شوق


 
(اللوحة للفنانة رانية العامودي)

ما زالت علبتي البريديّة تضجّ من الفراغ، تأمل أن تلتقي بحروفكِ وكلماتكِ، همساتكِ ومداعباتكِ، واقعكِ وذكرياتكِ فقد طال الفراق، طال البحث، وما زلتِ أنتِ أنتِ الحلم والشّوق والجنون.

طوال ليلة الأمس وأنا أستعيد سِفر الذّكريات، لا شيء يشفي غليل الشّوق، أحلم بلقاء جديد، أستعيد الحروف الخمسة وعبق ياسمين، جنون شوق لم يفارقني، أحاديث وقصاصات ورق، جنون الهواء الطّلق.. كنّا معًا كنبتة ياسمين، تذوب في ذاتها براءة وعبقًا وشذى، أشتاق أكثر، أحلم أكثر، فيتراكم حبي في الدروب والطرقات، كياسمينة هوى “يتعربش” على الحيطان.

هي الوحدة مع الذات، التوحد مع ذاكرة هوى، الجوس في تلافيف ذاكرة ربما أصبحت منسيا في ذاكرتك، أو إجتاحها هوى آخر، فمن يضمن أن لا تتقلب القلوب بعد طول غياب، بعد أن يتراكم غبار الزمن على جدرانها ودهاليز الذاكرة.

وأصدقائي كانوا في صومعتي، يؤنسون وحدتي، لكنّ ذكراكِ كانت تجتاحني بقوّة، فما إن خرجوا حتّى كنت أجوس الطّرقات وحيدًا إلاّ من ذكراكِ،كان الجوّ غريبًا، قطرات متساقطة من المطر رغم ارتفاع حرارة الجوّ، فأيّار نهاية الرّبيع ونافذة إطلالة الصّيف، لم نعتد فيه تساقط المطر الذي يودّعنا عادةً في نيسان، مع هذا كانت قطرات ناعمة وممتعة، سرت ثمانية كيلومترات أو أكثر، حتّى عدت منهكًا، فأنعشت جسدي بالماء البارد ونمت وأنا أستعيد سِفر الذّكريات.

في الخامسة صباحًا كنت قد صحوت كالمعتاد لصلاة الفجر، بعدها عدت للنّوم فقد كنت أشعر بتعب متراكم منعني من المغادرة لمعانقة دروب رام الله. وحين صحوت لجأت إلى قلمي لأخطّ طيفًا متمرّدًا جديدًا، أحَلّق وحيدًا والتّحليق بجناح واحد يورث الألم.

الجمعة اليوم عطلتي الأسبوعيّة، أبدأ بطقوس هذا اليوم المعتادة، أهمّها ممارسة شوقي إليكِ؛ وحيد أنا وشوقي بركان ملتهب، أشتاقك وأشتاق ذلك الشاطئ المهجور على حافة محيط الصّمت، حيث التقيتك أوّل مرّة.. وافترقنا.

* من كتاب أطياف متمردة للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات/ الأردن

1 تعليقك

  1. ابداع لا مثيل له في السرد والوصف ،الشعور الصادق الذي صور الم الفراق ومصاعب الشعور بالوحده ،تعود لطيفك الحنون ،التعب الذي منعك من الخروج لمدينه رام الله التي بينك و بينها عشق خالد لم تنساك و هي وحبها الصادق لك و لأمثالك هو الدافع الذي جعلك تمسك بقلمك و تخط اجمل الكلام ،و جناحاك يا استاذي الفاضل سيبقيا يرفرفان في سماء رام الله وفلسطين و في سماء ارض العرب الجميلة الحنونه الخالده ،أعزك الله و طيب خطاك و أهداك الصحه والعافيه والسعاده الابديه ،امين Hala Manasra

اترك رد