“كحك العيد” بين اقتصاد جَيشُنا ومقاصد التائهين


 

_ ربما حَلِموا هم أيضاً بنيل جائزة سخاروف، أو باستقبالٍ حافل بالبيت الأبيض، أو حتى بوظيفة مرموقة بإحدى المؤسسات الغربية الكبرى، أو بتحقيق حلم العيش خارج حدود وطن لم ينتموا يوماً له ولا يستحقون شرف الإنتساب إليه،
_ ولكن التسكع فى شوارع أوروبا وأمريكا والرغبة فى تناول الكافيار يتطلب المزيد من اليورو والدولار،
فما المانع إذاً من الإلتحاق بالتجنيد الإختيارى والإنضمام كمن سبقهم إلى قوافل العملاء،
_ عرضوا أنفسهم للبيع بثمنٍ بخس، فتم قبولهم كأدوات رخيصة للسخرية من الجيش الذى حير أعداءه بعدما انتزع مكانته ضمن أقوى جيوش العالم تجهيزاً وتسليحاً وعتاداً بالرغم من ضعف اقتصاد الدولة.،

_ جلس التافهون الخمسة أمام الكاميرا يتبارون ويتفننون فى عبارات السخرية من أكثر المؤسسات المصرية نجاحاً.. ولم يكلف أياً منهم نفسه بالبحث عن الحقيقة ليعلم أن هناك ما يُعرف “بإقتصاديات الجيوش” وأن الأنشطة الإقتصادية التى يقوم بها الجيش المصرى ليست بدعة، ولا يقوم بها من أجل الرفاهية أو طمعاً فى المال، وإنما لتحقيق الإكتفاء الذاتى اللوجستى للجيش من مأكل ومشرب وملبس وإيواء ودواء وغيرها، وذلك بسبب ضعف الميزانية المخصصة له من الدولة، ورغبته فى عدم تحميلها أعباءاً أكثر، فكانت البداية فى ثمانينيات القرن الماضى بطرحٍ من المشير “أبو غزالة” وزير الدفاع إنذاك، وكان ذلك هو الهدف الرئيسى، ثم مسَّت الحاجة إلى تطوير وتعظيم النشاط الإقتصادى والزراعى والصناعى والخدمى، ليساهم في توفير السلع والخدمات على مستوي الدولة بأكملها وبأسعار تنافسية وجودة عالية لصالح المستهلك ( الشعب) والذى وجد نفسه فى أعقاب ٢٥ يناير ٢٠١١ وانطلاقاً من مسؤليته الوطنية مطالباً بالتدخل لحمايته من احتكار وجشع التجار مثلما فعل فى أزمة ألبان الأطفال الأخيرة، فلولا دخول الإستثمارات الإقتصادية للجيش فى ٢٠١١ لتعرض الإقتصاد المصرى للإنهيار، لأن حجم المؤامرة كان فائق للقدرات، فتحملت هيئة الإمداد والتموين فى القوات المسلحة مسؤلية تأمين كل احتياجات مصر وقتها نظرا لعدم وجود الحكومة.

_ وقد تم إنشاء جهاز مشروعات الخدمة الوطنية من أجل تحقيق الإكتفاء الذاتى النسبى من الإحتياجات الرئيسية للقوات المسلحة وتخفيف أعباء تدبيرها عن كاهل الدولة مع طرح فائض الطاقات الإنتاجية بالسوق المحلى والمعاونة فى مشروعات التنمية الإقتصادية من خلال قاعدة صناعية إنتاجية متطورة تحقق زيادة العائد القومى مع التركيز على الإحتياجات الإستراتيجية، وتحقيق التعاون مع أجهزة الدولة والقطاع المدنى فى إقامة المشروعات الإقتصادية، والتركيز على مشروعات البنية الأساسية وإعطاء أولوية لإقامة مشروعات تنموية بمحافظات شمال وجنوب سيناء ومحافظات جنوب الوادى والمحافظات الحدودية بما يساعد على تنمية هذه المحافظات وجذب الإستثمارات إليها، وخلق فرص عمل لشباب الخريجين.
_ولمن يرغب فى معرفة كل تفاصيل شركات ومصانع القوات المسلحة – وهو أمر ليس سرا – عليه الدخول إلى الموقع الرسمى لوزارة الدفاع ليعرف بنفسه أسماء الشركات والمشروعات والمصانع التى تديرها لتحقيق الأهداف المذكورة سلفا، وسيجد أنها ١٠ مصانع وشركات، تعمل فى مجالات مختلفة مابين المواد الغذائية والتصنيع الزراعى، والمياه، والأسمنت والكيماويات الوسيطة، وغيرها من الأنشطة التى تخدم القطاعين المدنى والعسكرى، وتتم مراجعة أنشطتها المالية بالكامل من خلال الجهاز المركزى للمحاسبات بشكل دورى وفقاً للمعايير المعمول بها مع مؤسسات الدولة المختلفة.

_ إلا أن محاولات تفكيك المشروع الإقتصادى للجيش المصرى، وإثارة القيل والقال حوله بين الحين والآخر، للنيل منه باعتباره عماد القوات المسلحة المصرية، والعصب القادر على سد احتياجاتها المختلفة، فى ظل ضعف الميزانيات الموجهة للجيش، والتى بطبيعة الحال لا تكفى لأنشطة التسليح والتدريب ورفع الكفاءة، التى يحرص عليها الجيش طوال الوقت، وقد وصل ذروته فى أعقاب ٢٥ يناير ٢٠١١، عن طريق ترويح الأكاذيب وإثارة الرأى العام حول هذا المشروع، ورغم فشل الإخوان على مدار عام من حكم مصر فى تفكيك الجيش ومشروعه الاقتصادى، إلا أن خطتهم المعادية لهذا المشروع مازالت قائمة حتى الآن، ويتم إثارتها من فترة لأخرى مستغلين أية أحداث على الساحة لتأجيج الأمر، وكان آخرها كما ذكرنا الموضوع الخاص بألبان الأطفال، الذى تدخل الجيش فيه ليقلل حجم الفساد ويوفر سلعة إستراتيجية أساسية تعتبر أمن قومى لهذا البلد.
_ والحقيقة أن الفاسدون والفوضويون والإخوان ومن يعاونهم من الأجهزة المخابراتية الأجنبية يراهنون دائما على محدودية الثقافة لدى قطاعات عريضة من الشعب المصرى، وارتفاع معدلات الأمية، التى وصلت وفقا للتقديرات الرسمية إلى نحو 29 %،
_ إلا أن حائط الصد يتمثل فى أن المشروع الإقتصادى للجيش المصرى لا يدار فى الخفاء، ولا يعمل تحت الأرض، بل معلن ومعروف منذ ثمانينيات القرن الماضى، مع مؤسسه الحقيقى المشير “أبو غزالة” الذى تعلم من تجربة الحروب أن الجيش لابد أن تكون احتياجاته متوفرة دائما ومستقلة، حتى يتمكن من اتخاذ القرار، وحماية الدولة من أية مخاطر محتملة، وقد كانت التجربة القاسية التى عاشها المصريون طوال سنوات الحرب من ١٩٦٧ وحتى نصر أكتوبر ١٩٧٣، حيث تم توجيه كل موارد الدولة وقتها إلى المجهود الحربى، واختفت السلع الأساسية من الأسواق، وكان المواطنون يضعون الحلوى أو “الكراملة” كما يسميها أبناء الصعيد فى الشاى لتحليته لعدم وجود السكر، والعشرات من السلع الغذائية.

_ ونعود للسؤال الذى طرحنا فى البداية، هل إقتصاديات الجيوش فى مختلف دول العالم بدعة؟ أم أنها واقع على الأرض فى الدول الفقيرة والغنية على حدٍ سواء؟
_ الإجابة التى لا تحتمل الشك وهى أن أغلب جيوش العالم لها أنشطة اقتصادية، وعلى رأسها الجيش الأمريكى، والذى يشارك سلاح المهندسين الخاص به فى الأنشطة الإقتصادية داخل وخارج الولايات المتحدة، خاصة فى الأعمال الإنشائية الكبيرة، مثل الموانى والمطارات العسكرية والمدنية، حيث يشكل ذلك عائداً هاماً يستخدم لصالح القوات المسلحة هناك، وكذلك يحصل الجيش الأمريكى على نسب من صادراتها الخارجية، بالإضافة إلى الدعم والخصومات الكبيرة التى يتم تقديمها عند توقيع عقود مع هذه الشركات، فالشركات العملاقة مثل “لوكهيد مارتن” و “جنرال داينامكس” لا تبيع للجيش الأمريكى بأسعارها المعلنة للخارج، ولا يمكنها أن تبيع قطعة سلاح واحدة إلا بعد موافقة الجيش الأمريكى والسلطات المختلفة.
كما أن وزارة الدفاع الأمريكية هى من اخترعت الإنترنت فى العالم وصدرته إلى كل الدول وتنافس الشركات العملة فى هذا المجال حتى اللحظة،
_ بالإضافة إلى دخول الجيش الأمريكى فى العديد من الصناعات المختلفة مثل اللحوم المصنعة والأجبان الجافة وسوليفان تغليف المواد الغذائية و حلويات الطاقة والميكرويف والفواكه المحفوظة وحاويات ومبردات الأطعمة والمشروبات والخبز والأعشاب والتوابل المعقمة الخالية من الإشعاعات… إلخ

_ وكذلك الحال مع الشركات الفرنسية، فعملاق الصناعات البحرية الفرنسى ” دى سى ان اس” التى صنعت لمصر حاملة المروحيات ميسترال، وكذلك الفرقاطة ” فريم ” لا يمكنها أن تخطو دون مراجعة الجيش الفرنسى، الذى يحصل بالطبع على جزء من أرباحها وعمولات فى العقود والصفقات التى تتم من خلاله،

_ والحالة الألمانية لا تختلف كثيرا عن الوضع فى فرنسا، فيعمل داخل الجيش الألمانى نحو 75 ألف موظف مدنى لخدمة الانشطة الإقتصادية والمشروعات والقطاعات التنموية التى يديرها الجيش، بالإضافة إلى الأعمال الإدارية العادية الخاصة بأنشطة القوات المسلحة هناك.

_ أما الجيش التركى الذى يمول الكثير من المتطاولين على مصر، فيمتلك ٦٠ شركة تعمل داخل الدولة لبناء اقتصاده، للإستثمار فى عدد هائل من الصناعات بدءاً من صناعة السيارات، مروراً بالأسمنت والإنشاءات والأغذية والشيكولاته، ولكننا لم نسمع أحداً فى تركيا يسخر يوماً من جيشه ويقول أنه يصنع الشيكولاتة.
كما يحتكر سيارات “رينو” داخل بلاده،
أما شركة “أوياك” التابعة للجيش التركى فكان يعمل بها فى عام ٢٠٠٩ حوالى ٢٥٠ ألف موظف، وتبلغ أصول تلك الشركة ١٠ مليار دولار تقريباً، ورغم ذلك لم تنافس تلك الشركة منافسة حرة شريفة بتركيا، ومعفاة بالكامل من الضرائب، ولها عديد من الإمتيازات فى الجمارك.

_ أما الجيش الباكستانى فيدير محفظة استثمارية قيمتها 20 مليار دولار، ويدير عملياته الاقتصادية عبر شركة تدعى “جندى” تعمل فى الطرق والمضخات البترولية والصناعات الزراعية والاستثمارات فى المدن، كما يعمل بها عدد هائل من الموظفين المدنيين، مشيرا إلى أن الجيش الباكستانى يملك 7% من أصول الدولة فى باكستان، واستثمر فى فترة قريبة 10 مليار دولار فى تصدير غاز ومصانع سكر وشركات خدمات أمن.

_وعن استثمارات الجيش الإيطالى ببلاده، فهو يعد أهم مستثمر فى صناعة الدواء الإيطالية بمليارات المليارات من الدولارات، حيث أن الجيش فتح مزارعه لزراعة مخدر “الحشيش” من أجل حماية الصناعات الدوائية التى تعطلت استيرادها داخل روما، فالجيش الإيطالى يعمل فى الصناعات الدوائية والصناعات الأساسية للأغذية منذ ١٥٠ عام.

_ أما الجيش الصينى، فيدير الصناعات الحربية العملاقة وبحوث الفضاء والصناعات النووية، ويصدرها للدول الأخرى، كما أنه يدير المطاعم داخل بلاده لتقوية اقتصاده.

_ فيما اكتفى الجيش البريطانى بلعب دور القرصان الذى يسطوعلى ثروات الشعوب.

_ والمتابع للشئون العسكرية سيجد أن موقع “جلوبال فاير باور” المعنى بتصنيفات جيوش العالم يضع الجيش فى التصنيف العاشر عالمياً رغم ضعف الميزانية وحجم الإنفاق على التسليح،
_ وأن موازنة القوات المسلحة المصرية هى الأقل فى المنطقة العربية.. وأن السعودية تنفق على جيشها ١٢ ضعف الإنفاق على الجيش المصرى وإسرائيل ٤ أضعاف
_ وأن معظم الدول فى المنطقة العربية لديها ميزانيات هائلة لجيوشها مقارنة بعدد السكان أو ترتيب تصنيفها عالميا، فيما عدا مصر، التى تحصل على مرتبة متأخرة فى الميزانية الخاصة بقواتها المسلحة، حيث تأتى فى المرتبة ٤٥ وفقاً لموقع جلوبال فاير باور، بواقع 4.4 مليار دولار سنويا، وتأتى فى المرتبة ٢٥من حيث الإنفاق العسكرى على شراء الأسلحة والمعدات، على الرغم من أنها فى التصنيف رقم ١٠ عالمياً، وهذا كلام يرد على كل من يحاول الترويج لفكرة أن الجيش المصرى ينفق المليارات على التسليح ويشترى معدات لا يحتاج إليها وهو ما يتم الترويج له من البعض دون دراية أو فهم أو إطلاع على التقارير والمواقع الدولية المعنية بالتوازن العسكرى.
_ ومن ضمن الأرقام التى تستحق التوقف والدراسة فى ميزانيات جيوش العالم، وفقا لجلوبال فاير باور أن أكثر من ١٥ دولة آسيوية وأفريقية تسبق مصر فى ميزانيات جيوشها، من بينهم جنوب أفريقيا التى تنفق 4.6 مليار دولار على قواتها المسلحة، وكذلك الكويت التى تنفق 5.2 مليار دولار على قواتها المسلحة، والعراق التى تنفق 6 مليارات دولار على جيشه، وإيران التى تنفق 6.3 مليار دولار، وباكستان التى تنفق 7 مليارات دولار، والجزائر التى تنفق 10.5 مليار دولار، وأفغانستان 10.7 مليار دولار، والإمارات 14.3 مليار دولار، والسعودية تصل إلى المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الميزانية المخصصة لجيشها بعد الولايات المتحدث الامريكية والصين، وتصل إلى نحو 56.7 مليار دولار سنوياً، بل إن إسرائيل تصل ميزانية قواتها المسلحة نحو أربعة أضعاف الجيش المصرى، وتنفق 15.6 مليار دولار على جيشها سنوياً، ومع ذلك يسبقها الجيش المصرى فى الترتيب العام، وكذلك كل الجيوش التى تم ذكرها.

_ وعلى الرغم من ذلك فإن الكتائب الإخوانية المنتشرة على مواقع التواصل الإجتماعى، والتيارات الفوضوية التى تدعمها فى الداخل والخارج تحاول طيلة الوقت عرض وجهة نظر واحدة فقط، فتذكر أن الجيش لديه مشروع اقتصادى دون أن ترى المشروعات المماثلة فى جيوش العالم، تتحدث عن ميزانيات التسليح وحجم الإنفاق العسكرى السنوى دون أن تنظر على المواقع الدولية المتخصصة فى وضع هذه التصنيفات، والتى لا تحابى أحداً بل تضع ٥٠ معيار فنى يتم على أساسه تقييم جيوش العالم فى قائمة تضم ١٢٦ دولة.
_ هذه الكتائب لا ترى حجم هذا الجيش العظيم، الذى يمتلك قطع بحرية من حيث العدد أكثر من دولة فرنسا، التى تحتل الرقم ٢١، بينما مصر فى المرتبة السادسة، ورقم ٣ عالمياً من حيث العدد فى طائرات التدريب سواء الأساسى أو المتقدم، والثامن عالمياً فى سلاح الطيران بعد الدول الكبرى، والثالث عالمياً من حيث أعداد المركبات والعربات المدرعة، بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وهذه ليست أسرار ولكنها بالأرقام لمن يرغب فى معرفتها من على مواقع التصنيفات العسكرية المعتمدة.
_ لهذا وجب التنبيه إلى إن أخطر ما يتم الترويج له فى تلك المرحلة هو المقارنة بين الدولة وقواتها المسلحة، وكأن هناك فصل بينهما، ومحاولة تصوير الجيش بأنه دولة داخل الدولة ووضعه دائماً فى قفص الإتهام بدلاً من الإشادة به، على الرغم من أن هذه الدولة نسيج واحد منذ نشأتها، وقد ظل جيشها هو أهم أعمدتها على مدار التاريخ، ولكن كما أسلفنا فإن هذا الإدراك يستعصى على التافه الموعود بتناول “الكافيار” من أيدى حلفاء الشيطان والذى لن يستسيغ أبداً ما تصنعه آيادى بُناة الأوطان.

لا تعليقات

اترك رد