العرب في الإعلام الغربي


 

العرب في الإعلام الغربي
فلم Children of Men نموذجاً

​لم يعد الإعلام حكرا على أحد، ومثلما يمتلكه الغربيون يمتلكه الشرقيون كذلك وهذه بديهية لا جدال فيها، إلا أن ما يختلف في الأمر هو الإطار المؤسسي وستراتيجيا الإدارات التي تحرك الوسائط الإعلامية، وتكتيكاتها وأدواتها للوصول إلى ما تود غرسه في ذهن المشاهد، ورغم ما يشاع بين الفينة والفينة عن افتقاد الثقة بين المشاهد ووسيلة الإعلام سواء كانت مقروءة أو مكتوبة إلاّ أن حاجته لهذه الوسيلة تبقى أصيلة وأكيدة وخاصية التلقي السلبي شائعة بين أغلب متابعي هذه الوسائل..

فهو يستقبل المعلومة ويصدقها ويتعاطى بها ثم وهذا احتمال غير مؤكدا يناقشها.. لذا وصلت أكثر المعلومات إلى مستوى اليقين في الذهن الجمعي للمشاهدين وهذا ما أدركته الدوائر السياسية والاجتماعية الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر فأحسنت استغلال الصحف ثم في نهايات القرن لتحسن استغلال السينما وفي بدايات القرن العشرين لتحسن استغلال الراديو وفي أواسطه لتحسن توظيف التلفزيون الذي وصلت فيه إلى قمة استثمارها للمعطيات الإعلامية، أما الانترنت فقد غدا نموذجاً للتذكير بالدور الذي لعبته ثورة الاتصالات في نجاح وسائط الإعلام جميعاً..

إلى الدرجة التي غدت تفوق قوة السلاح.. فأفضل أرقام انتشار صحيفة ما قبل ابتكار الانترنت لم تعد تذكر أمام حجمها الآن بعد انتشار وسائل الاتصال الحديثة من أقمار صناعية وانترنت يعرض الصحيفة وموادها للعالم أجمع لتلغي الحدود وتوصل المعلومة للقارئ أينما كان، ولعل معرفة الأرقام الكبيرة لمرتادي مواقع الصحف الكبرى يوضح ما يعنيه التواصل مع معطيات الإعلام.. لقد أدرك العرب بالطبع المنحى التصاعدي لتأثيرات الإعلام لذا قررت دوائره الخروج من دائرة التباكي على واقع مرير للولوج إلى العالم الحديث الذي لا يكاد يقف كثيرا عند نقطة واحدة بل يسرع باجتيازها بسبب التطورات السريعة في كافة المجالات ولم تعد مناقشة حقيقة أن العرب لم ينجحوا في حماية نهضتهم التي بدأت في مصر إبان حكم محمد علي باشا،

والتي انتشر تأثيرها على بلاد الشام وباقي أرجاء السلطنة العثمانية مما كان يبشر باختراق السياج الذي حاول الغرب بنائه حول نواتج عصري النهضة والثورة الصناعية التي قفزت بها أوربا وبعض البلدان التي استفادت من إفرازاتها.. كاليابان مثلاً.. في الوقت الذي تقهقر فيه الواقع العربي بتأثير سلسلة الاحتلالات من العثماني إلى البريطاني والفرنسي والايطالي وغيرها.. ثم طائفة من الحكام الذين احتفظوا ببقايا الشخصية البدوية العربية لتظل العسكريتاريا هاجسهم الأول، متذرعين بذرائع شتى بدء من مقارعة الاحتلال مرورا بالحفاظ على سلامة البلاد من التحرشات الخارجية ومحاربة المحتل الصهيوني وصولا إلى حقيقة قمع المواطن العربي وربطه بدائرة الحاكم فلم يعد ممكنا له أن يمتلك حدا أدنى من الحرية الذهنية وهذا ما كان عليه واقع الإعلامالعربي… فبينما طورت المؤسسة الإعلامية الغربية أدواتها ظلت المؤسسة الإعلامية العربية رهينة قبضة الحاكم ومريديه..

وربما كانت النواتج العرضية لأحداث 11 أيلول ـ سبتمبر 2001 محركا للخروج من قمقم الإعلام الرسمي المطلق.. فقد تعرض الذهن العربي لاضطراب شديد.. بين ما تظهر على السطح من سياسات سدنة الحكم العربي وواقع الرفض العالمي للشخصية العربية والمسلمة والتعاطي معها كرديف للإرهاب وهذا ما نجحت وسائل الإعلام الغربية في غرسه وتأصيله.. وبين تغلغل الفكرة الإرهابية بين المواطنين بشكل أو بآخر، كرد فعل للمواقف الأمريكية والغربية المناهضة للمطالب العربية.. ظهر هذا في ردود الفعل العفوية لدى الكثير من العرب بعد أحداث أيلول مباشرة من تشفٍ وارتياح لما حدث في نيويورك وواشنطن…. ولم يرتق الإعلام العربي بطبيعة الحال لمستوى الحدث في إيضاح ملابساته ونقد وجهات النظر المختلفة للمواطن العربي فما بالك بالغربي الذي كان مستعداً لتلقي الأفكار العدائية خاصة أن عقد التسعينات من القرن العشرين قدم له عدة كتب شكلت الإطارالفكري لظاهرة (الاسلامو فوبيا)، أي الهلع من الإسلام، وتعد كتب ككتاب ( صدام الحضارات ) لصموئيل هانتنجتون مفجرة لهذه الفرضية التي أخذت شكل نظرية رأت حتمية الصدام بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ـ المسيحية اليهودية ـ ومن خلال نظرة لصحيفة الصنداي تلغراف في عددها الصادر بتاريخ 5/6/1990 نرى ما الذي صار الإعلام يقدمه للمواطن الغربي..

فقد حمل عنوانها الرئيس ـ هل يقبرنا الإسلام؟ ـ وفي نفس التاريخ نشرت صحيفة الصنداي تايمز افتتاحية عن التهديد الأصولي المسلم الذي يمتد من شواطئ البحر المتوسط في شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى وحدود الصين.. وفي نيسان عام 1992 نشرت صورة رجل يرتدي ملابس تقليدية ويقف أمام مسجد وهو يحمل بندقية بينما نشرت مجلة ـ تايم ـ الأمريكية تقريرا بعنوان ـ الإسلام .. هل يجب على العالم أن يخاف؟ ـ وعلى غلافها نشرت صورة مئذنة وإلى جانبها يد تحمل بندقية آلية.. إذن فقد أمسك الإعلام الغربي بفكرة صراع الحضارات وجعل منها الإطار النظري لستراتيجيا إعلامه..

بينما واصل إعلامنا طرح وجهات نظر زعمائنا وعموميات لا تسمن ولا تغني من جوع.. وبشكل متناثر تراه في بلد يأخذ صبغة ما تختلف عن بلد آخر في افتقار للنظرة الواضحة الرصينة.. لقد طرحت وسائل الإعلام الغربية تحليلاتها لشعار التحالف الدولي من أجل محاربة الإرهاب الذي رفعه الرئيس الأمريكي كلنتون ووافقه عليه العديد من زعماء العالم… وبينهم عرب وتلك مفارقة حقيقية، إذ إن ما عرضته وسائل الإعلام هي نتيجة أن (محاربة الإرهاب ليست حربا عسكرية فحسب بل هي حرب ثقافية في المقام الأول، وأن ما نادى به كلنتون في محاربة الإرهاب ما هو إلا شعار يحمل في طياته شن حرب عالمية شاملة ضد الإسلاملاقتلاعه)، وهذا ما جاء في مجلة اللوموند دبلوماتيك الفرنسية بعددها الصادر في ديسمبر 1992.. ولم تغير شيئاً اعتراضات الزعماء على تصريح الرئيس الأمريكي جورج بوش العلني من أن ( الحملة الصليبية القادمة ستكون طويلة الأمد لتخليص العالم من الأشرار ) .. فما زال الإعلام الغربي يتحرك منطلقا من فكرة بوش في كون العرب والمسلمين هم الأشرار الذين ينبغي تخليص العالم منهم.. وقبلها فكرة كلينتون في ضرورة شن حرب عالمية ضد الإسلام، وتعني ضمنا حربا ضد العرب لأنهم الحاضنة الحقيقية للإسلام… وإذا كان الغرب يتحدث عن استقلالية إعلامه فهل خرج الإعلام حقاً من دائرة ما تطبل لهالإدارات الأمريكية وبعض الأوربية؟…

علينا الاعتراف أولاً بأن شعوب العالم لا تعرف الكثير عن العرب والمسلمين وقضاياهم، وما تعرفه في الواقع هو ما تلقته من وسائل الإعلام الغربية التي تعمد إلى التحريف والتضليل والإساءة.. ولعل أول ما ينتبه له مشاهد فلم ( يوم الأحد الدامي ) مثلاً.. المرأة الإرهابية العربية التي تحاول قتل الآلاف من الناس بمن فيهم الرئيس الأمريكي… وفلم ( الخطأ هو الصحيح ) الذي أبرز إرهابيين عرب يريدون إسقاط قنابل نووية على نيويورك وتل أبيب ، وفلم ( القرار التنفيذي ـ 1996 ـ الذي يحكي قصة خطف المسلمين لطائرة ركاب بعد قتل إحدى مضيفاتها ويعدون العدة لتفريغ كمية من غاز الأعصاب تكفي لقتل الملايين من الناس في واشنطن، ويصور فلم ( أكاذيب حقيقية 1994) الفلسطينيين المسلمين على أنهم ساديون وقتلة يستهدفون الأبرياء من الأمريكان بل يقتلون القساوسة ويقومون بتفجير قنبلة نووية قبالة شواطئ فلوريدا.. وفي فلم ( الحصارـ 1998) نرى أمريكا المسالمة تتعرض لإرهابالمسلمين الأشرار إذ يبدأ الفلم بتفجير موقف سيارات مركز التجارة العالمي في نيويورك..

ذلك الحدث الذي أفقد أمريكا براءتها وفتح أعينها المغمضة على الإرهاب القادم من الشرق الأوسط.. وهذا الخطاب الإعلامي ليس وليد اليوم بالطبع فقد قدمت السينما الأمريكية العربي في عشرينات القرن العشرين في صورة تاجر عبيد وحشي ثم قدمته في السبعينات شيخا بتروليا وما زالت تواصل تقديمه إرهابيا أصوليا متعصبا يصلي ركعتين ثم يقتل الأبرياء.. وصارت وسائل الإعلام الغربية تؤكد كثيرا بعد أحداث أيلول على تلك الصورة النمطية المضللة في ربطها الإرهاب بالإسلام وكونه دينا ضد الحداثة وفي أن العرب خارج إطار العصر وأنهم متخلفون، وقد شاهدنا العربي في فلم ( أطفال الرجال ) الذي أخرجه ألفونسو كوارون بعد إعداده عن كتاب وضعه بي دي جيمس، شاهدناه في عام 2027 يرتدي العقال ويقود بعيره في شوارع لندن… لم يكتف إذن في طرح فكرة التخلف العربي بل يصر على أنه سيواصل تخلفه.. يجب أن نرى الواقع إذن.. فهناك حرب ثقافية متواصلة ضد العرب والمسلمين تبدأ بالكتب المدرسية وتستمر عبر الصحف والتلفزيون والمسرح والانترنت وصولا إلى السينما…

حتى أصبحت ظاهرة الاسلامفوبيا موضة تتداولها الأوساط الثقافية والعامة في الغرب.. وقد عملت وسائل الإعلام على تضخيم ذلك بالطبع من خلال المبالغة في إظهار عدد الغربيين الذين تأثروابالفكر الإسلامي واعتنقوه.. والإشارة إلى وصول بعض المسلمين إلى مناصب رفيعة لتنبيه المواطن الغربي إلى الخطر القادم في عقر الدار الغربية… وإن حدث ثمة حدث سئ ينسب إلى مسلم أو عربي تقوم الكثير من وسائل الإعلامبعرضه وتكرار ذلك بدون مبرر أحياناً سوى غرسه في ذهن المواطن الغربي.. وقد أكدت وسائل الإعلام على الخلط بين التدين الإسلامي والحركات المتطرفة ـ الأصولية ـ ووضعت الكثير من العناوين المثيرة التي غدت في المحصلة تعني المسلمين والعرب دون غيرهم.. مثل الطابور الخامس، حصان طروادة، البرابرة، الوحوش، القنبلة الإسلامية.. والإعلام الغربي ذاته الذي يتشدق بدعاوى الحرية الفكرية يحاصر ويحارب المفكرين المتنورين الموضوعيين ويحاول أن يحجب كتاباتهم عن القارئ الغربي كما حدث مع المفكر الفرنسي روجيه غارودي وما زال يحدث مع الفرنسيين بورجا وجوسلين سيزاري والبريطاني فيسك.. وهم متخصصون في الشأن الإسلامي والعربي..

المهاجرون العرب إذن حصان طروادة في عقر الدار الغربية، هذه الفكرة الأساسية التي تلقفها ألفونسو كوارون لينجز فلمه ( أطفال الرجال) حين افترض بأن جملة من الأسباب أدت إلى أن تفقد النساء خصوبتهن وفي عام 2027 كانت قد مرت ثماني عشرة سنة لم تحدث حالة إنجاب واحدة لطفل.. ويصدم العالم بمقتل الطفل دييغو وهو أصغر إنسان على الأرض وكان يبلغ ساعة مقتله الثامنة عشر من عمره.. عالم بلا أطفال.. إنها النهاية لاريب.. ومع سير أحداث الفلم نرى بأن المهاجرين من عرب ومسلمين وبعض شرقيي أوربا.. صاروا كالصراصر يملئون الأرض البريطانية ويزاحمون المواطن على فرصه في الحياة الكريمة…

لذا تعمل الحكومة البريطانية على القبض عليهم كالجرذان وطردهم من بريطانيا، لقد أدرك البريطانيون أخيرا بأن الفوضى العارمة تعود في كبرى أسبابها إلى تدفق اللاجئين.. وفي معسكر بيكسيل حيث احتجز المهاجرون بغية ترحيلهم يقود العرب والمسلمون انتفاضة مسلحة يحملون فيها الشعارات التي كتبت باللغة العربية وبينها بعض الآيات القرآنية.. ولا يكتفون بحمل الشعارات بالطبع بل الأسلحة التي يطلقون نيرانها ثم يواجهون رجال الشرطة البريطانية في معركة ضروس.. لنتذكر فقط أن هذا يحدث افتراضا في عام 2027.. أي أن ماكنة الإعلام لا تكتفي بتنبيه المواطن الأوربي من خطر الطابور الخامس ـ كما تسميه ـ العربي والمسلم الآن بل بأنه سيكون السبب المباشر في انهيار بريطانيا مثلاً بعد سنوات ليست بعيدة… ومن البديهي أن المشاهد للفلم سيكون حاضنة فكرية ووجدانية لهذه الفكرة وربما يصدرها إلى آخرين لتغدو شائعة تؤكد على رفض العربي والمسلم والابتعاد عن فرص الحوار معه…

​يرى المستشار الألماني السابق ـ هيلموت شميدت ـ بأن ( المشكلة تكمن في أن الرؤية الصحيحة للإسلام غير واضحة وغير كافية لدى الغرب المسيحي) … نعم إنها كذلك وهذا بسبب التقصير الكبير لوسائل الإعلام والفكر والثقافة العربية والمسلمة لكن عجلة التهميش والشطب والإلغاء الغربي لكل ما هو مسلم وعربي غير قادرة على التوقف.. لأسباب عديدة ليس المجال هنا لذكرها لكن دورانها لن تقارعه أية نهضة إعلامية عربية وإسلامية.. لأنه في كل يوم تحقق الكثير من الفتوحات في مجال تأصيل أفكارها المناهضة.. يزيد الطين بلة الواقع العربي والإسلامي وتفشي ظاهرة الإرهاب التي طالت العربي والمسلم قبل الغربي ـ الكافر ـ كما يحلو للأصوليين أن يسموا الغربيين… رغم أن أي موضوعي يستطيع أن يذكر الغربيين بأن الإرهاب متفش في مجتمعاتهم قبل ظهور الأصولية المسلمة بكثير.. ففي أمريكا كان العنف والإرهاب وما زالتا ظاهرتين تتمثلان في انتشار المجموعات المتطرفة والمتعصبة وما زال العالم يذكر جرائم منظمة ـ كوكلان كلاكس ـ في التصفية الجماعية للزنوج والهنود الحمر..

ولم تبلى بعد الصحف التي تحدثت عن تفجير أوكلاهوما في عام 1995 الذي حاولوا توجيه أصابع الاتهام فيه إلى العرب والمسلمين ثم عرف العالم بأن مقترفوه إرهابيين أمريكان.. وفي بريطانيا بلد الديمقراطية العريقة ما زال الايرلنديون يمارسون ما يعتبره الساسة البريطانيون إرهابا منذ أكثر من قرن.. وفشلت الديمقراطية الاسبانية الحديثة في القضاء على ( إرهاب ) منظمة ايتا الباسكية الانفصالية.. وليس غريبا ما ينخر البيت السياسي الأمريكي من فساد يبدأ من تمويل حملات انتخاب الرئيس وعمد الولايات الأمريكية ولا ينتهي بالشركات والدوائر الاقتصادية وحتى الاجتماعية..

​لقد قدم الإعلام الغربي صورة افتراضية للعربي والمسلم حسب ما أرادت أن تقدمه للمواطن الغربي الذي تأثر ـ في الواقع ـ إلى حد كبير بهذه ـ البروباغاندا ـ فهل اكتفت بذلك؟.. كلا بالطبع… إنها تحاول باستقتال تقديم افتراضات تهاجم بها الإنسان العربي والمسلم في عقر داره مستغلة يسر تداول وسائل الإعلام.. ولعل الدراسة التي أعدها الدكتور ياس خضير البياتي ـ الأستاذ في كلية المعلومات والإعلام والعلاقات العامة بشبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا ـ ترينا بأن وسائل الإعلام العربية التي تحاول أن تحاكي الشكل الإعلامي الغربي.. عبر استنساخ بعض المفردات الإعلامية كالبرامج التلفزيونية مثلاً..

صارت من حيث تدري أو لا تدري تساهم في نخر قيم المجتمع العربي وأنماطه الفكرية والمعتقدية وبرامج ـ تلفزيون الواقع ـ الذي يعتبر المادة الأكثر رواجاً في محطات التلفزيون الغربي عبر تقديمها ما يريد المشاهد الغربي متابعته من برامج تحرص هذه القنوات على جذب المشاهد إليها بغية نيل أرباح مضافة.. إلا إننا نرى القنوات الفضائية العربية تقدم برامج مماثلة تحصل عبرها على نسب مشاهدة عالية للنجاح المؤكد لمثل هذه البرامج المؤكد لكنها في الوقت ذاته تعمل على إشاعة بناء مفاهيمي جديد تتبناه الأجيال الصاعدة في المجتمع وتتعامل معه كواقع بديل لواقع تشير الكثير من الأصابع إلى إدانته.. دون تقديم أي بديل موضوعي عبر قنوات الفكر والإعلام العربي.. فهذه البرامج تستغل المسافة الرخوة بين رفض بعض المفاهيم الاجتماعية وعدم وجود بديل لتعمل على تكريس بدائل غريبة عن الواقع والمزاج والذهن العربي والمسلم.. وقد أظهرت الدراسة بأن (الأطفال والمراهقين والشباب يتأثرون بنتائج هذه الثقافة الإعلامية، ومن المحتمل إن تخلق برامج الفضائيات العربية الاضطراب الاجتماعي، وعدم الاستقرار في العلاقات العامة الاجتماعية، وتنمية الفردية والروح الاستهلاكيّة، والهروب من التصدي لواقع الحياة، والاستسلام له، والانبهار بالموديل الأجنبي على حساب الهوية الثقافية، وكذلك تراجع الانتماء للهوية وازدياد اليأس والإحباط.)..

لقد تملك الهوس بالغرب الكثير من الشباب والمراهقين العرب والمسلمين.. الذين صاروا يرون الحياة في أمريكا وأوربا أمنية تدفعهم بالتالي إلى محاولة الهجرة إليها.. لكن الغرب في ذات الوقت الذي يعمل على إفراغ العربي والمسلم من محتواه يذكر بالخطر القادم من الشرق عبر تأكيده على رسوخ الفكرة السلبية في الذهن العربي والمسلم، فرغم عيشهم لسنوات على الأرض الغربية ما زالوا يمنعون بناتهم من ارتياد المدارس إن لم يغطين رؤوسهن.. ورغم القوانين المعارضة لذلك في الغرب لكن العرب والمسلمون يضربون نسائهم رغم أن الكثير من الدراسات والاستفتاءات تظهر أن ضرب النساء ظاهرة شائعة في المجتمع الغربي.. وقبل سنوات قليلة طافت تظاهرة نسائية ضخمة في شوارع اسبانيا ترفع شعار شجب ضرب النساء في اسبانيا.. وفي أمريكا ذاتها تبيح طائفة (المورمون) زواج رجالها بما يتجاوز الخمس عشرة امرأة.. وهل يوجد امتهان للمرأة أكبر من برنامج قناة أم 6 الفرنسية الذي يعتمد على فكرة اختيار شاب وسيم لزوجته.. حتى ظهر بمظهر شهريار فرنسا، فقد قدمت له التصفيات عشر فتيات يخوض في كل حلقة مغامرة مع إحداهن كي يختبر مشاعره نحوها.. وفي ختام الحلقة يقدم لها اعتذاره عن اختيارها زوجة له.. فتخرج الفتاة من السباق أمامأنظار العالم وهي تجهش في البكاء وربما تصاب بانهيار عاطفي.. ليتحول شهريار إلى مغامرة أخرى.. والبرنامج بالطبع واحد من برامج الواقع.. ربما يداعب هذا الحلم الشهرياري الغربي فيدفعه للتعاطي باستمتاع مع البرنامج التلفزيوني لكنه يغدو حلما لشكل الحياة التي يفتقد إليها المراهق العربي والمسلم الأمر الذي يدفعه للبحث عن بديل للحياة الغربية إن لم يحصل عليها فعلاً..

​في فلم ( أطفال الرجال ) نرى بعض الإشارات التي تعمد المخرج وضعها بذكاء… ففي بيت جاسبر صديق بطل الفلم ( ثيو) ـ الذي أدى دوره الممثل كليف أون ـ نرى لافتة كتب عليها لا تضربوا العراق.. ولا للحرب.. انه شخصية ثورية في حكاية الفلم لكنه في نفس الوقت يسرب لنا فكرة أن حرب العراق مستمرة حتى عام 2027 لأن العرب والمسلمون لا يحسنون حسم معاركهم.. لقد وضع الفلم شخصيات مثل جوليان التي أدت دورها الممثلة جوليان مور التي قادت مجموعة مسلحة للدفاع عن حقوق المهاجرين.. الذين لا يحسنون سوى التقاتل دونما طائل كما ظهر في معركة معسكر بيكسل.. فالغربي هو من يدافع عن حقوقنا لأننا لا نحسن الدفاع عنها.. هذه أيضا فكرة حرص الإعلام الغربي على غرسها في أذهان متابعيه.. ولعل اللعبة الأدهى التي طرحها الفلم هي في أن الجنين الوحيد الذي غرس في أحشاء امرأة خلال السنوات الثماني عشرة المنصرمة كان ذاك الذي حملته ـ كي ـ وهي مهاجرة زنجية تعمل مومساً، لذا فهي لا تعرف للجنين أباً.. لكنها والعالم برمته تتقدمهم جوليان ومنظمتها الثورية ـ فيش ـ وزوجها ثيو يعملون على حماية الجنين ـ أمل البشرية ـ وما تمكنت من قراءته في هذه القصة هو أن تغلغل المهاجرين في بريطانيا سرق من مواطنيها فرصة أن يكون الجنين بريطانياً.. لقد زاحم المهاجرون أبناء البلد الأصليين على كل شئ.. حتى على فرص تواصل الحياة…

​ودعونا نخلص في نهاية هذا الموضوع إلى أن الأعلام الغربي عجلة تسير لتهصر أية أحجار صغيرة في طريقها إن لم يوقفها جدار صلب.. ولا سلطة لها القدرة على فرض أجندة ما أو منع دائرة إعلامية من طرح أفكارها سوى الفكرة الأكثر حقيقية والأفضل وصولاً… وهذه هي المسؤولية التاريخية الحقيقية للعرب والمسلمين.. إن كانوا يريدون الحياة على هذا الكوكب.. فمن الضروري الاعتراف أولا بأن ثورة التواصل وتقنياته غدت حقيقة واقعة وينبغي علينا أن نستوعب الواقع الحضاري الآني.. لنعرف بالتالي موقعنا ودورنا فيه.. يجب أن نكون حضاريين في تلقي وتقبل مثل هذه الأفكار.. بما يمكننا من الاستفادة منها والعمل على طرح رؤانا بالتشويق الذي يريده القارئ والمشاهد والمستمع سواء كان عربيا أم غربيا مسلما أم غير مسلم.. وفي ذات الوقت يجب أن نقبل فكرة أننا بحاجة إلى بناء ستراتيجي يبدأ من تغيير فكرة الحكم من فردي تعسفي إلى ديمقراطي.. يقبل الآخر ويحسن محاورته فقد أدت سنوات مصادرة الفكرة إلى محوها وإضعاف جذورنا الحضارية.. علينا أن نعمل على تعميق وعي الشباب وإشاعة التعليم وترسيخ روح الحوار لا التقبل السلبي فحسب.. يجب أن نتعلم على التعامل الحضاري مع المعلومة كيفما كانت ايجابية أم سلبية.. كما يجب أن توضع خطة إعلامية جادة من قبل المفكرين العرب تتبنى تنفيذها الحكومات العربية تتضمن أولاً مواجهة الغزو الإعلاميوالثقافي والحوار مع الإعلام الغربي بلغته ووسائله.. وتحصين الشباب بالدراسة والوعي والثقافة وتوجيه طاقاتهم إلى الاتجاهات الصحيحة.. إن أبرزما يهاجم به الغرب الأجيال العربية والمسلمة الجديدة هو عرض الفوارق بين واقع الإنسان المسلم والعربي وواقع الإنسان الغربي.. إنهم يعرضون الغربي مرفهاً.. سعيدا.. بلا كوابت في الحياة والعمل.. مذكرين العربي والمسلم بكوابته واضطهاده وفقره.. ولابد أن يعمل من بيده أمر الإعلام العربي والمسلم على توظيف السينما والتلفزيون والانترنت عبر إنتاج الأفلام والبرامج التي تقدم العرب والمسلمين بالصورة الحقيقية في مقابل المئات من الأفلام والبرامج التي تعرض وتبث يوميا لتشويه صورة العرب والمسلمين.. وإذا كان أولي الأمر من العرب والمسلمين يصرفون مليارات الدولارات على التسليح وغيره مما لا يصب في خانة رفع الرصيد الإنساني والمعرفي والاقتصادي للمواطن فحري بهم أن يتذكروا بأن الآلة الإعلامية السوفيتية مثلاً كانت تطبع ملايين الكتب لتوزعها مجانا على القراء في شتى أصقاع العالم وبلغاتهم.. حتى عرف العالم برمته الفكر السوفيتي وأدبه وثقافته.. وقد وزع مشروع فرانكلين في أمريكا عام 1952 ثلاثون مليون كتاب أمريكي في سعيه لفرض الثقافة الأمريكية على الثقافة العربية وجعل المواطن العربي في موضع مقارنة بين الثقافة الأمريكية التي تروجها هذه الكتب والثقافة العربية التي تصفها بالتخلف والبعد عن الواقع.. ومثلما نتلقى الثقافات يجب أن نعمل على تصدير ثقافاتنا بشكل فاعل وواسع بدء من البحث العلمي والبحوث المشتركة وصولا إلى إنتاج المادة الثقافية العالمية.. كما يجب وضع خطة عربية إسلامية لإعادة تقييم وتقويم شبكات البث التلفزيوني والإذاعي.. بما لا يعني الرقابة على ما تقدمه لكن في وضع مفردات منهجية تعرف وتحدد غايات البرامج ومديات إيصالها.. ودراستها دراسة معمقة بغية تطوير طروحاتها.. وتنقية ما تقدمه للمشاهد… ويجب استبعاد المواد الإعلامية والتعليمية التي من شأنها إثارة العداوة بين أتباع الحضارتين والابتعاد عن إظهارهما كنقيضين لا يلتقيان..

​لقد أظهر لنا فلم أطفال الرجال ارتداد حضارة الغرب التي وصلت قمتها في قبول الآخر واحتضانه إنسانيا وفكريا، لكنها أظهرت في الوقت ذاته عدم استيعاب الآخر ـ المهاجرون ـ لواقع الغرب الثقافي والاجتماعي والسياسي الأمر الذي عمل بالتالي على تهديم الغرب.. بعض وسائل إعلام الغرب تعمل على تأطير شرط اللاتلاقي والتنافر بين الحضارتين.. وتحاول دوما التذكير بأن انهيار الغرب سيكون على يد التخلف العربي والإسلامي في ظل التسامح الغربي.. فلنعمل إذن على أن نقلب الهرم.. لنظهر بالتالي طاقاتنا الفكرية وواقع أصالة حضارتنا التي طالما تغنينا بها.. لكن لم تتح لنا الفرصة الحقيقية لإظهارها مجسدة…

شارك
المقال السابقغسيل نكات
المقال التالىالعرافة – ج٤
أسعد الهلالي تاريخ الميلاد : 11/3/1960 محل الولادة : بغداد محل الإقامة: بلجيكا التحصيل الدراسي : بكالوريوس ـ سينما.. المهنة : كاتب ومخرج تلفزيوني وسينمائي.. عملت معدا ومخرجا تلفزيونيا في: 1. تلفزيون العراق 2. الفضائية اليمنية 3. قناة السومرية الفضائية 4. قناة الاتجاه الفضائية 5. قناة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد