تشخيص وتدوين مسميات المضامين من قبل ألفنان – مكي عمران

 

من خلال المتابعة والإستقراء الفكري والتأملي لأعمال الفنان – د. مكي عمران – هنالك علامات أو عناوين إشارية تتم من خلال تشخيص المسميات لأعماله الفنية، والمقصود هنا ليس تشخيص المصادر التكوينية للأعمال، بطريقة مطابقة للتنفيذ التي تتطابق مع الأعمال الواقعية، وإنما المقصود هنا، تنويه توضيحي بإطلاق تسمياتها التي تختلف بين الواحدة والأخرى. . إن هذا الإيستنتاج ناجم عن المقارنة بينه وبين بعض الفنانين الآخرين، الذين تتداخل مصادر ومضامين الأعمال في المحصلة النهائية للرؤى والتشخيص. . لذلك يصعب فرز واحدة عن الأخرى، وإطلاق التسميات التي توائم محتوياتها الضمنية والشكلانية.

في المحتوى والبناء الإنشائي، فنجد هنالك صيغ موحدة في خلاصة الإظهار النصي والبصري، من الصعب تشخيص وعزل الواحدة عن الأخرى، تلك الحالات لايمكن تعميمها على الأغلبية، وإنما تتوافر بشكل عام في أساليب التجريد والحداثة، لأن مفردات ومصادر الواقعية متباينة في التمظهر الشكلاني لمحتوى العمل، ولكن في الوقت ذاته، فإن هنالك تباين عند ذوي أساليب الحداثة في تشابه الأعمال أو تباينها، لذلك نجد إن الفنان – مكي عمران – قد إنتبه إلى تلك الظرورات من التشخيص، وتجاوز المقتربات الغامرة لعموم الأعمال المنتمية لذات الإسلوب الموحد، تلك التجاوزات، أدخل عليها ثلاثة مسالك مهمة، أولا إختلاف مصادر العمل من أحداث وبيئة، ثانيا البنية الإنشائية والتكوينة لها، ثالثا تسمية الأعمال بما يلائم تباين المضامين لها، تلك السلوكيات تجعل المتأمل يخرج عن نطاق الرتابة والملل في التأمل، هذا الأمر يذكرني بفنان لديه أسلوب متشابه جدا في أعماله،

عند الافتتاح من قبل وزير الثقافة، نظر إلى الأعمال وتوقف عن الإستمرار في الدوران والمتابعة، فاستغرب ألفنان وسأله لماذا توقفت أستاذ؟ فأجابه بأنني شاهدت الأعمال جميعها من خلال أول عمل، إن أعمالك هي عمل واحد! ! تلك الأمور تجاوزها بوعي وإدراك دقيق الفنان – مكي عمران – مع من يماثلوه في نفس السلوكيات الواعية. . التي أتت من خلال الخوض بالتجارب المتجددة والمتفاعلة مع الإضافات التي تساهم في رفد صلابة وتميز نضوج المنجز الإبداعي التشكيلي، لقد أدرك بأن ألفن المعاصر برغم حرية التعبير والحركة والإيقاع والتوازن والسيادة، إلا إن هنالك شروط تتوافق مع الأسس البنائية للأعمال في التنفيذ الإنشائي . تجسدت تلك الإشارات والعناوين في معارضه السابقة والأخيرة في عمان قاعة الأندى، منها لوحة تتضمن أحداث تاريخية عريقة لوادي الرافدين، أطلق عليها تسمية المرحلة السومرية. .

وعمل آخر يتضمن طبيعة مجردة وعمل يتضمن عائلة وإسطورة فضلاً عن أعمال تم تنفيذها بصيغة تعبيرية تجريدية، أما في معرضه ( تحولات وأضاحي) المقام في قاعة سردم / السليمانية، تتضمن أثارات فاعلة وصاخبة تعكس أحداث متلاحقة ومثيرة إزاء مرحلة مابعد عام 2003، تتنوع تلك الأوجه من المحركات لهواجس الإثارة بصيغتها الافتعالية والتعبيرية. . بما يطابق نوع الحدث. . حيث هنالك عناوين تتضمن ( أطفال وأضاحي ) وعمل ( عيون أتعبها رمد الإنتظار ) وعمل يجسد مفهوم حالة الوطن بلوحة ( إنعتاق / متى الخلاص ياوطني؟ ) وعمل آخر ( أضاحي ) يتضمن الطير ورأس الإنسان، ترمز علاماتها الإشارية إلى علاقة الإنسان مع الطير الجانح في الأفق. . تلك الأعمال تتنوع فيها صيغ التعبير والبناء التكويني والحدث.

تلك المضامين الموضوعية المتراصفة مع الكوامن المؤلمة بتعبيرات مختلفة. .تحتاج إلى وقفة من التأمل والتحليل الإستنتاجي ، وتقصي كوامنه الجمالية المترافقة مع تراجيدية الأحداث. . إنها تقود إلى الصياغة النهائية للعمل الفني وما يسبقها من ميكانيزمات التفكير الابداعي, حيث ترفد الفنان – مكي عمران – عوامل منها تتعلق بمؤثرات المحيط للبيئة التي تصيغ نتائج الإختيار بما يتلائم مع مكونات روافدها الفاعلة في تحديد ملامح الوعي الإدراكي ومسارات النمو والتطور السايكو ثقافي للفنان, والبيئة العراقية تتميز بتنوع مفرداتها البصرية وتحولاتها الدراماتيكية باجوائها المتضادة في الفصول والمواسم وما يتعلق بالمحيط الإجتماعي من طقوس ومراسيم وعادات مما يجعل تلك النتاجات الفنية تتوائم مع الخيارات المعرفية والجمالية والتعبيرية ..

وتفعيل الثيمات الفكرية مكانا وزمانا مع المشتركات الحسية وإلادراكية للتفكير الجمعي والأستقلال التفردي الذي يحمله الفنان – مكي عمران – في الإختيار والتطبيق الأدائي عبر تجاوز الشروط المفترضة . تتلاءم تلك تلك المقتربات الفكرية مع المحيط والبيئة من خلال موائمة فهم وتأثير صيغة مسارات حدسية التفكير مع رؤيته الأسلوبية التي تسهل صيغ الأيصال إلى التلقي المستساغ .. يتم ذلك من خلال أكساب الأشكال والالوان نظمها الخاصة التي تفردها عن باقي التجارب الإبداعية في المشهد التشكيلي العراقي المعاصر, وهذا مايتطابق مع قول ألفنان – بابلو رويز بيكاسو ( الأشكال تتحول تبعا للافكار ) . وبالرغم من قولنا بإختلافات التمييز والمصادر والصيغ المظهرية للمحتويات والأشكال التي أشير لها من قبل ألفنان – مكي عمران – بالعنونة، إلا إن هنالك تأثيرات مقتربة ومشتركة تطغي على إسلوبية الفنانين الآخرين. .

تقترب تلك المشتركات بعوامل البيئة من مدينة بابل، ومزامنة الجيل، وإختيار الإسلوب الحداثي التي تتجسد في أعمال فنون الحداثة، الإنطباعية والتعبيرية والتجريدية وما بعد الحداثة كالفن الشعبي وفن التنصيب في الفضاء وفن الأرض, وبالرغم من تلك التنوعات التي أشرنا لها في صياغة التكوينات الفنية الإنشائية لديه، فإن مشتركات تجمع مع الفنانين من خلال تقارب البيئة البابلية، وكذلك المجايلة للآخرين، وإختيار الإسلوب الحداثي ، تلك العوامل توحد المقتربات الإنتاجية للفنانين، ولكن تتفرد في الفكر والمهارة، تكمن في داخل ألفنان – مكي عمران – طاقات منحبسة، تقيدها عوامل الأنشغال المهني التدريسي وإشرافه على رسائل البحوث والاطروحات، في زيادة الإنتاج وقيام معارض بما يتناسب مع طاقته المكبوتة، تنفجر وتجسد أكثر في الإنتاج حينما تتوافر عوامل التفرغ، كما حصل لدى العديد من الفنانين والأدباء والمثقفين، التي تصل بهم إلى النتاجات العملية والكتابات التنظيري. . بالرغم من كل ذلك لدى ألفنان – مكي عمران – معارض وندوات وأنشطة متتالية عبر سنواته الماضية والمعاصرة .

ألفنان – د.مكي عمران مواليد (19611 ) محافظة بابل : فنان تشكيلي وباحث أكاديمي, حصل على شهادة البكلوريوس عام 1983 والماجستير عام 1989 والدكتوراه عام 2000, خبير في مجال صيانة الأعمال الفنية والممتلكات الثقافية, عضو نقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيلين منذ عام 1982شغل منصب عضو الهيئة الادارية للجمعية لثلاث دورات متتالية منذ عام 1998, عضو رابطة الفنانين التشكيليين الدوليين 1995 ومؤسس جمعية الفن البيئي 2005 رئيس تحرير مجلة (نابو) للبحوث والدراسات الجمالية التي تصدرها كلية الفنون/جامعة بابل ومستشار في مجلات علمية اخرى, له 3 معارض شخصية وعدد كبير من المشاركات المحلية والإقليمية والدولية منذ عام 1977. نال العديد من الجوائز والشهادات التقديرية, يشغل حاليا منصب استاذ فن في كلية الفنون الجميلة / جامعة بابل .

شارك
المقال السابقمن ذاكرة وطن
المقال التالىصدى صمت
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد