قلب كمال خريش


 

لم نكن عاطلين كنا نموت.

لن انسى دهشته بهذه الجملة التي كتبتُها ضمن انطباعات يومية عن حرب 1991 ونشرت في كتابي – نحت الدم الصادر عام 1994 ببيروت ، قال لي : هذا النص يكفيني للثأر مما حل بي وبنا جميعا ، ياه .. ياكمال ، الله عليك ، اتذكر ذلك الموقف في الظلام الدامس قبل ستة وعشرين عاما وانت تقيم في بيتنا بعد ان انقطعت السبل يومها ، كانت كلماتك عزائي تلك اللحظة فعلا. حيث تتسرب سخريتنا المعتادة الى هواجس يومية أدونها وانت معي ايام ماحصل خلال حرب الخليج 1991 والانتفاضة التي اعقبتها ، وقمع السلطات العراقية وتفتيشهم البيوت الذي اعقب الاثنتين معا ، فقد كنترفيق الليل والنهار والفرح والخوف ، تجولنا معا بينانقاض مديرية امن ذي قار وحرائقها وسجلاتها وزنازينها الرهيبة ، وكأننا نتجول في الآخرة ، قبل ان نختبيء مع دخول قوات الامن والجيش الى البيوت ….. انقذك انك(خفاجي) ! وانقذتني هوية اتحاد الادباء لان عنواني فيها بغداد .. فالجراثيم التي ارسلها النظام لقمع الانتفاضة في الناصرية لاتعرف من المدينة واهلها غير ان عزيز الخفاجي المسؤول في النظام السابق كان من الناصرية وقد رافق علي حسن المجيد الى منزله ليختبآمعا هناك .
كان كمال خريش كعادته مرتبكا دون سبب ، قلت له ونحن حائران بين الهروب عبر الصحراء او البقاء في المنزل حتى يتبين أمر مناسب ما، ياكمال انت تسرب لي القلق ، كأنك خارج من تحقيق أمني ، او تنتظر تحقيقا بعد قليل.. قرر.. اهدأ . ما اعرفك شتريد ؟
الحياة تحولت الى عدم بالنسبة لكمال منذ منعه من السفر بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة نهاية السبعينات كونه شيوعيا… تسلل هذا الياس والتهكم الى اعماله الفنية ، فصار اداؤه اللوني ومواضيعه خليطا من الريف والحزن والمواعيد الملغاة والطرق التي لاتؤدي ، كائنات من خطوط و اضاءه شحيحة واجمة تترقب ،يوشّحها عادة موقف ثوري متشنج ومتطرف احيانا من الاحداث .
تعرف يا عبد الحميد ..سبايكر ستقتلني .. احلم باني ضمن طابور الضحايا .. رسمت ذلك باشكال مختلفة . لكني مازلت في الطابور … الظاهر لم يكن حلما .. نحن جميعا في طابور شهداء سبايكر لان دماءهم لن تجف وقاتليهم طلقاء …

أثرّ بكمال وبنا نحن جيل شارع عشرين الكاتب الراحل محسن الخفاجي معلمنا ومصدرنا للكتب والحكايات ، في غرفته التي تشبه ماخورا للاشباح ، وهو يفترش صور نجمات السينما واغلفة الكتب المترجمة ومقولات خالدة لكتّاب وحكماء وصعاليك .
ارتبطتُ بكمال من خلال مواقف عديدة ، اعشق ريشته ،واسلوبه ونساء لوحاته الحالمات المتأخرات عن الأمل،يفاجئني وهو يذكّرني بما اكتب من قصائد وانطباعات وربما مفارقات في الكتابة والحياة ، ارتبطنا معا وكأنّأحدَنا مشيمةُ الاخر ، سبقته بالهروب من (الوطن) في لحظة افتقاد نادرة حيث تركته للتعتيم وانقطاع الطاقة ووحشة الاصدقاء وتعطل الحياة والمجهول الذي اعقب حرب الخليج الثانية التي خرجنا أحياء منها بالصدفة ، صدفة طويلة الامد حتى يومنا هذا ! فوجئت به يتصل على رقم سري خبأته عند ابي ، لااحد يتصل به سواه في الخارج ، لكن أبي الذي يحب كمال جدا ويعرف منزلته ، اعطاه الرقم وقال : ياكمال اذا وصلت الاردن : اتصل بحميد على هذا الرقم ولاتعطه لاحد ، اول كلمة اسمعها على الطرف الاخر ( ها ) قلت له قرر وانا معك ، موسكو اذن ثم هولندا ، ثم التقيه في شتاء 2001 مع الراحل العزيز كمال سبتي والعزيز باسم العزاوي في شقته الصغيرة وقلبه الكبير بامستردام …تلك الليلة لن تنسى ياكمال ، كل لقاء تولد قصائدنا ولوحاتنا من جديد.
لا اعرف عشقا لمدينة كما عرفت تعلق كمال خريش بالناصرية ، هذا اليساري الفنان المقيم في اوربا ، عنصري الى الناصرية لن يتخيل من يسمعه بانها اكثر مدن العالم حزنا وعذابا ، كانت ضحية لنزاع التيارات الفكرية الدينية والعلمانية طيلة تاريخها السياسي وكانت فريسة للاثنين حين حكموا البلاد.
قدرة كمال في تأويل الشعر الى اللون عجيبة ، يرسم وكأنه يسرق القصيدة ، ويستحوذ عليها ، ولعله رسم قصائدلشعراء بصيغة اعادة انتاج القصيدة ، ينحت الشعر على جسد اللوحة لكن رؤياه وخطوطه وايحاءاته تبتعلها لتلدها مرة اخرى .
مشكلتي مع كمال اليوم مختلفة ، لقد فقدت اصدقاء ثلموا من روحي الكثير ، افتقادات مختلفة التاثير ، كمال خريش الذي اودعني اسراره واودعته اشيائي العمر كله ، اربكني غيابه ، هناك مواضيع لا اجيد الحديث عنها مع سواه ، غادرني وكاننا استبدلنا حقائبنا عند معبر الوداع ، اشياؤه جميعها معي ، واشيائي تبتعد معه اسمع فحيحها وهو يبتعد ببطء الآن مثل صدى ياتي في النوم واليقظه بصور شتى .
اليوم ، تتحول لوحات كمال الى غابة غريبة ، بعد ان كانت اليفة تأخذني الى نفسي واهلي ومدينتي … مواقفه المشاكسه المعاكسة في تفسير الاحداث تفسيرا انتقاميا احيانا ، تحملني مسؤلية الندم نيابة عنه .. ندم الغائب ..ندم مشترك ، ندم لااعرف بالضبط على ماذا!! ، طيب لاشيء من ذلك كله يستحق الندم ، لنلغ صلاة الندم اذن..تخطيطاته ومشاريعنا المشتركه المتوقفة او الناقصة او القادمة لاتدلني عليه اليوم ، بل اعتبارا من يوم الجمعة 23/حزيران / 2017 . علي التفكير بشكل مختلف.. كي استعيدك .. ياكمال .. ياكمال …كيف استعيدك مع قلب ينبض … لا ، لايعنيك الان هذا الامر ربما .
غيابك ينتج البكاء ، فكيف اتذكرك اذن .. وكيف انساك .. وانا ذبيح اللحظة .. قناص الوهم ..ربما اجدك هناك يوما … ارسم معك كما انا الان .. لابعث هذه الكتابة دون قراءه او تنقيح … لا اريد ان اصحو او ابدو وكاني أعيدك من مرقدك بلا قلب .. كيف وانا ارى قلبك يستحيل الى متحف للخسائر . لقد ارهقته .. موعدي معك يخفق الان وضرباته منتظمة ، يقول الطبيب المعالج : ان موعدنا المقبل سليم ، يخفق بانتظام ، ولاتغيير في التقرير ..هناك مشكلة بين كمال خريش عبيد الخفاجي المولود عام 1957 في مدينة الناصرية ،.. الفنان التشكيلي المقيم في هولندا ، العائد بانتظام الى الناصرية – شارع عشرين ، المتزوج من السيدة ام (علي) ابنه الوحيد الذي عانا معه من ضعف البصر حتى جعله متفوقا …. وقلبه .. انتهت المشكلة الساعة الثامنة مساء يوم الجمعة 23/حزيران / 2017..بفراق بائن بين الاثنين ..
صديقي كمال ، إعذر قلبك ، انا معه الان .. تحدثت اليه قبل قليل ..خجل منك وغاضب عليك .. اعذره ياكمال ارجوكحيث لايعتب على قلبٍ يركض ساعيا بين الثأر و الجمال. لنتواصل.

المقال السابقبغداد.. لم ينسكِ التأريخ ولن ينساكِ العراقيون
المقال التالىالناس وحركة النقد الذاتي
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد