الوطن المواطن السلطة – ج3


 

الهدف من الجهود المبذولة هنا وهناك من طرف الكتاب والباحثين والمهتمين بالشأن الفكري والثقافي للأمة يكمن في إعادة النظر في شروط النهضة العربية الحديثة وهو ما بدأت أولى مؤشراته في الظهور بعد الخريف العربي المدمر التي أظهرت إفلاس الأنظمة العربية في مختلف مستوياتها وأشكالها السياسية والمعرفية والثقافية والعلمية والاقتصادية. وبدأ بذور تغيير تظهر على السطح بإيجابياتها وسلبياتها.

إلا أن كل هذه البذور لم تشكل بعد خطراً حقيقياً على أعداء الوطن الذين يملكون زمام معظم الأمور سواء في الداخل أو في الخارج، فحين يتنبهوا لخطرها على مصالحهم ، وعرفوا أنها ستنسف كل ما جهدوا في إقامته وترسيخه سيحاولون اجتثاثها كالعادة.

فالتذكير بهذه الوقائع والحقائق ليس دعوة إلى اليأس وإنما هو تنبيه نحاول من خلاله جمع شمل المفكرين العرب المعاصرين والجادين للوقوف معاً وقراءة التراث بتأمل أملاً في إنقاذ هذه الأمة التي تتعرض في بداية القرن الواحد والعشرين إلى خطر إبادة جماعية وهجوم على وجودها وذاتها.

ولعل المهمة لن تكون سهلة لكن سنحاول الاستمرار في البحث عن حقيقة عصرنا الحاضر وأن الغد سيقدم لنا أدلة ويكشف عن حقائق لا يوفرها اليوم، والبحوث إنما تقوم على معطيات اليوم أحيانا حقيقية وأحيانا مزورة ومدفوعة الثمن للأسف.

إلا أننا مطالبون بحسن النية والإخلاص في الكتابة وجعلها أمانة في عنقنا من أجل الأمة والوطن ودعوة إلى الوقوف مع الذات ومراقبة أخطاء النفس والإبتعاد عن العلاقة المشبوهة بين الثقافة والسلطة، وأعتقد جازما أن أهم ما يقوّي الشعوب أمام خصومها هو أن يكون لها هدف واحد ، ولن تكون كذلك إلا حين تتوحد الجهود الثقافية و عندما تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم في أفضل حال.

فمن يملك السلطة السياسية يدخل في صراع مع الآخر الحالم أيضا بالنفوذ، وكل من يتمتع بقدر من القوة والمكانة المادية والإجتماعية سيعمل على امتلاك السلطة، ويقدم على انتزاعها ممن يمسك بها. فتصبح السلطة مثار نزاعات تنتهي بحروب تتجدد دائماً: السلب والنهب طلباً لمزيد من الثروة، كلها أصبحت وسائل الوصول إلى السلطة وأحيانا بشرعية مخدوعة ومزيفة.

لكن من يملك السلطة السياسية هو بحاجة إلى نوع من المعرفة تساعده في صراعه مع خصومه وتساعده في الحفاظ عليها ولو لمدة قصيرة. وهي معارف تعطي السلطة نوعاً من الشرعية التي يقبلها الشعب الذي يخضع لتلك السلطة، لكن التاريخ يبيّن أن أصحابَ السلطة غيرُ متفرغين لامتلاك هذا النوع من المعرفة، وهم غالباً ليسوا ممن يملكون المعرفة التي تمكن صاحبها من اكتساب الاحترام التقدير. وتجعله قائدا مميزا. يعني أن السلطتين كانتا مجتمعتين لضرورة كل واحدة منهما للأخرى.

وبقدر ما تتعدد أشكال السلطة السياسية تختلف السلطة المعرفية و تتعدد، فالعلاقة بين الطرفين علاقة جدلية قائمة على مصلحة، ولذلك فهي تقوم على الصراع والمعارضة أحيانا، وعلى الاتفاق في بعض الأحيان عند فئة من ممثلي الفكر والمعرفة.

لا تعليقات

اترك رد