هل يمثل محمد بن سلمان فاتحة خير أم كارثة على المملكة العربية السعودية ؟


 

مما لاشك فيه, أن العوامل الداخلية والخليجية والدولية لعبت دورا حاسما في رسم المشهد السعودي اليوم. فتعيين الأمير محمد بن سلمان لمنصب ولي العهد , محل ابن عمه الأمير محمد بن نايف , كان متوقعا منذ فترة لمن يتابعون الشأن السعودي ومن الصعب أن يكون بمنأى عن البيت الأبيض , اذ نص المرسوم الملكي , الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية أخيرا , “على اختيار صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود وليا للعهد وتعيين سموه نائبا لرئيس مجلس الوزراء مع استمراره وزيرا للدفاع ” مضيفا أنه ” تقرر أيضا اعفاء الأمير محمد بن نايف من منصبه كرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ” .

وتجئ هذه التغييرات في وقت اضطرابات تشهدها المنطقة ولم يسبقها مثيل , في خضم الأزمة القطرية الخليجية وبعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية . فهل كانت عملية صعود الأمير محمد بن سلمان منظمة ومرتبة حسب استراتيجيات القوة الناعمة ؟ وهل يمثل الولي العهد الجديد فرصة حقيقية لاجراء نهضة داخل المملكة أم قد يتحول الى أزمة محفوفة بمخاطر داخلية وخارجية وصراعات عنيفة ,قد تتخطى الخطوط الحمراء , وكفيلة باغراق السفينة بقبطانها ؟

من الثابت أن العاهل السعودي مهد الطريق لصعود ابنه محمد بن سلمان الى كرسي ولاية العهد , رغم كونه الرجل الثالث في المملكة بعد الملك وولي عهده الأمير محمد بن نايف , ذلك الرجل القوي الذي يشغل منصب وزير الداخلية , وهو قائد أمني مخضرم قاد الحملة السعودية ضد تنظيمي الدولة الاسلامية والقاعدة ,ومدعوما من المخابرات المركزية الأمريكية والدولة العميقة في واشنطن . وفي الوقت التي تواجه فيه الرياض توترا مع ايران وقطر وتخوض حربا في اليمن , يمنح لشاب بالغ من العمر 32 عاما سلطات واسعة وفي أيد لم تختبر نسبيا !

ولقد أعتمد هذا المخطط في كثير من مراحله على استراتيجيات القوة الناعمة , حيث تجسد في العديد من القرارات منها مغازلة السعوديين بالتمديد في اجازة عيد الفطر الى يوم 14 شوال أي جعلها 24يوما , وهي سابقة تاريخية , وبصرف كافة البدلات والمتأخرات المالية والمكافآت الى موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين والتي قد استقطعت سابقا في اطار الاجراءات التقشفية في المملكة , وبتفعيل سبل مكافحة الفساد ولأول مرة في تاريخ المملكة يتم اعفاء وزير من منصبه وتقديمه للمحاكمة ( وزير الخدمة المدنية خالد العرج), وهي رسالة قوية للفاسدين , قوبلت بترحاب كبير من المجتمع السعودي . وبالتالي يعد تعيين الأمير محمد بن سلمان فاتحة خير على جميع المواطنين وكذلك على الرئيس الأمريكي الجديد ترامب , الذي نجح في الحصول على صفقات تتجاوز 400 مليار دولار خلال زيارته الأخيرة ومباركا لهذا التعيين رغم بعض تحفظات واشنطن على قرارات الأمير المتسرعة وقلة خبرته !!! فهل يمثل هذا التغيير الملكي فرصة لاجراء نهضة داخل المملكة أم أن هذا الشاب لن يستطيع أن يمسك بالزمام في وقت تشهد فيه منطقة الخليج أزمة كبيرة على خلفية قطع العلاقات مع قطر , وأن مصير المملكة صار في مهب الريح بسبب قلة خبرته ؟

من المؤكد أن ما حدث في السعودية له علاقة بطريقة أو بأخرى بقرارات البيت الأبيض , خصوصا بعد اختيار ترامب للأمير محمد بن سلمان كأول مسؤول خليجي يلتقي به , وتعد دعوة ترامب له لزيارة واشنطن بمثابة التمهيد لتسليمه العرش في السعودية والتخلي عن محمد بن نايف “أمير مكافحة الارهاب ” والذي يعد الحليف الاستراتيجي ومحل ثقة واحترام لدى نظرائه الأمريكيين , الا أن هذا الأخير حسم أمره خاصة بعد قمة الرياض ,ولن يتجرأ على الاعتراض بعدما تيقن بأن الأمريكيين هم المقررون الأوائل في هذا الملف من خلال صفقة محمد بن سلمان للوصول الى العرش والمسماة ب “رؤية 2030” وملحقاتها من صفقات تسليح وجعل المملكة مثل الامارات المتحدة بناصحات سحاب واقتصاد السوق الحر , ما يعني أنه لم يعد أمام ابن نايف الا القبول بالأمر الواقع وبخذلان الأمريكيين له وتنكرهم لكل جهوده الى سلفهم في “الحرب على الارهاب” . وما ارتياح بن نايف وقوله لابن سلمان ” أنا الآن برتاح وأنت الله ايعينك ” الا دليل على أن الأمير الشاب ورث مملكة مفخخة ! فهل هذا الصعود سيتحول الى أزمة حقيقية محفوفة بجملة من المخاطر الداخلية والخارجية ؟
لا محالة وحسب تجارب التاريخ , قد يستتبع صعود ابن سلمان تنازل والده عن العرش وتنصيبه ملكا للسعودية في الأيام القليلة القادمة , وهذا ربما سيخلق أزمة كبيرة داخل أروقة الأسرة الحاكمة , قد تتحول الى كارثة في المستقبل تنذر بحرب شعواء , يتنافس ويتصارع فيها الجميع للوصول الى منصب ولي العهد وولي ولي العهد , فالكل سيطمحون للمنصب بمقتضى القانون الجديد, ومن المحتمل أن تدخل عائلة آل سعود فترة من عدم اليقين لم تشهدها العائلة منذالعام 1965 وعزل الملك سعود . كما أن مسلسل العداوات تجاه السياسة الجديدة لولي العهد الجديد , لن يتوقف عند باقي أجنحة آل سعود المقصاة من السلطة وتكن حقدا للجناح السلماني , بل سيشمل الجناح الوهابي المتشدد وما ينتظره من اقصاء وتهميش في ظل مشروع الاصلاحات التي يقودها ولي العهد الجديد , لتغيير هوية المملكة الثقافية وصورتها وفق النسق المرضى عنه أمريكيا , وذلك بالتخلي عن الوجه المتزمت للمملكة ودور المؤسسة الدينية فيها وكف يد “هيئة الأمر بالمعروف ” .

اضافة الى ذلك لا ننسى أن الشرق الأوسط يمر بنقطة انعطاف خطيرة , مع تسبب الحروب الأهلية والارهاب في تمزيق البلدان . ومع تراجع الدور المصري في المنطقة , باتت السعودية القوة المؤثرة , لكن في ظل ما تشهده المملكة في هذه الفترة من تصعيد في التوتر مع ايران والحرب التي أشعلها ابن سلمان خليجيا ضد محور قطر وجماعة “الاخوان المسلمين ” الذي حاول ابن نايف احتواءه والتصالح معه مرحليا , كلها ستكون قنابل موقوتة بوجه العاهل الجديد وملك المستقبل , الذي سيرث مملكة مأزومة داخليا وكثيرة الأعداء في المنطقة ,وتكتفي بالرهان على الراعي الأمريكي الذي راهن وبارك صعود هذا الأمير المعروف بطموحه الشديد وسلوكه العدواني وميله للخيارات العسكرية في حل المشاكل , مما يثير كثير من المخاوف والقلق عما يمكن أن يسفر عن سياسة أسلوبه العنيد والمتسرع على المنطقة برمتها , حيث ينتظر أن تكون اللهجة تجاه طهران أكثر جرأة وهجومية , وربما يترتب عنه حدوث لاقدر الله صدام عسكري مباشر بين ايران والسعودية . فهل سيحاول وقتئذ دونالد ترامب منع ذلك أم سيوافق روسيا على هذا السيناريو الذي سيكون في النهاية لصالح روسيا والولايات المتحدة معا ؟؟؟

على العموم الأيام ستكون خير برهان ما يطبخ للمنطقة من تأجيج الصراع الطائفي بين المحورين السني والشيعي !!

لا تعليقات

اترك رد