غُصن حلم بساق مبتورة !!!


 

في اختراقي لجدار الصمت، استلَ الماضي سيوفه، ليضرب بجبروته وقوته ، يتسحب ألاف الأميال الى الوراء، يصطحب بعض من حقد السنين، يرميه جِيَفًا في دروب العودة، فيغلق ما تفتق من زهر أبريل، كُتل أخرى من هموم ماضي سال بالدم والدمع ليعزف بأيام الغدر دقات وجع على خاصرتي الحاضر، لتزيده ألما فوق عقود أوجاع ، كما كان للحاضر ألف وجه ووجه كان للماضي ألاف الأقنعة، فلن يفلح إصلاح وجه فلن تكفينا حياة كهذه، بل ألاف من مثلها لكشف كل أقنعتك أو ربما يكفينا من الحياة ضربة حظ.
الذاكرة لا تستوعب كل الماضي ، بعضه أنت، وقليل منه لا حضور لك فيه، فقد امتزجت ذكريات الماضي بألم بُعدك، وغدرك وافتراق دربي عن دربك وثقتي بك ومكرك.

الأرض التي سكنتها أصبحت رمّاد، أمُر عليها مُكمم الوجه، ألُفُ على وجهي بعض أحزاني ورائحة الغدر، كرائحة حريق يصهد جنبات أحلام بعيدة، لكن بعض نسائم ورد الياسمين ورائحة عطرك تتسلل الى جوارحي يشتمها قلبي عبر سنين مضت يتذكر بعض عطرها وقليل من غدرها فلا زال يعاند الماضي كمعاندة السدود لمياه السيل.

اللحظات التي كانت تفوح بعطرك أصبحت ماضي، فقد أغلق الحاضر والماضي، وحتى المستقبل منافذ العودة، ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا محوك من ذاكرتي، من مشاريعي، فآثرت الانتظار على قطع طريقا قد نثرتُ فيه من الحنين والشوق وليالي السهد وصورة لذكراك بمفاتن ألوان الربيع…و ورد على حواف الأقدام.

لكن الشتاء يأتي دائما متنكرا في لباس الستر فيزيد الليل طولا وتزداد معه الهموم وتنفر منه كل الكائنات وتركد فيه الحياة بل تنام في بعض الأحيان، بياتا شتويا خوفا من صقيع لياليه، وأستقبله معانقا فقد تبدل قبله ربيعي شتاءا آخر.

ذوبان الثلوج في بداية الشتاء الآخر، أجرى صقيع الوادي ماءا باردا برودة أحاسيس ذلك الحلم، وعبر هفوة نظر، من وراء جرف الوادي، يتسلل حلمي، يمشي بمحاذاة الوادي تلتصق أقدامه بطينه، فيغطس رجليه في الماء تارة ليغسلها ويخرجهما تارة أخرى بلون الموت، وقد تورمت من الماء والبرد، يساومني بتحديق مستفز بقاع النهر،كأن نِيتهُ رمي نفسه، فقد عبت عليه طول الانتظار، فهو مثلي لا يعرف العوم والزمن بحشائشه وطحالبه الموحشة، التي تحررت للتو من ظلام الشتاء، ستجذبه للقاع فلن ينجو إن سقط، ولن أنجو أنا كذلك، فقد تعلقت به حتى وإن علمت أنه لن يغير الكثير في هذا الشتاء الذي بلغت، لكن ربما يأتي بنسمات عطرة في آخر الدرب تريح القلب من وخز السنين.

أمنية أخرى، وعبرات متثاقلة، لا تعرف طريقها الى السقوط فتحتبس بين جفون التاريخ، لا تقبلها العين عائدة ولا تحررها لتنتحر على منحدر السيل، حتى وإن عرفت أنها النهاية، نهاية حلم آخر يهدد بالرحيل عبر مّد استقامة النهر وكدر و اعوجاج شاطئه .

لا تعليقات

اترك رد