للّهو أم للتاريخ؟ “تساؤلات”


 

تساءلتُ وأنا أسيرُ في شارعِ المتنبّي ونهري الكتبِ الذين يجريانِ عن يميني ويساري: “أينَ كانَ هؤلاء المؤلفين في سبعيناتِ وثمانينات وتسعينات القرن المنصرم؟ لم أصبحَ هناكَ هوسٌ في الطباعةِ بلا رقيبٍ يسألُ الكاتب عن جدوى هذا النتاج أو مدى انسجامهِ مع موضوعته؟
الناظرُ إلى الكمِّ الهائلِ من النتاجِ المطبوعِ عربيا وتحديدا في مجالي الشعر والرواية سيتبادرُ إلى ذهنهِ أنّ مستوى الوعي الأدبي بلغَ مراحلَ مهمةً في تنوّعِ الأذواقِ والمشاربِ، وان المؤلفين لهكذا أعمال هم نخبٌ مثقفةٌ ارتقت مدارجَ الوعي الأدبي في طريقِ الإبداعِ سيرًا طبيعيا، لكن وباستقراءِ مجموعةٍ من هذهِ الأعمالِ والاطلاع على أخرى سنصاب بالإحباطِ قطعا، إذ انّ الكثيرَ مما يكتبُ لا يتكئُ على محدداتِ وشرطِ الكتابةِ الإبداعيةِ التي يرادُ منها –على أقلِ تقدير- ان تحافظَ على مستوى معينٍ من الفنيّةِ التي تكتبُ بها الروايات أو المجاميع القصصية أو الشعرية، إذ اصبحَ البابُ مفتوحا في المطابعِ لاستقبالِ أي وريقاتِ تعنونُ بـ(رواية، قصص، شعر، نصوص) لا تحتوي على ما يثيرُ عندَ الآخرينَ سوى جودةِ الطباعة وجماليةِ الغلاف ليقفَ القارئ أمام هذا النتاج العشوائي حائرا هل من المعقولِ أن نمتلك هذا العدد من الروائيينَ أو الشعراء ولا نستطيع إحداث تغيير إيجابي في المجتمع؟
إذ ليستْ الغاية من طبعِ الكتبِ المتنوعةِ الاختصاصاتِ هو وضعُ الاسم على الغلاف، من دونِ أن نلتفتْ إلى جودة المحتوى وتميّزهِ، لنقولَ في المحافلِ أن لدينا كتابًا مطبوعًا من دون أن يكونَ فيهِ تجربة نقدمها غير مستنسخةٍ من تجاربِ الآخرين، أو ديوانًا شعريًا ليسَ فيهِ حشو ورصف كلماتٍ لا تمثّلُ رؤيةً في الحياةِ ورسالةً حقيقيةً نقدّمها بأسلوبٍ ناضج، في وقتٍ أصبحَ طبعُ كتابٍ معينٍ لا يكلّفُ إلا مبلغاً من المالِ وبعدها يرمى على رفّ إحدى المكتباتِ ليسَ فيهِ ما يثيرُ شهرة القراءةِ أو صدمةً للقارئ.
هل فكّرنا أن كلّ ورقةٍ نكتبها هي مسؤولية فكرية وثقافية للتاريخ قبل أن تكون متعةً لقارئ محاولينَ أن نكتبَ ما يستحسنهُ حتى وأن – كما البعض- أنزلَ كتابتهُ إلى مستوى الجمهور، وهل فكرنا أن كل نتاج يطبع هو مرحلة يجب أن لا نستمرّ على إثرها وفي ظلالها بل نجعلها انطلاقة لمساحاتٍ فكرية ومعرفية وأدبية وصلنا إليها ويجب أن نطوّر أنفسنا بأكثر مما وصلنا إليه غير ملتفتين لكلمة إعجاب من هذا وذاك، ولا نلقي بعصى الترحال في طريقِ المعرفةِ والعطاء عند أول محطّة تصادفنا مستسلمينَ لإغرائها؟ أم هو مجرّدُ إرضاء الـ(أنا) وهوس أن يكون لدينا (مجموعة) مؤلفاتٍ سوف لا يتذكر منها الجيل اللاحقِ شيئاً لأنها مجرّد أغلفةٍ ملوّنةٍ لمحتوى طبعَ على حينِ فورة!!
إنَّ ذلكَ الأمر أوجد لنا (شعراء وروائيين) ثقافتهم في مجالهم تكاد تكون معدومة، فاطلاعهم هو اطلاعٌ معاصر على مجموعة من المؤلفات أثرت فيهم فأحبوا أن يكتبوا على شاكلتها بمدى ما أثرت في أنفسهم فكان أولئك أشبه ما يكونون بـ(فخاخ) أدبية استدرجت مجموعة من المبتدئين وبدافع من أصدقاء مجاملين ونقاد لم يأخذوا دورهم الحقيقي ظهر لنا جيل يرى في نفسه الريادة في ساحة أدبية هشّة فصاروا مصداقا لقولي صفيّ الدين الحلي:
إنّ الزرازيرَ لمّا قامَ قائمُها ** تَوَهّمَتْ أنّها صارَتْ شَواهينا
أمّا في الشعرِ هناك لغة جديدة أصبحت متداولة والسيء فيها هو مقبوليتها عند الكثيرين وهي النشر تحت لافتة الكتابة بإحساس حتى وإن كانت من دون ضوابط وموضوعية وعندما يسأل الكاتب يقول عن نفسه أنه ليست بشاعر، لكنه ينتشي بهذا اللقب ويعتلي منصات الشعر في المحفل، ويصبح ما يكتبون من هذيان أديبة إشكالية ترفع لها قبّعات النقاد ويشمّر بعض الأدباء-إن جاز التعبير للوصْفيْن- السواعد لبرهان إن ما يكتبونَ هو شعرٌ تحت جريرة اسمها(النثر)، وقرأت في مكان عن (ساندي إبراهيم) وهو اسم لشاب أصبح يسرق من هنا وهناك ويكتب الخواطر فأصبح اسمها تتهافت عليه المواقع والدعوات فعلها ليثبت غياب الوعي عن الساحة الأدبية أمام الطارئات، والحال ينطبق على مراهقي الكتابة أيضاً وبما أن هؤلاء الطارئين والطارئات قد استحصلوا على حصانة من يصفّق لهم فأن سطوهم على نتاج الغير يصبح أيسر لأنهم بكلّ وضوح عديمي التجربة..
حينما صار الاهتمام بالكم مقابل النوع، وسرعة الانتاج مقابل الجودة والقيمة فقدنا المتلقي، وحين أسيء استخدام النثر تلاشت الذائقة حتى أصبحت المحافل الأدبية عبارة عن شعراء يقرأون لبعضهم في ظل غياب المتلقي التقليدي، وفي ظل هذه الفوضى انحسر دور الناقد الحقيقي الذي نفض غبار الكثير عن كاهلهِ وأصبح ينتقي بصعوبة كبيرة الدرّة النقيّة من بين مئات وآلاف الحصى، لكنه بذلك كان جباناً حقيقياً إذ سمح لهذا الانحدار بالتنامي ولم يقف موقفاً مبدأياً أو إرشادياً ضد هذا التماهي مع هذا الكم من المطبوعات التي يغلب عليها فوضى الكتابة…
ولا يشعر في الحقيقة الغالب الأعم من الأدباء والشعراء أو من أخذهم هوس طباعة الكتيبات بهذه المسؤولية قطعاً، وإلا أصبحت أهميّة المطبوع نادرة تتكفلها دور النشر والمؤسسات الأكاديمية من دون دفع تلك الأجور التي أصبحت بمتناول الجميع، الأمر الأهم الذي يجب معالجته هو خلو الساحة من الرقابة الفكريّة من قبل الدولة فأصبح(رقم الإيداع) رقماً لا تصريحاً بمقبولية ذلك الكتاب المطبوع الذي سيتحول بمرور الوقت إلى غلاف أنيق مركون على أحد الرفوف من غير قيمة فكرية أو علمية سوى أن الكاتب وجد لنفسه متسعاً للكتابة بما شاء بلا أساس ثقافي أو فكري مع مبلغ ماليّ يطبع به ذلك النتاج، وفي موضوعي هذا لا أدّعي أن تكون طباعة الكتب هي للتجارب الإبداعية فقط فهذا من المحال ولكن على الأقل أن يكون المطبوع مستوفياً لشروط الكتابة سواء في الشعر أو النقد أو الفكر وغيره من العلوم الأخرى.

لا تعليقات

اترك رد