العقلانية والمنهج العلمي وكيفية مواجهة الإرهاب وإنهائه


 

عندما نحلل ونبحث في ماهية أية ظاهرة خاصة أو عامة، بهدف فهمها ووعيها من الداخل، ومن ثم محاولة البحث الجدي عن حلول لمعالجتها، لا بد أولاً من تشخيصها بشكل عقلاني صحيح، من خلال اتباع منهجية التحليل العلمي الدقيق، بأسسه ومعاييره الصلبة، ومعرفة أسباب ظهورها، والعناصر التي تمدها بالقوة، والمناخ الذي يسهم في استمراريتها وربما ديمومتها، ومن ثم تحديد الأسس والقواعد والعناصر اللازمة لمعالجتها..

والمنهج العلمي العقلاني الرصين، يقوم –من وجهة نظرنا- على الركائز المهمة التالية، التي لا تكتمل أية نتيجة إلا بها:
1-التحرر من الخوف والاتباعية والامعية واستلاب الذات.
2-التجرد عن الهوى ودوافع الذات، والتحلي –قدر المستطاع- بالموضوعية والحيادية.
3-الجرأة والشجاعة والحكمة، وتسمية الأشياء بمسمياتها وكما هي في الحقيقة والواقع.

وهذا ما نحاول الالتزام به –من موقعنا كمفكرين ومتعاطين بالشأن العام- في معالجتنا لكثير من القضايا والمواقف والأحداث والتحولات المهمة التي نمر بها في مجتمعاتن وبلداننا وعالمنا المعاصر الذي يضج بكثير من التحديات المصيرية التي تهمّنا، وربما تضرّنا، ولم يعد مجدياً، تناسيها واستغفالها، فنحن في قلب الحدث، نتأثر به سلباً أم إيجاباً.. والمشكلات قد تطرق بيوتنا، حتى لو أغلقنا الأبواب وأوصدناها في وجوهها..

ومن أبرز تلك التحديات والمشكلات، تحدي العنف والإرهاب، وتحدي دول الاستبداد التي أفرزت واقعاً مفككاً ومشتتاً، واقعاً تهيمن عليه اليوم قوى الفوضى والانقسام.

ولم يعد من المجدي توجيه وتحميل الخارج فقط، مسؤولية تلك الأزمات والانقسامات.. فأسسَ وعوامل تفجُّر مجتمعاتنا اليوم (مجتمعات العرب)، هي أسس وعوامل داخلية قبل أن تكون خارجية.. نعم الخارج يستثمر في دواخلنا وثغراتنا ونقائصنا، ويراكم في منطقتنا العربية الكثير من المشكلات والأزمات، رغم أنها أصلاً منطقة حبلى ومتخمة بالأزمات الوجودية.. فحكوماتنا العربية عموماً أخفقت -بالمحصلة الإجمالية طبعاً- في بناء مجتمعات منظّمة ودول مستقرة، وفشلت -على وجه الخصوص- في بناء اقتصاداتٍ ناجعة وفعالة قادرة على تقديم فرص العمل لملايين الشباب المفتقرين أكثر فأكثر للتأهيل والقابلية الحقيقية للعمل المهاري والنوعي.

واليوم، بعد مرور سنوات على اندلاع ثورات العرب الربيعية التي أضحت شتاءات الثورات العربية القارسة (والتي كان يأمل العرب لو أنها كانت ثورات حقيقية للحرية والديمقراطية والتغيير المدني السلمي، لولا الانقلاب عليها، والتلاعب بها من قبل الغرب النفعي وقوى الدولة العربية العميقة).. أقول، بعد ما جرى، بتنا كما يقال (على الأرض يا حكم)، في مواجهة واقع عربي سياسي واجتماعي متفسخ ومتحلل.. ونعيش في ظل مجتمعاتٌ مفكّكةٌ ودول قهرية لن تتوقف عن رمي حطامها على بعضها بعضاً وعلى بلدان أخرى، وإثارة المشكلات والقلاقل والاضطرابات فيها.. وأما الحلول فلا أحد يدعي القبض عليها، طالما أن لعبة الخوف والمصائر المجهولة هي السائدة..!!

وأما نغمة العنف والأصولية والإرهاب.. فلا يمكن هزيمة هذه الظواهر، ولا يمكن دحر فكر التطرّف ومحاصرته، وتحصين المجتمعات وجيل الشباب والشابات من تداعياته وآثاره وفكره الشيطاني، إلاّ بفهم منهجي صحيح وعقلاني عميق للظاهرة، يقدم (هذا الفهم) رؤية ورواية مقنعة بديلة عن الفهم النخبوي السائد عن تلك التحديات، وهو فهم رسمي قاصر وناقص يركز المؤمنون به على نتائج المشكلة مع تناسي شبه كامل لدوافعها ومسبباتها التي أسهموا هم في تفجرها وإيجادها من خلال تعميم ثقافة الفساد والكراهية والتمييز وسياسات التسلط والظلم والمعمم..!!.

من هنا اعتقادي أن هذه الدعاية القائمة على شيطنة هذا الفكر والتركيز على آثاره التدميرية دون البحث الجدي العملي عن الحلول السياسة والاجتماعية والاقتصادية الحقيقية (المتمثلة في التنمية والحقوق) ستؤدي -لا محالة- إلى نتائج عكسية.. فلا حلول قادمة، وإنما هو اجترار للمشكلة (التعلاب بها واستثمارها واستخدامها واستغلاله للبقاء والهيمنة)، مع بقاء الإرهاب ببقاء أسبابه، وتفجره بين كل وقت وآخر….!!

لا تعليقات

اترك رد