كردستان العراق ، والكلام الذي لم يقال حول فلسفة المصير ؟! – ج٢


 

في عالم تلعب فيه الاوهام أحياناً دوراً اكبر مما تلعبه الحقائق ، فانه يتعين قبل المضي قدماً في دراسة الكيفية التي تطورت على اساسها مايمكن وصفها بالهوية الكردية في العراق ( اتخذ الامر صيرورة مختلفة الى حد كبير في كل من ايران وتركيا ) مناقشة بعض مما يبدو انه مسلمات شائعة لاتقبل المناقشة ، وأزعم انها بحاجة الى مناقشة ومراجعة دقيقة .

في العراق لم تواجه هوية الانتماء الكردي ما واجهته من صعوبات في بقية مناطق تواجد الاكراد في الأقطار المجاورة . لقد كانت الظروف العامة للبلاد ومنطلقات تعامل السلطة ونوعية التيارات القومية ذات التوجه اليساري الاشتراكي التي حكمت معظم الوقت في العراق منذ عام ١٩٥٨ وحتى الاحتلال الامريكي ، اثرها في إشاعة اجواء عامة كان من شأنها تيسير توجه الانتلجنسيا الكردية لنشر وتعميق مفاهيم القومية وهوية الانتماء الكردية . ازالت سياسات هذه الحكومات من جهة ، واجواء الانفتاح السياسي الشعبي التقدمي العائق الذي واجهته القضية المبدأية الاساسية السائدة في أقطار الجوار العراقي بالنسبة للأكراد ، اعني تحديداً الإنكار المبدأي لوجود قومية كردية . أُقرّ هذا المبداً في العراق منذ وقت مبكّر في العراق الجمهوري متزامناً مع برنامج تنمية شامل ، شمل تطوير المرافق الصناعية والسياحية وشق الطرق ، جعل المدن الكردية تستقطب أعداداً كبيرة من ابناء الريف الكردي وهي خطوة أساسية في بلورة اوضاع مؤاتية لتنمية الهوية القومية في اي مكان في العالم ، وبهذا تحقق للأكراد في العراق على المستويين الرسمي والشعبي مالم يكن متاحاً في أماكن اخرى { ومع ذلك يصر القوميون الاكراد على وصف التيارات القومية العربية بالشوفينية !! } .

في هذه المرحلة من المقالة اود تقديم بعض المعطيات الاساسية حول واقع المعطيات والعناصر الاساسية المكونة للشخصية والهوية الكردية ، اضافة لما ورد أعلاه ، لاغراض التمييز بين ماهو حقيقي وما هو موهوم ؛ الكثير مما هو موهوم في هذا الصدد كان ومازال موضع توظيف من قبل النخب القومية الكردية . لقد حظيت بعض الأساطير بقبول شعبي عام كما لو كانت حقيقة في الوقت الذي تشير فيه حقائق الانثروپولوجيا وعلوم اللغة والتاريخ الى كونها نظريات قدمت في مراحل مبكرة من جانب بعض الباحثين في مراحل مبكرة من الاهتمام الدولي بالشأن الكردي خاصة بعد الحرب العالمية الاولى وانتصار الثورة البلشڤية في دول الاتحاد السوڤيتي السابق ؛ كانت النظريات المبكرة التي أطلقت منذ ذلك الحين من قبل المستشرقين السوڤيت متاثرة بمواقف سياسية وأيديولوجية وهي تمثل في تفاصيلها اعادة صياغة لنظريات القرن التاسع عشر وما سبقه والمبنية أساساً على روايات تاريخية قديمة او انطباعات شخصية للرحالة والمستكشفين ؛ أعيدت صياغة هذه النظريات بما يناسب الظروف الدولية المستجدة وما تقتضيه الستراتيجية السوڤيتية من اضعاف للنفوذ البريطاني الغريم الاول على الساحة الدولية انذاك .

من ابرز هذه النظريات تلك التي تشير الى ان الاكراد في جملتهم هم امتداد للميديين وان هنالك جذراً مشتركاً للغات التي يتكلمها الاكراد . هذه ” النظريات ” شكلت الأساس للترويج لمفهوم ” الكردية ” – كرديتي – وكان من نتائج ترويجها ان اصبح هذا التوصيف يشمل مجموعات بشرية واقاليم جغرافية بما يجعل ” كردستان ” او بلاد الكرد ، وفق تصور البعض من القوميين الاكراد ، امبراطورية مترامية الأطراف لاوجود لها في اي وثائق تاريخية او مخلفات آثارية . ان اجواء معينة في الواقع السياسي العراقي وتوازناته في مراحل مختلفة ، خلال العهد الجمهوري ، وفر لمثل هذه التصورات سوقاً رائجة في العراق خلافاً للحال في أقطار الجوار . ان المشكلة في شيوع مثل هذه التصورات وترسخها في المخيلة الشعبية الكردية يجعلها عائقاً حقيقياً امام آية إمكانيات لتسويات مستقبلية مقبولة شعبياً لدى مختلف مكونات الشعب العراقي بما في ذلك الاكراد انفسهم .

من المهم ان نتأكد بشكل مسبق بان جزءاً اساسياً من قضية شعب وتطلعاته للمستقبل ونزوعه نحو التمسك بقضية تقرير مصيره قد بنيت حول مقولات ليست حقيقية بالمطلق كما يتم تصويرها الان ، بل ان جزءاً منها قد تمّ تصنيعه او كان ثمرة معلومات غير دقيقة او نظريات قديمة حول التاريخ ، وقد بانت للدارسين حقيقتها الان ، لكن سوق الافكار الشعبوية يعجّ بها . هذا النوع من تصنيع الافكار قد يكون بوابة تفتح على بحور من الدماء ، ومن اجل الحيلولة دون ذلك ودون المضي بالأوهام الى مايراد لها ، بسبب اعتبارات السياسة . لابد من تدقيق جميع “المقولات ” وإيضاح حقيقتها للجمهور قبل المضي قدماً في اي بحث .

القصة التي يتم الترويج لها الان هي ان الاكراد ، الذين يتم تقديمهم باعتبارهم امة كما لو كان امراً مقطوعاً به ، هم ورثة الأقوام التاريخية التي سكنت المنطقة قبل آية امة اخرى والتي يطلق عليها حالياً كردستان ( وفق الخرائط التي يتبناها القوميون الاكراد ) . انهم ، وفق الرواية ، احفاد الميديين بقدر ما انهم احفاد ” كوردو ” الذين ذكرهم المؤرخ اليوناني زينوفون ، وأنهم اصحاب تراث قديم ، وقد هيمنوا جغرافياً على منطقة شاسعة تشمل اجزاء واسعة من عدة أقطار مثل العراق وسوريا وايران وتركيا وأذربيجان وأقطار اخرى في ذات الجوار الجغرافي ، لكنهم لم يقدموا لنا اسم كيان سياسي او نواة كيان سياسي اختص به الاكراد في المنطقة ، ورغم ذلك فانهم يصرون على الرواية ؛ وقدر تعلق الامر بالعراق فان هذه الرواية هي مايقدمونه لتبرير مطالباتهم بما سمي ” المناطق المتنازع عليها ” ، ولا اعرف ان كان هنالك شيئ في سوابق القانون يعرف مثل هذا الوضع القانوني لاراضي وطنية في اي بلد بين مكونات شعبه ، باستثناء كونها تسويات لفظية في بلد تم تصميم وضعه الدستوري وفق موازنات سياسية ظرفية هشة للحيلولة دون قيام دولة قوية فيه لاعتبارات تتعلق بامن دول في المنطقة بعينها ومنها اسرائيل وايران والسعودية والكويت ، وهو سر مأساة العراق ؟! ، ويبرر الاكراد من معتنقي هذه النظرية عدم وجود أغلبية كردية واضحة في هذه المناطق بان ذلك يتعلق بالآثار التي تركتها سياسات التطهير العرقي التي مورست ضدهم رغم ان جميع الوثائق والسجلات التي سبقت مراحل التطهير العرقي المزعومة تؤكد انهم لم يكونوا أغلبية في هذه المناطق ، فضلاً ان حالات مايسمى بالتطهير العرقي الموثقة من قبل السلطات الرسمية باعتبارها ترحيل مؤقت لاعتبارات أمنية ، لم تشر الى حصول مثل هذا التطهير في اغلب المناطق التي يدرجها الاكراد باعتبارها مناطق متنازع عليها .

ان التاريخ يروي لنا قصة اخرى وهي قصة لاتمس باي شكل من الأشكال حقيقة وجود إثنية مميزة اسمها الاكراد رغم ان ذلك لايقود وبشكل آلي الى الاستنتاج بان هنالك امة كردية ، لان وجود امة من مجموعة بشرية له شروطه ولو دققنا واقع الاكراد في مختلف أقطار وجودهم لاكتشفنا ان من ينطبق عليه تسمية كردي ليسوا جميع الاكراد المزعومين حالياً ، وان هذه الكتلة السديمية المنتشرة على عدة أقطار ليست كتلة متجانسة ولايسودها الحد الأدنى من المتطلبات التي تستدعيها تسمية امة .

وفقاً لباحثين متخصصين في الشأن الكردي فان هنالك كتلة في قلب ” الاثنية ” المفترضة التي نطلق عليها تسمية الاكراد التي يمكن وصفها بانها ” مجموعة بشرية كردية بشكل مؤكد ودون اي غموض ” ، وعلى أطراف هذه الاثنية الكردية الواضحة هنالك مجاميع تشير سماتها الاثنية الى نوع من التشويش وعدم الوضوح بشان صلتها الاثنية العضوية بالكتلة في القلب وهي تعتبر ” الكردية ” واحداً من بين خيارات انتماء اخرى . وحتى في الكتلة التي تمثل القلب هنالك قدر من التشويش بشأن الانتماء الأساس مثل الانتماء الى قرية محددة او لعشيرة محددة او لمنطقة او للغة او طائفة دينية او طريقة صوفية ، وهي ولاءات فرعية ظلت تعلو على الولاء للاثنية الكردية العامة لفترة طويلة وما زالت في ايران وتركيا بشكل خاص ونلمس بعض اثارها في العراق ، وهي من مخلفات الاقطاع العشائري الذي لم يستطع الاكراد التخلص منه حتى اليوم ، وهو الحائل الأساس دون نضوج هذه الكتلة البشرية الى واقع امة .

هذا التوسع في إطلاق صفة كردي له سياقه التاريخي الخاص الذي لم يعد قائماً ، باستثناء الترويج الحماسي الشعبوي ، في ظل تطور المعرفة في نواحٍ مختلفة في علم الأجناس وعلوم اللغويات وعلم التاريخ ذاته .

منذ القرن السادس عشر بدأ الكتاب والمؤلفون العثمانيون بإطلاق صفة كردي على جميع سكان المنطقة الواقعة شرق اسيا الصغرى ومنطقة زاغروس ، البدو منهم او المستقرين . وفعلت ذات الشيء سلطات فارس بحيث اصبحت الصفة تطلق على كل سكان هذه المنطقة الذين لايتكلمون احدى اللغات الثلاث التركية او الفارسية او العربية . والواقع ان المنطقة ضمت اقوام شتى ويتكلمون لغات متنوعة وقد وقع في سوء الفهم هذا احد اهم الذين تخصصوا منذ وقت مبكّر في شؤون الاكراد وهو المستشرق الروسي الكبير ڤلاديمير مينورسكي الذي اعتبر الاكراد ورثة الميديين وأنهم يتكلمون لهجات من لغة واحدة ، وهو مالاقي هوى في نفوس القوميين الاكراد الذين روجوا له باعتباره الأساس العلمي القاطع لمذهبهم القومي . لقد جرى الترويج كثيراً لنظريات مينورسكي خلال الحقبة السوفيتية وخاصة في مرحلة مابين الحربين العالميتين وكان الاتحاد السوڤيتي يبحث خلالها عن حلفاء في المناطق المجاورة له والتي كانت تخضع لنفوذ غريمه الاول انذاك وهي بريطانيا ، لذلك اعتبر هذه الكتلة البشرية كتلة قومية وانها تستحق التخلص من الاستعمار البريطاني على اساس حق الشعوب في تقرير مصيرها الذي بدأ الحديث فيه منذ اوائل العشرينات . روجت للفكرة ايضاً على المستوى المحلي الاحزاب الشيوعية الناشئة في المنطقة وعلى ذات الأسس وكانت تتم دعوة ممثلين عن سكان هذه المناطق للمشاركة في نشاطات الحركة الشيوعية الدولية بصفتهم القومية الكردية ، وكان لذلك انعكاس واقعي على الارض في اعلان تأسيس دولة كردية مستقلة بعد الحرب العالمية الثانية وهي جمهورية مهاباد في شمال ايران الذي كان واقعاً تحت الاحتلال السوڤيتي خلال الحرب .

يذهب علماء غربيون معاصرون الى اتجاه مخالف بعد إجراءهم دراسات مستفيضة لأطروحات مينورسكي . وفقاً لعلاّمة اللغويات الايرانية الپروفيسور ديڤيد نيل ماكنزي فان هنالك القليل من الخصائص المشتركة بين ” اللهجات ” التي يتكلمها الاكراد وهي ذات الخصائص ، وبذات القدر من الأهمية ، والتي تميز هذه اللهجات عن بقية اللغات الايرانية ، كذلك يرى مكنزي ان اللغة التي يتكلمها الاكراد في قلب هذا السديم الكردي تختلف في العديد من السمات الرئيسية عن الميدية . هنالك أصول لغوية مختلفة وهنا تتم الإشارة الى الكرمانجية والسورانية والغورانية وتسميات اخرى اقل أهمية ، ويخلص مكنزي الى ان من الصعب الحديث عن أصول عرقية مشتركة او أصول ثقافية مشتركة لمن نطلق عليهم الاكراد حالياً .

من المتفق عليه حالياً في دراسات فقه القومية ان الأصول العرقية او الثقافية ليست هي العناصر الحاسمة الوحيدة في تقرير وجود امة في أطار تعريفنا لمجموعة إنسانية معينة ، الا انهما عاملان على قدر كبير من الأهمية في إطار عملية التعبئة القومية وعندما يتم تفكيك أحجيتها فإنهما يفقدان الكثير من التأثير ، ويعتمد الامر في نهاية المطاف على طبيعة التطور السياسي الداخلي والاقليمي في المنطقة ، وهذا مانلمسه عند مقارنة وضع الاكراد بين الأقطار الرئيسية الأربع التي تضم كتل كردية كبيرة وهي ايران وتركيا وسوريا والعراق ؛ ولان موضوعنا هو العراق فسنتابع قضية تطور نمو مايمكن تسميته الوعي القومي الكردي في بعض اوساط الاكراد ، وخاصة من سكان المدن ، والعوامل التي حكمت هذا التطور ودور القوى الدولية والإقليمية لتأسيس مايمكن وصفه ” القضية الكردية ” التي يبدو انها تجتاح العراق بزخم لانلمس له مثيلاً من ناحية المحتوى او الاتجاهات في أقطار الجوار التي تضم اكراداً .

هذه الروايات صارت المادة السائدة في الادبيات الشعبية والاكاديمية الكردية في العراق وتم توظيفها ، من بين امور اخرى ، لتعبئة الرأي العام في اقليم الحكم الذاتي بل اصبحت المبرر الذي تم بموجبه تسويق قضية الاستحواذ من جانب واحد فيما يشبه الاحتلال لمناطق تسمى ” المتنازع عليها ” رغم ان بحوث الانثروپولوجيا الحديثة والتاريخ الموثق يكذب آية حقوق كردية مسلم بها دون نقاش عليها ، بل ان هوية الاكراد ذاتها اصبحت موضع نقاش لكن طبول السياسة والدعاية السياسية صارت تصم الاذان يضاف لها التواطؤ السياسي لبعض أطراف مايسمى بالعملية السياسية من اجل مكاسب طائفية او حزبية على حساب الهوية الوطنية العراقية ووحدة تراب الوطن العراقي التي كرستها حقائق التاريخ والجغرافيا على مطار التاريخ ، ناهيك عن التأثير الاسرائيلي والايراني والخليجي .

هذا ماتوضحه مراجعة متأنية لتطورات الموضوع الكردي بعد عام ١٩٥٨ في العراق وهو موضوعنا القادم .

( يتبع )

لا تعليقات

اترك رد