اختزال


 

إنّه العيد . وابل من التّهاني على صفحات التواصل الاجتماعي ّ. أريد ُ أن تصلني بعض تلك الرّسائل محكمة السّبك التي تشعر معها أنّ الرسالة كتبت لك ، أنت دون غيرك . لكن لا شيء .لايحصل ذلك إلاّ في ما ندر. فكلّ الرّسائل تتشابه . وكل التّهاني سواء . تكاد تختصرها بعض العبارات، نفس العبارات نكرّرها تباعا مع كل فرد مع تحوير هنا وتحوير هناك . وأحيانا تكفي بطاقة جاهزة واحدة لتفي بالغرض فتحمل رسالة التهنئة في كل اتجاه . طامسة في الآن نفسه هويّة الباثّ وهويّة المتقبّل .تفقد تلك الرسائل معناها وأنت تتلقّاها، وأنت ترسلها ،ويتحوّل الأمر فعلا ميكانيكيّا جامدا وغالبا بلا معنى. إنها رسائل بلا روح وقد خلت من كل ّ ما يميّز باثّاّ عن آخر ومتقبّلا عن آخر وكلّ صلة خاصّة .وفي هذا تتشابه الأعياد سواء كانت عيد أمّ أو أب أو عيد أضحى أو فطر .. ولو قــُيّض لنا أن نتبادل التهاني بعيد الشجرة لأوجدنا له أيضا قالبا للتهنئة لا يخرج عنه . إنّها حالة من الفقر العاطفي والفقر اللّغوي لا مسبوقة . وهذا ليس حكرا على الأعياد ولكنه المحصّلة الطبيعيّة لنظام تواصل اجتماعي صيغت فيه هذه المواقع على أساس يجيز قبول خمسة آلاف صديق . فأيّ قلب يسع ذلك، وأيّ لغة تفي بالغرض ؟ المعادلة الطبيعية تكمن في أنّه كّلما كثر عدد الأصدقاء ، ضمر التواصل الحقيقي والعكس صحيح . وبالتالي ضمرت اللغة العميقة ،تلك التي نحرص على سبكها ونحرص على عمقها ونرى جماليّة المتقبّل من جماليّتها . نتوهّم إذن أنّنا انفتحنا أكثر على الصّلات الإنسانية بوجود خمسة آلاف صديق أو أقلّ ، فعلنا ذلك فعلا،وكسبنا عددا لكنّنا أضعنا ذلك العمق .
وضمور هذه القدرة على التعبير ليست حكرا على الأعياد والمناسبات بل أصبحت جزءا من الخطاب اليوميّ المتداول في
النّشريّات والتعليقات والمحادثات المتبادلة على هذه المواقع .
لقد بنيت هذه المواقع على انحسار في هذه القدرة التعبيريّة التي يستعيض فيها الفرد عن التعبير عن مشاعره الحقيقية بنظام علامات بسيط وساذج أقرب إلى الحسّ الطّفولي . فتلك الأيقونات الصفراء ذات الوجوه الضاحكة حينا والدامعة حينا آخر ، الغاضبة في وجه والمتعجّبة في وجه آخر ، تحل ّ بديلا عن اللغة فتختزل انفعالاتنا أيما اختزال وتُسطّحها ولا شك ّ أن الطفل الكامن فينا مازال كامنا ، ومازال يحتاج إلى تلك الوجوه أحيانا ، ولكن هذا لا يخفي أيضا حالة النزوع إلى الجهد الأدنى الذي يدفعنا إلى الاكتفاء بوجه ضاحك بدل تعبيرة دالّة والاستغناء عن كلمة أحبّك مثلا بوجه
يحمل قلبين .
لم يعد التعبير عن الحب أو الغضب أو الحزن محمولا في دلالة لغويّة ، فضلا عن أن تكون دلالة لغويّة منمّقة . ذلك أن ّالعالم التقني يجرفنا بعيدا ويؤثّر في لغتنا . فمن واكب زمن الرسائل الورقية مثلا ، لا شك يعرف مقدار ما كانت تحتاجه من سبك ومن اهتمام بالصّياغة ومن انتقاء حتى في شكل الورق ورائحته عندما يكون المرسل إليه خاصاّ جدّا .. ذلك عالم ينزوي في ركن بعيد من الذاكرة ، وهوأشبه بالطّلاسم لجيل لم يدركه وقد يرى فيه من البط ء والجهد ما لا تسعه ذاكرته السريعة المبرمجة لتكتب في لحظة وتنسى في اللحظة التي تليها .
هذا الاختزال للّغة في أيقونات ، هو في حقيقة الأمر اختزال لعوالم عاطفية وبنى ذهنية . علامة الإعجاب مثلا ، التي
ترافق نشريّة ذات طابع فكري ، لا تفسّر شيئا . وليست دالّة على موقف معلّل من الفكرة أو حتّى حدود ما أعجَب
منها وما لم يُعجب . إنّه نوع من التّراخي الذّهني الذي يتبلّد معه العقل فيفقد تباعا قدرته على الشرح والتفسير
والتعليل والحجاج .. ضمور اللغة وانحباسها في أيقونة هو ضمور لكلّ ذلك دفعة واحدة . واللّغة لم تكن يوما ترفا زائدا .
وكذلك الحاجة إلى التعبير عن الأفكار والانفعالات تعبيرا مستوفى .لأجل ذلك ، مازالت الشعوب المصنّعةالتي سوّقت لنا
التقنية تقيم هي وزنا لتلك الطاقة التعبيريّة . عهود الزواج مثلا التي يتبادلها الأزواج علنا في مراسم الزفاف في بعض
تلك المجتمعات ، هي إعلاء للغة . دورا ووظيفة . إبرام لعقد آخر غير العقد القانوني الجافّ . كلمات التأبين المعلنة في
المآتم ، إعلاء آخر للّغة وللشعور . تودّع الميت بآخر ما يذكره الأحياء عنه . تقديم الأنخاب ، هو تعبيرة أخرى لغويّة توطّّد
العلاقات والتعارف على موائد الإفطار والعشاء وفي المناسبات.
ذلك التعبير هو الحالة الصّحيّة للعلاقات وللعواطف وللأفكار . أمّا ما عداه فمحض وهم . نحن لا يمكننا أن ننسى كلمة طيّبة قيلت لنا منذ عشرين سنة ، ولكنّنا حتما لن نعرف ضرورة من مرّ بجدارنا ليضع علامة إعجاب طارئة قد لا تعني أبدا أنّه قرأ أوفهم ما كتبناه أو أنّه أقام له وزنا .اللّغة إذن أجلّ وأبقى ، وهي وحدها تقهر عوالم الصّمت والقحط .

لا تعليقات

اترك رد