وقاحة، لقد أطعت القانون ولم أرتكب الخيانة”.

ومن ضمن المفارقات الجسيمة التي وقع في ظلماتها هذا القانون المزعوم وعبرت المادة رقم”9″ عنه والتي نصت على: “يحظر ممارسة أي فعل أو سلوك من شأنه التمييز بين أفراد المجتمع، ونشر الأفكار الداعية لذلك”، وجاءت تلك المادة على عكس المؤشرات الثقافية للواقع ومقدماته الحضارية التي تعوق مثل هذه الأفكار لوجود قوى دينية لها سلطة حقيقية في الشارع المصري برعاية الدولة المصرية مثل”الدعوة السلفية” والمتمثلة في البرلمان المصري تحت غطاء سياسي ما يعرف بــ “حزب النور” المخالف للدستور هو الآخر ومنها مؤسسة الأزهر ذاتها التي تنغلق أبوابها على رجالات تختلف توجهاتهم الدينية والسياسية وتتباين الأهداف فمنهم المتشدد والإخواني والسلفي والجهادي وغيرهم، فضلا عن الكثير من السقطات ودعاوى التمييز والتطرف في المناهج الأزهرية مع اختلاف مراحل الدراسة، فإن كانت هناك نية ما على عدم التمييز بين أبناء الوطن الواحد.. فلماذا خرج قانون بناء الكنائس مشوها إلى هذا الحد؟ وأين كانت مؤسسة الأزهر من ذلك؟ ولماذا تتخفى اليهود في مصر أثناء دخولهم المعابد؟

أما في المادة التي تحمل رقم (10) والتي نصت على التالي: “تلتزم جميع المؤسسات التعليمية بنشر ثقافة التسامح والإخاء واحترام عقيدة الآخر، والمواطنة وآداب الاختلاف، ونبذ الكراهية والعنف والتعصب والتمييز على أساس الدين. كما تلتزم المؤسسات الإعلامية بصون ما تقدم وعدم الخروج عليه. ويعتبر الالتزام الوارد بالفقرة السابقة جزءا لا يتجزأ من ترخيص ممارسة النشاط لهذه المؤسسات”. اقترح على مؤسسة الأزهر أن تفعلها في بداية الأمر قبل أن تقحم وسائل الإعلام الشريفة والتي تواجه الفكر المتطرف بكل طاقتها فالمحرضون على التطرف والإرهاب تحاربهم أفكار الكتاب الشرفاء ومن الممكن ملاحقة المحرضون على الإرهاب بالقانون إذا أرادت الدولة فعل ذلك.

لا ينفصل مشروع قانون الأزهر عن السياق العام وما آلت إليه الأمور في الفترة الأخيرة من تقليص مساحة حرية الرأي والتعبير، ما أطالب به هنا هو تفعيل الدستور المصري والإلتزام بكل تفاصيله، وإعمالا بالقول الذي يؤكد أن الإنسان جاء قبل الأديان، أطالب مؤسسة الأزهر بتفعيل المبادئ العامة التي جاءت في مشروع قانونها والإلتزام به قبل أن تقيض الآخر وتلزمه مع مراعاة أن من ضمن نسيج المجتمع أفراد لا ينتمون إلى دين سماوي ومن حقهم الحياة.

لا تعليقات

اترك رد