العنف والإرهاب وما بينهما


 

غالباً ما يُطرح بُعيد كل عمل إرهابي السؤال عن العلاقة بين العنف والإرهاب، وهل كل عمل عنفي هو عمل إرهابي؟ وأين يمكن إدراج حقّ الدفاع عن النفس؟ وكيف السبيل للتحرر من شباك العنف وبالتالي الإفلات من شرنقة الإرهاب؟ ولأنّ الإرهاب يضرب في كلّ مكان، وهو في الأغلب الأعمّ يكون عشوائياً، فإنّ هدفه تهديد المجتمع وإرعاب الناس وإضعاف الثقة بالدولة وإعلاء شأن الجماعة الإرهابية، فذلك لأنّه لا ينشغل بالضحية، بل يرتكب عمله بقصد إلغائي، تدميري، في محاولة لفرض نمط «مختلف»، وسلوك «غريب» وحياة «غير مألوفة» لما هو سائد، وذلك بواسطة القوة والعنف، كما هو إرهاب تنظيم «داعش» مثلاً. ثمة فوارق أحياناً بين العنف والإرهاب، وإن كان كلاهما يشكّلان جريمة بالتجاوز على القانون، لكن معظم الجرائم التي تقوم بها القوى الإرهابية تتم ضدّ مجهول وفي قطاعات شعبية، لا علاقة لها بالصراع وبما يحدث، في حين أن العنف يستهدف الضحايا بالتحديد، أي أنه يختارهم اختياراً، لغرض محدّد. الإرهاب والعنف جريمتان تستهدفان ضحايا، لكن الجريمة الأولى هدفها يختلف عن الجريمة الثانية، فجريمة العنف تندرج تحت لواء القانون الجنائي ضدّ أفراد أو جهات محدّدة، في حين أن جرائم الإرهاب تُحتسب على الجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم جماعية وجرائم إبادة وتحكمها قواعد القانون الإنساني الدولي، إضافة إلى القوانين الوطنية.

وهنا لا ينبغي أن نهمل الجانب الفكري للإرهاب فهو يمثّل فكراً ناجماً عن تطرّف وهذا الأخير يقوم على التعصّب. وإذا كانت المجابهة مع الإرهاب عسكريّة فإنها لن تؤدّي إلى القضاء عليه لوحدها، بل ينبغي أن تتعدّاه إلى تفكيك الظاهرة ومتابعة حلقاتها وكشف أهدافها ووسائلها، ومحاربتها بفكر مضاد وبوسائل مختلفة، ف«الوسيلة جزء من الغاية»، بل إنهما مترابطان، ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، وعلى حدّ تعبير المهاتما غاندي، «الوسيلة والغاية مثل البذرة من الشجرة». وإذا كان الفكر الإرهابي أحاديّاً وإقصائيّاً ومعادياً للآخر، فإنّ الفكر النقيض الذي تحتاجه مجتمعاتنا ينبغي أن يقوم على الاعتراف بالآخر، والإقرار بالتعددية والتنوّع، وهذا يتطلّب نبذ التمييز بجميع أشكاله، سواء كان دينياً أو إثنياً أو بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو لأي سببٍ كان، أي الاعتراف بمبادىء المساواة. الإرهابي لا يؤمن بالحوار ويحاول أن يبسط سلطانه على محيطه بالقوة، وبدلاً من الإقناع يلتجئ إلى التفجير والمفخخات خارج أي اعتبار إنساني، طالما تتلبسه فكرة «امتلاك الحق» والسعي للوصول إلى هدفه بكل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة أحياناً، وقد تكون هذه الأخيرة بنظره مشروعة، طالما يحاول «أدلجة» سلوكه وإعطاء نفسه مبرّرات قمع الآخر أو تصفيته، سواء كان ذلك بزعم الدخول إلى الجنّة أو إبادة الخصم الكافر أو القضاء على المروق والإلحاد، أو غير ذلك من محاولات إخضاع الآخر. وإذا تمكّن التطرّف من التوغّل في العقول، والتغلغل فيها، فإنّه سيتمكّن ممّن يُصاب بلوثته، خصوصاً من تعرّض لعمليّة غسل دماغ لدرجة تعمي بصيرته وتشلّ مشاعره الإنسانية، ليقوم بفعلته، سواء بتفجير نفسه أو تفجير عدوّه أو خصمه، أو السعي لإذلاله والقضاء عليه. ولكن ما السبيل لقطع دابر الإرهاب؟ هل بالعنف أو بالقوة والوسائل العسكريّة ؟ التجارب أكّدت إن المعالجة الأمنية غير كافية لوحدها، لأن الإرهاب يتناسل ويتوالد إذا ما استمرّت الظروف المؤاتية لتناميه، إذ لا يمكن القضاء على الإرهاب إلاّ بنشر الفكر المعاكس والمضاد، وبالمزيد من احترام الحقوق والحرّيات واعتماد مبادئ المواطنة المتساوية وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية. لقد سمّم الإرهاب القائم على التطرّف والتكفير علاقات المجتمعات مع بعضها بعضاً، وأضرّ بعلاقات فئاتها وأديانها ومذاهبها وحتى أفرادها، مثلما أشبع المجتمعات الدولية بهواء ثقيل ورائحة كريهة، ولكن الخطر الأكبر هو السيطرة على عقول الشباب أفراداً وجماعات والعبث بها، خصوصاً بزراعة الكراهية وتبرير العدوان وإيجاد الذرائع لإقصاء الآخر واستسهال عمليات القتل والتفجير. وإذا كانت يد الإرهاب طويلة وضاربة، فليس ذلك بفعل الإمكانات المادية والاقتصادية فحسب، فمثلها بعشرات ومئات الأضعاف يوجد في العالم، لكن التطرّف والتكفير قوي بقدرته على اختراق عقول الشباب العاطل، الممسوس بكرامته والشاعر بشحّ فرص العيش الكريم وانعدام العدالة وعدم المساواة وحالات الإحباط واليأس التي يصاب بها.

لا تعليقات

اترك رد